إعادة اكتشاف «بنت الباشا»
تعد الأميرة نازلي بنت محمد علي باشا (1799 - 1860) ثاني أكبر بنات محمد علي باشا، وهي زوجة محمد خسرو الدرملي بن خليل إبراهيم آغا، المعروف بمحمد بك الدفتردار، الذي قاد حملات عسكرية في السودان، وكان من أصحاب النفوذ والتأثير في عهد محمد علي.
ويأتي كتاب نورهان علام «بنت الباشا: زهرة بنت محمد علي والمجتمع المصري في القرن التاسع عشر» (دار العين، 2026) ليقدِّم عملًا بحثيا رصينا وموثقا، ومشروعا بحثيا متكاملا، هدفه ليس فقط إثبات وجود شخصية تاريخية، بل مساءلة أسباب تغييبها. يتناول الكتاب الذي يقع في 302 صفحة سيرة الأميرة خديجة نازلي، المعروفة أيضا باسم «زهرة»، بوصفها نموذجا لشخصية أُزيحت إلى هامش التاريخ.
كانت «زهرة» الأميرة الوحيدة التي عاصرت في حياتها أربعة حكام من الأسرة العلوية؛ فقد شاركت والدها مشواره، بدءا من رحيله من قَوَلَة إلى مصر جنديا متطوعا في الجيش العثماني للمشاركة في حل الأزمة المصرية، حتى وصوله إلى سُدَّة الحكم، ثم إلى نهاية حكمه، لتصبح آخر فرد متبقٍ من الجيل الأول من أسرة محمد علي، بعدما فقدت شقيقها طوسون باشا أولا، ثم إسماعيل، تلاه رحيل والدتها أمينة هانم، وشقيقتها الكبرى توحيدة هانم، ثم شقيقها الأكبر إبراهيم باشا، وأخيرا محمد علي باشا نفسه. كما شهدت الخلافات التي حدثت في العائلة بعد وفاة محمد علي، واعتلاء عباس حلمي الأول العرش -الذي سيبقى اسمها مرتبطا به في التاريخ؛ لكونها المتهمة الأولى في مقتله. إلى أن رحلت قبل نهاية حكم سعيد بثلاثة أعوام، لتكون بذلك الوحيدة التي عاصرت الفترة الأولى من الحكم (فترة محمد علي، وإبراهيم باشا)، والثانية (فترة عباس حلمي الأول، ومحمد سعيد باشا)، ورحلت قبل أن تشهد الفترة الثالثة (فترة الخديو إسماعيل وأبنائه).
تبدو الأميرة خديجة نازلي (نازلي) بنت محمد علي باشا شخصية غامضة؛ فقد أحيطت سيرتها بالروايات التي تنال من سمعتها وتتحدَّث عن تورطها في علاقات غرامية محرَّمة وجرائم قتل سادية، حتى سماها البعض «قتَّالة الشجعان».
في زيارة للحريم عام 1845م، كتبت إيزابيل رومر:
«لا بد لي من التوقف قليلا عند نازلي هانم (زهرة)، كبرى بنات الوالي، وأحب أولاده إلى قلبه، وابنة زوجته الأولى الأعز على نفسه، تلك التي كان تعلقه بها عظيما إلى حد أنه لم يُعرف قط أنه رفض لها طلبا، وكان دوما يحلف بعينيها الجميلتين. أما قصر نازلي هانم (زهرة).. فهو فخم كقصر أميرة حاكمة؛ ومجوهراتها وأوانيها الفضية أثمن من تلك التي يملكها الباشا نفسه. ويهديها والدها، بدافع حبه، كثيرا من الهدايا الثمينة التي تُقدَّم إليه من القوى الأوروبية المختلفة. حتى النافورة الفضية الجميلة التي أهدتها إليه شركة الهند الشرقية؛ وعد بإعطائها لابنته قبل أن تصل إلى مصر، وحتى الهدية التي قدَّرها أكثر من أي شيء آخر، صورة ملكتنا الكريمة التي أرسلتها جلالتها مؤخرا إلى الوالي، أصبحت الآن في حيازة نازلي هانم (زهرة)».
يكشف كلام رومر عن شيئين غاية في الأهمية؛ الأول: مكانة زهرة في قلب محمد علي، وتتعدد الأمثلة التي تؤكد هذه المكانة. والثاني: حجم النفوذ وطبيعة السلطة التي امتلكتها داخل القصر وخارجه؛ إذ نحن أمام النظير الأنثوي لمحمد علي – إذا صح التعبير. وقد أكد عارف باشا تلك المعلومة في كتابه بقوله:
«ويقال نقلا عن محمد علي باشا: أن على رأس قائمة الأغنياء في مصر من جهة المجوهرات: هي كريمته خديجة هانم ]زهرة[ والثانية هي حرم سليمان آغا».
وفي زيارة سابقة على زيارة رومر، وصفت الآنسة بلات -خلال زيارتها لقصر الباشا في شبرا- مكانة زهرة وسلطتها داخل القصر قائلة:
«تم اصطحابنا عبر جميع الغرف الرئيسة في جناح الحريم. الصالون الكبير حيث تجتمع السيدات، وتجلس فيه عادة صاحبة السمو نازلي هانم (زهرة) في الجزء العلوي من الصالة، وهو مكان مرتفع للغاية، ومزود بمفروشات باهظة الأثمان. والجدران والسقف مزينة بالمرايا واللوحات الفنية والنقوش، وبعض الزخارف الذهبية. والأرضية مغطاة بسجادة تركية أنيقة، ويمنح الضوء الخافت المتسلل من نافذة واحدة كبيرة، ولكنها مشبكة بإحكام عند نهاية الصالون – بريقا فخما لتلك الزينة، كان سيجعلها تبدو رديئة نسبيا تحت ضوء أقوى. وفي أحد الأجنحة الخارجية غرف صغيرة تحيط بالمكان، مخصصة لزوجات الباشا الأربع، ولسيدات أخريات من البلاط. جميعهن خاضعات لأمر صاحبة السمو؛ حتى شقيقاتها يقفن في حضرتها وتبدو عليهن الرهبة. ومع ذلك.. علمنا أن سلوكها تجاه أتباعها يتسم غالبا باللطف، لكن مجرد نظرة منها تكفي لأن تجثو جميعهن عند قدميها، يقبّلن طرف ثوبها».
كوّنت زهرة علاقات وثيقة مع زوجات القناصل الأوروبيين، من بينهم مدام روزيتي، زوجة قنصل توسكانا، وأليس هليداي، المعروفة بمدام «ليدر»، زوجة المبشر يوهان ليدر، والتي كانت زهرة تعاملها كما لو كانت من ذوي قرابتها.
يذكر الجبرتي أن الاحتفالات بزفاف زهرة فاقت في بهرجها احتفالات زفاف شقيقها إسماعيل. ورغم برودة الطقس -إذ وافق يوم الزفاف الثالث عشر من شهر طوبة القبطي- فإن الناس لم يمتنعوا عن الاحتفال، فكانوا ينامون في نواحي البركة، ناصبين خياما تقيهم المطر والبرد. وفي ليلة أربعاء زُينت الحوانيت والطرق استعدادا لزفة العروس، وقدمت الهدايا نساء الأعيان وأمراء المماليك، من الجواهر والتحف الثمينة. ومع صباح الخميس، خرج موكب الزفة من باب الهوا، مرورا بقنطرة الموسكي، وباب الخرق، ودرب الجماميز، ثم انعطف من الصليبة، ومنه إلى المظفر، ثم السروجية، ثم قصبة رضوان بك، ثم باب زويلة، ثم شارع الغورية، ثم الجمالية، ثم سوق مرجوش، ثم بين السورين، حتى الأزبكية، حيث المنزل الذي أُعد له وهو قصر الأزبكية.
في فترة زواجه من زهرة التي استمرت 20 عاما ولم تثمر أولادا، ازداد نفوذ محمد بك الدفتردار، حتى أصبح أحد المرشحين المحتملين لخلافة محمد علي على ولاية مصر، كما ذكرت سارة غاسكوين لوشينغتون. لكن محمد بك الدفتردار مات فجأة في عام 1833، وقد أثار موته الشكوك، وانتشرت شائعات بأنه مات مسموما، وأن محمد علي وابنته زهرة كانا وراء ذلك. يقول ناساو ويليام سينيور، أثناء زيارته مصر -تعليقا على وفاة الدفتردار-: «عندما ازدادت قوته، وأصبح يشكل تهديدا على محمد نفسه.. أتى خبر وفاته في الوقت المناسب، ما أثار الشكوك حول كونها مدبرة من قبل زوجته بتحريض والدها. وتشيع في القاهرة أسطورة مفادها أنه عندما نقل جثمانه إلى الضريح -ذلك الضريح الفخم الذي بناه محمد علي لعائلته- ظهر شيطانان لاستقباله. لقد تحركت جهنم من الأسفل استعدادا لاستقباله».
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع