إعلان

الفيفا وسلعة كأس العالم

د. أحمد إبراهيم

كتب - د. أحمد إبراهيم

07:00 م السبت 11 يوليو 2026

هناك كلمة مأثورة تقول إنَّ كلاً من المال الكثير والسلطة المطلقة مفسدتان، وقد تحوَّل الفيفا إلى ماكينة جمع أموال عملاقة، وفي الوقت نفسه أصبح صاحب سلطة تتفوَّق على كثير من الدول، فالمؤسسة الصغيرة بمدينة زيوريخ تحوَّلت إلى عملاق مالي كبير لديه الكثير من الشركاء من كافة المجالات، والذين قد تتقاطع مصالحهم المباشرة مع المبادئ والقيم التي قامت عليها وتنشر شعاراتها المؤسسة الرياضية الأهم في العالم.

فالقوة الاقتصادية للفيفا المتصاعدة بشكل هادئ في بدايات القرن الحالي، معتمدة في الأساس على بيع حقوق البث التلفزيوني في دول العالم، وكذلك الأموال التي تجنيها من الشركات التي تقوم برعاية بطولاتها المختلفة، وذلك حتى بطولة كأس العالم التي أقيمت في روسيا عام 2018، ثم اختلف الأمر بشكل كبير بعد ذلك، وكان الأمر الفارق هو دخول شركات المراهنات المتواجدة بالسوق الأمريكي إلى خانة الشركاء الجدد للمؤسسة الرياضية، لتبدأ العوائد المادية في التدفق بشكل غزير لخزينة الفيفا، خاصة مع الشراكة المثيرة للجدل مع منصة "إيه دي أي بريديكت" كراعٍ رسمي لبطولة كأس العالم، لتدخل المؤسسة الرياضية في سباق الاستفادة من سوق المراهنات والتوقعات الرياضية، خاصة مع التطور الذي لحق بتلك الشركات مؤخراً، وظهور منصات حديثة تخاطب الأجيال الجديدة مستخدمة العملات المشفرة وطرق الدفع المباشرة، مثل منصة "بوليماركت" التي كانت قد خرجت من السوق الأمريكية تحت ضغوط الرقابة قبل أن يتم إعادة هيكلتها لتعود للسوق الأمريكية قبل بداية كأس العالم، ومنصة "كالشي" للتوقعات التي يرأسها الأمريكي "طارق منصور"، وأحد أكبر المساهمين بها "دونالد ترامب" الابن، فهذه المنصات خاصة بالتوقعات والتنبؤات والمراهنات، خاصة الأحداث الآنية في كافة المجالات: الرياضية مثل المباريات ونتائج المباريات أثناء إقامتها، والاقتصادية مثل نسب رفع الفائدة والتضخم، والسياسية مثل المرشحين للرئاسة وإمكانية نشوب الحروب أو إنهائها، وذلك من خلال بورصة للعقود، وتحصل تلك المنصة على أرباحها من خلال فرض رسوم على المعاملات بناءً على الأرباح المتوقعة من العقد، بل أصبحت تلك المنصات رعاة لعدد من المنتخبات مثل كرواتيا والأرجنتين بحملات دعائية لنجوم المنتخبين مثل "مودريتش" و"ميسي"، ليرتفع حجم الرهانات الخاصة بكأس العالم الحالي إلى قرابة الخمسين مليار دولار بدلاً من 35 ملياراً خاصة بمونديال قطر 2022، ومبلغ 21 مليار دولار فقط خاصة بمونديال روسيا عام 2018.

الفيفا لم تكتفِ بتلك القضمة المالية الضخمة، بل امتدت عوائدها لتشمل حتى سوق تذاكر حضور المباريات التي قامت ببيعها مسبقاً، فبدلاً من سابق منعها للسوق السوداء الخاصة بإعادة بيع التذاكر، أصبح إعادة بيع التذاكر يتم من خلال الفيفا نفسها، حيث تم استحداث بورصة للتذاكر التي يتم طرحها من قبل مالكيها للبيع بناءً على حجم المنتخبين ونجومهما من خلال تلك المنصة، مع قيام الفيفا بالحصول على قيمة تعادل 30% من القيمة النهائية لتلك التذاكر خصماً بالمناصفة من البائع والمشتري طبقاً لحجم المباراة، ويمكن شرح ذلك بما حدث أثناء مباراة مصر والأرجنتين، حيث كانت قيمة تذكرة مباراة الدور التالي الخاصة بالمتأهل من تلك المباراة تصل إلى 1900 دولار، لتصل إلى 1000 دولار فقط عند تقدُّم مصر في النتيجة، وتعُود إلى قيمة 2000 دولار عند العودة المشبوهة للمنتخب الأرجنتيني في المباراة، وهي نفس المباراة التي وصلت قيمة الرهانات الرسمية فيها إلى قرابة المليار دولار، وكانت تنذر بخسائر فادحة لشركات المراهنات، حيث كانت نسبة فوز مصر بتلك المباراة لا تتجاوز 12% فقط أمام بطل العالم وأيقونته، ليصبح الفيفا مع الوقت كياناً اقتصادياً بحتاً، ويتحوَّل كأس العالم إلى مجرد سلعة أخرى يتدخل في تحديد من يظفر به شركات ومنصات أهدافها وشعاراتها تناقض شعارات الفيفا السابقة من النزاهة والاحترام والعدل، ليصبح مكان تواجد تلك الشعارات خطوطاً صغيرة على قمصان اللاعبين بشكل رمزي، في حين يمول عرقهم وجهدهم في الملعب خزائن منصات التوقعات والرهانات.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

عفوا.. لا يوجد مباريات اليوم

إعلان