التهجير الصامت..
يُعتبر مفهوم "التهجير الصامت" (Silent Transfer) استراتيجية مركبة تعتمدها السلطات الإسرائيلية لتغيير الواقع الديموغرافي في الضفة الغربية والقدس دون اللجوء إلى عمليات طرد جماعي علنية تثير المجتمع الدولي، بل من خلال خلق "بيئة قسرية" تجعل البقاء مستحيلا.
بدأ تطبيق هذه الاستراتيجية بشكل منتظم منذ عام ٢٠١٦، وتستمر حتى الآن عبر مكاتب محاماة وجهات "إدارية" تعمل كواجهة لتسهيل هجرة الفلسطينيين تحت مسمى "الهجرة الطوعية". حيث أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عام ٢٠٢٥ عن خطط لإنشاء هيئات تسهل خروج الفلسطينيين. كما تعمل بعض المكاتب القانونية الإسرائيلية "الخاصة" على تقديم استشارات للفلسطينيين (خاصة الشباب في الضفة وغزة) لتسهيل الحصول على تأشيرات لدول في أوروبا أو أمريكا الجنوبية أو أفريقيا، مستغلة حالة اليأس والحصار الاقتصادي والأمني.
ويُعتبر هؤلاء المحامون جزءا من البيئة أو المنظومة القسرية غير القانونية، التي تعمل على تخيير المواطن الفلسطيني بين الهدم المستمر لمنزله وحرمانه من الخدمات، وبين تقديم مساعدة قانونية له للهجرة وتصفية أملاكه وتعويضه عنها!
هذا على المستوى المؤسسي، أما على مستوى النشاط الاقتصادي والعمل، فقد برزت سياسة المياه وتجريف الأراضي في الضفة الغربية وغور الأردن كأداة اقتصادية لتقويض حياة المزارعين الفلسطينيين والقطاع الزراعي – أحد المصادر الرئيسية لدخل الأسر الفلسطينية – بأسره. كما يعتبر القطاع الزراعي أساس الوجود الفلسطيني في المنطقة "ج" وغور الأردن، وهي المناطق التي يسعى كيان الاحتلال إلى ضمها للأراضي الإسرائيلية.
ويمكن فهم ما سبق من خلال سياسات كيان الاحتلال لإحكام السيطرة على أكثر من ٨٥٪ من موارد المياه الجوفية في الضفة الغربية، وحظر حفر الآبار أو حتى تعميق الآبار القديمة إلا بتصريح من السلطات الإسرائيلية. كما وثقت تقارير لجان حقوق الإنسان الفلسطينية والأممية تدمير مئات صهاريج المياه وخطوط الري وآبار جمع مياه الأمطار بحجة "عدم الترخيص".
وفيما يتعلق بمنطقة "غور الأردن"، فيستهدف كيان الاحتلال تحويله إلى منطقة استيطانية بالكامل، وذلك بتحويل ٤٦٪ من مساحة الغور إلى منطقة تدريب عسكري، مما يمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم. كما قامت سلطات الاحتلال عام ٢٠٢٤ بالاستيلاء على ٨ آلاف دونم في الأغوار واعتبرتها أراضي لدولة إسرائيل.
أما بالنسبة للمنشآت، فوفقا لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية "الأوتشا" ومنظمة "بتسيلم"، قام كيان الاحتلال بتدمير حوالي ١٠ آلاف منشأة في الضفة الغربية وغور الأردن خلال الفترة من ٢٠١٦-٢٠٢٦، تشمل منازل وحظائر أغنام ومنشآت زراعية. كما تجاوزت مصادرة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغور الأردن والقدس أكثر من ١٢٠ ألف دونم. كما تم تجريف أكثر من ٦٠٠ بئر وخزان. كما تم التهجير القسري لأكثر من ١٥ ألف فلسطيني في المناطق الرعوية نتيجة هدم المنازل والاستيلاء على الأراضي.
كما سجل عام ٢٠٢٦ أعلى معدل شهري لعمليات الهدم والتهجير في الضفة الغربية منذ بدء تسجيل البيانات الأممية قبل ١٧ عاما، مما يشير إلى تسارع وتيرة هذه السياسة بشكل غير مسبوق.
وتُعتبر هذه الممارسات، وفقا لتقارير الأمم المتحدة (2025-2026)، جزءا من جريمة "الترحيل القسري"، حتى لو بدت "طوعية" أو "قانونية" عبر مكاتب محاماة. فالإكراه لا يشمل القوة البدنية فقط، بل يشمل سلب سبل العيش (المياه والأرض) والضغط الإداري المستمر، مما يدفع السكان للرحيل "صمتا" بحثا عن حياة كريمة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع