إعلان

عبد الرحمن… الشارع الذي كشف معنى الإنسانية

مصطفى صلاح

كتب - مصطفى صلاح

07:00 م الخميس 18 يونيو 2026

هناك قصص لا تأتي من الكتب، ولا تُصنع في الاستوديوهات، بل تولد من الأرصفة الباردة، ومن تفاصيل يومية لا ينتبه لها أحد. قصص تمر أمامنا كل يوم، لكنها لا تُرى إلا عندما تقرر أن ترفع صوتها فجأة. قصة عبد الرحمن واحدة من هذه القصص التي لا يمكن التعامل معها كخبر عابر، لأنها تمس شيئا أعمق بكثير من الحدث نفسه.

عبد الرحمن شاب عاش في الشارع، بلا مأوى ثابت، بلا بيت يعود إليه في نهاية اليوم، وبلا شيء يضمن له الحد الأدنى من الأمان. كان واحدا من أولئك الذين ينامون حيث يُتاح لهم النوم، ويستيقظون على احتمالات مجهولة. حياة لا تشبه ما نراه عادة في تفاصيلنا اليومية، لكنها موجودة بكل ما فيها من قسوة وصمت.

في مثل هذا النوع من الحياة، لا تكون المعاناة حدثا طارئا، بل حالة مستمرة. كل يوم يحمل تحديا جديدا: مكان آمن للنوم، لقمة طعام، أو مجرد فرصة لتجاوز اليوم دون أذى. ومع ذلك، كان عبد الرحمن يكمل طريقه، كأن هناك شيئا داخله يرفض أن يستسلم تماما، حتى لو كانت الظروف كلها تدفعه نحو العكس.

ثم جاءت اللحظة التي لم تكن في الحسبان. حادث مفاجئ أصاب إصبعه إصابة بالغة، إصابة لم تكن مجرد ألم جسدي، بل نقطة تحول خطيرة في حياته. بالنسبة لإنسان يعيش بلا مأوى، اليد ليست عضوا فقط، بل وسيلة بقاء. هي ما يعتمد عليه في الحركة، وفي التعامل مع العالم، وفي محاولة الاستمرار.

من تلك اللحظة، لم يعد الألم جسديا فقط. بدأ شكل آخر من المعاناة يظهر: الحاجة إلى علاج عاجل، في مواجهة واقع لا يمنحه أي تسهيلات. بين المستشفيات، والإجراءات، والكلمات المختصرة التي تختصر أحيانا حياة كاملة في جملة واحدة، وجد عبد الرحمن نفسه أمام سؤال قاس: كيف يمكن لإنسان لا يملك شيئا أن يحصل على فرصة للشفاء؟

وحين ظهرت قصته عبر بث إنساني، لم يكن التفاعل بسبب تفاصيل طبية بحتة، بل بسبب الصورة التي حملها المشهد كله. شاب يعيش في الشارع، مصاب، وحيد، في مواجهة وضع لا يرحم. لم تكن هناك مبالغة في القصة، وربما لهذا السبب تحديدا وصلت بسرعة إلى الناس. الصدق أحيانا لا يحتاج إلى شرح.

تغيرت ردود الفعل سريعا. لم يعد الأمر مجرد مشاهدة أو تعليق، بل أصبح حالة عامة من التأثر. الناس رأوا في عبد الرحمن شيئا قريبا منهم، ربما ابنا، أو أخا، أو جارا يمكن أن يكون في نفس الوضع لو اختلفت الظروف قليلا. هذا التشابه غير المرئي هو ما جعل القصة تتحول من حالة فردية إلى إحساس جماعي.

بدأت محاولات الوصول إليه على الفور. اتصالات، أسئلة، بحث في أكثر من اتجاه. لم يكن هناك طريق واضح، لأن عبد الرحمن لا يملك عنوانا ثابتا، ولا مكانا يمكن الرجوع إليه بسهولة. حياته نفسها كانت متنقلة، بلا استقرار، وهذا جعل الوصول إليه مهمة معقدة، لكنها لم تتوقف.

تحرك أفراد بشكل عفوي، كل منهم يحاول بطريقته. هناك من سأل، وهناك من بحث، وهناك من تتبع أي معلومة يمكن أن تقود إليه. لم يكن هناك تنظيم رسمي، لكن كان هناك ما هو أقوى: دافع إنساني صادق، يجعل الناس تتحرك دون انتظار مقابل أو توجيه.

في الخلفية، كانت هناك جهود أكبر تتجمع تدريجيا، مع متابعة الحالة والتأكد من أي خيط يمكن أن يوصل إلى مكانه. وفي كل خطوة، كان الأمل يكبر بأن يتم الوصول إليه قبل أن تتفاقم حالته أكثر.

ومع الوقت، نجحت الجهود في الوصول إلى عبد الرحمن، وتم التدخل الطبي اللازم له، وإجراء العملية التي كانت ضرورية لإنقاذ حالته من التدهور. لحظة حملت معها ارتياحا كبيرا لكل من تابع القصة، ليس فقط لأنها أنهت خطرا مباشرا، بل لأنها أكدت أن الاستجابة ما زالت ممكنة حين يكون هناك وعي ورغبة حقيقية في المساعدة.

لكن القصة لا تتوقف عند هذا الحد. ما حدث مع عبد الرحمن لم يكن مجرد واقعة فردية، بل نافذة صغيرة على واقع أوسع بكثير. هناك كثيرون يعيشون في الهامش ذاته، بلا مأوى، بلا دعم، وبلا صوت يصل إليهم. قصته جعلت هذا الواقع أكثر وضوحا، حتى لو كان موجودا منذ زمن.

اللافت في هذه الحكاية أن أثرها لم يكن في الحدث نفسه فقط، بل في الطريقة التي تفاعل بها الناس معه. ظهر جانب إنساني واضح، وقدرة على التعاطف، ورغبة في أن يكون هناك تدخل حقيقي، لا يكتفي بالمشاهدة. هذا التفاعل يكشف أن في داخل المجتمع طاقة رحمة لا تختفي، لكنها تحتاج إلى ما يوقظها.

قصة عبد الرحمن تضعنا أمام سؤال بسيط لكنه عميق: كم مرة نمر بجانب أشخاص يعيشون ظروفا مشابهة دون أن نلتفت؟ وكم مرة يكون الفارق بين حياة وأخرى مجرد لحظة اهتمام لم تحدث في وقتها؟

في النهاية، لا تبدو الحكاية عن إصابة أو عملية أو تدخل طبي فقط، بل عن إنسان وجد نفسه في الهامش، ثم وجد من يمد له يدا أعادته خطوة إلى الحياة. وهي تذكير هادئ بأن الإنسانية ليست موقفا كبيرا، بل سلسلة من التفاصيل الصغيرة التي قد تغير مصير شخص بالكامل إذا حدثت في الوقت المناسب.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان