إعلان

من حول العهد الإلهي إلى رخصة للاحتلال؟

محمد جادالله

كتب - محمد جادالله

01:00 ص الثلاثاء 23 يونيو 2026

يا صديقي، ليست كل خيانة تبدأ بطعنة؛ فبعض الخيانات تبدأ بتأويل يُغيّر معنى الكلمة... قبل أن يُغير مصير أمة كاملة. وهذا، في جوهره، ما حدث لفكرة «العهد الإلهي». فما كان في أصله ميثاقا أخلاقيا يحمل الإنسان مسؤولية الحق والرحمة، تحول عبر قراءات متعاقبة إلى امتياز حصري، ثم إلى ذريعة دينية تُبرر الاحتلال، وتُشرعن الاستيطان، وتُقصي الإنسان لأنه ليس من «الشعب المختار».

ولم يكن العهد الإلهي، كما ترويه الرسالات السماوية، صكا يمنح شعبا حق امتلاك الأرض كيفما شاء، ولا تفويضا مفتوحا لممارسة القوة باسم السماء. كان عهدا يُحمّل الإنسان مسؤولية العدل قبل أي شيء آخر. لكن المأساة، يا عزيزي، أن بعض التأويلات نقلت مركز الثقل من الأخلاق إلى الامتياز، ومن التكليف إلى الاصطفاء، حتى غدت عبارة «الشعب المختار» في الوعي الصهيوني الحديث مبررا سياسيا أكثر منها مفهوما دينيا.

وهنا بدأ التحول الأخطر. فلم يعد السؤال: كيف نحفظ العهد؟ بل: كيف نستخدم العهد؟ وتحولت النصوص، في كثير من الخطابات الصهيونية، من دعوة إلى إصلاح الإنسان، إلى أدوات تمنح شرعية لمشروع سياسي يقوم على السيطرة وفرض الأمر الواقع. لم تعد الأرض رمزا للمسؤولية، بل غاية في ذاتها، وأصبح الوعد يُقرأ بوصفه سند ملكية، لا اختبارا أخلاقيا.

ولو عدت معي إلى صفحات التاريخ، يا صديقي، فستكتشف أن الأزمة لم تكن يوما في النص وحده، بل في العين التي قرأته، وفي العقل الذي حوّل الوحي إلى مشروع سلطة. فحين تُقدَّم القوة على العدالة، ويتقدم العِرق على الإنسان، يفقد العهد معناه الأول. وما نراه اليوم في فلسطين ليس مجرد صراع على الحدود، بل امتداد لفكرة جرى بناؤها على مدى عقود، تجعل من المقدس مظلة للمشروع السياسي، ومن الوحي وسيلة لإضفاء الشرعية على الوقائع التي تُفرض بقوة السلاح.

ومع صعود الحركة الصهيونية، وجد هذا التأويل فرصته التاريخية ليغادر الكتب... ويصبح دولة وحدودا وجيشا ومستعمرات. فتحولت مفاهيم مثل «العهد» و«الوعد» و«أرض الميعاد» إلى مفردات سياسية تتردد في الخطاب الرسمي، وتُستخدم لتبرير التوسع والاستيطان، بينما تراجعت القيم التي يفترض أن يقوم عليها أي عهد مع الله؛ قيم الرحمة والعدل وصيانة كرامة الإنسان.

ولعل أخطر ما في الأمر، يا عزيزي، أن هذا التحول لم ينعكس على السياسة وحدها، بل على صورة الدين نفسها. فحين يُربط اسم الله بالمدافع، ويُستدعى المقدس لتبرير هدم البيوت وتشريد الأبرياء، تتشوه فكرة الإيمان في وعي الناس، ويصبح الدين، الذي جاء ليحمي الإنسان، أداة تُستخدم ضده.

ولو نظرنا إلى المشهد الفلسطيني اليوم، فسنجد أن كثيرا من الممارسات تُقدَّم داخل هذا الإطار التأويلي؛ احتلال يُوصف بأنه تنفيذ للوعد، واستيطان يُقدَّم باعتباره حقا تاريخيا، وحصار يجد من يمنحه غطاء دينيا. لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما يُقال في الخطاب السياسي، بل بما يبقى من معنى العهد إذا انتهى إلى اقتلاع إنسان من بيته، أو حرمان طفل من حقه في الحياة.

الحقيقة، يا صديقي، أن العهد الإلهي لا يمكن أن يكون دعوة إلى الظلم، لأن العدل هو أول شروطه. ولا يمكن أن يتحول الوحي إلى وثيقة ملكية، لأن الرسالات جاءت لتقوم الإنسان، لا لتمنحه حق التسلط على غيره. وكل قراءة تجعل الدم طريقا إلى تحقيق الوعد، هي قراءة تُفرغ الوعد من معناه قبل أن تُفرغ الأرض من أهلها.

ولهذا فإن القضية لم تعد مجرد خلاف على التاريخ أو الجغرافيا، بل أصبحت سؤالا أخلاقيا عن معنى الدين نفسه. هل يبقى العهد عهدا إذا فقد الرحمة؟ وهل يظل مقدسا إذا أصبح وسيلة لتبرير القوة بدلا من تهذيبها؟

وربما لهذا لا يكون السؤال الحقيقي: من يملك الأرض؟ بل: من الذي سرق العهد من السماء... ثم باعه للأرض؟

وربما لم تكن أخطر خيانة في التاريخ أن يُنقض العهد... بل أن يُعاد تعريفه حتى يبدو الظلم وفاء، ويبدو القتل طاعة، ويبدو اغتصاب الأرض تنفيذا لإرادة السماء.

وعندها، لا يعود السؤال: من يملك الأرض؟

بل: من الذي أقنع العالم أن الله يمكن أن يكون شريكا في الظلم؟

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان