إعلان

قرنان بين ثروة الأمم وفشل الأمم..

د. غادة موسى

كتب - د. غادة موسى

07:00 م السبت 31 أكتوبر 2026

يحتفل العالم بمرور مائتين وخمسين عامًا على صدور أحد أمهات كتب الفكر الإنساني والاقتصادي؛ وهو كتاب "ثروة الأمم" (The Wealth of Nations) للمفكر والفيلسوف الاسكتلندي آدم سميث، والذي نُشر رسميًا في مارس من عام 1776، حيث مثّل هذا العمل المؤسس انطلاقًا حقيقيًا لعلم الاقتصاد السياسي الحديث، وغيّر جذريًا نظرة العالم إلى علاقة التاريخ والجغرافيا بالإنتاج، ومفهوم "اليد الخفية" التي تنظم الأسواق بحرية بعيدًا عن التدخلات المفرطة للدولة.

وتكمن أهمية كتاب سميث في إطلاقه لمفهوم الرخاء العام ونمو ثروات الأمم والشعوب عبر تحرير المبادرة الفردية ورفع الإنتاجية.

يتوزّع الكتاب الأصلي على خمسة كتب رئيسية، غطت شتى جوانب الحياة الاقتصادية والمؤسسية في ذلك العصر كتحسين القدرة الإنتاجية للعمل، ونظريات تقسيم العمل والأجور والأرباح، وطبيعة رأس المال، وتراكمه، واستخدامه كأداة للإنتاج. والمسار المختلف لنمو الثروة في مختلف الأمم، وتاريخ السياسات الاقتصادية الأوروبية، خصوصًا النظام التجاري الإقطاعي. بالإضافة إلى الدعوة نحو الحرية الاقتصادية ودراسة إيرادات ونفقات الدولة.

غير أن الاحتفال بهذه الذكرى يصطدم اليوم بمفارقة صارخة تتمثل في تركز ثروات العالم في يد أقل من 1% من سكانه، ومحدودية الموارد الطبيعية والبيئية. حيث تُظهر هذه الظاهرة انحرافًا حادًا عما توقعه سميث؛ فالأسواق التي وُجدت لتخلق منافسة عادلة وتحقق رفاهية واسعة النطاق، تحولت بفعل الاحتكارات الرأسمالية المزمنة والشركات العابرة للقارات إلى أدوات لتركيز رأس المال، وتهميش الطبقات الوسطى، واستنزاف الكوكب. لقد غاب التوازن بين حرية السوق والعدالة الاجتماعية، لتصبح ثروة العالم رهينة في أيدي نخب ضيقة.

ويتكامل هذا التساؤل المُلِحّ مع ما طرحه الاقتصاديان دارون أسيموجلو (Daron Acemoglu) وجيمس روبنسون (James A. Robinson) في كتابهما الشهير "لماذا تفشل الأمم" (Why Nations Fail) الصادر عام 2012. حيث يطرح الكتاب إجابة جذرية عن سبب تفاوت ثروات الدول، مفادها أن المؤسسات هي الفيصل. ومن بين تلك الأسباب انهيار المؤسسات المنصفة لصالح مؤسسات غاصبة، وسيطرة الأخيرة على مقاليد السلطة لتوجيه الثروات لمصالحها الخاصة. بالإضافة إلى غياب سيادة القانون وحماية الملكية مما أدى إلى انعدام الضمانات القانونية للأفراد العاديين للاستثمار والابتكار بحرية. واحتكار الفرص وانعدام تكافؤها.

إن العودة إلى إرث آدم سميث اليوم، عبر نافذة التحليل المؤسسي لأسيموجلو وروبنسون، تفرض على العالم إعادة صياغة قواعد النظام الاقتصادي العالمي، لضمان ألا تتحول ثروات الأمم إلى غنيمة محصورة في قبضة الأقلية، ولتعود التنمية في خدمة الإنسان والمجتمع لا عبئًا عليهما.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع