إعلان

عمر أبو الهنا.. موهبة مصرية في الغربة تنتظر يد الدولة

مصطفى صلاح

كتب - مصطفى صلاح

07:00 م الخميس 29 أكتوبر 2026

لم يكن أصعب ما واجهه عمر أبو الهنا أن يغادر مصر ، ولا أن يبدأ حياته من جديد في بلد بعيد ، وإنما أن يجد نفسه مضطرًا إلى مواصلة حلمه في الغربة ، بعيدًا عن أسرته وبلده ، بحثًا عن فرصة تمنحه ما يحتاج إليه من علم ورعاية وتقدير. فهناك أحلام لا يستطيع أصحابها التخلي عنها بسهولة ، لأنها ليست مجرد رغبة عابرة ، بل جزء من تكوينهم ، وصورة للمستقبل الذي أمضوا سنوات في الاستعداد له. وعندما يصبح الطريق إلى تحقيق الحلم أكثر صعوبة ، لا يجد صاحبه أحيانًا سوى السفر ، لا بحثًا عن حياة أسهل ، بل دفاعًا عن حقه في أن يصبح ما يريد.

هذه بعض ملامح حكاية عمر أبو الهنا ، عازف العود والمؤلف الموسيقي المصري ، المولود عام 2001 ، الذي اختار مواصلة دراسته الموسيقية في هولندا ، بعدما بحث عن فرصة تساعده على تطوير موهبته واستكمال مشروعه الفني. وهي حكاية تستحق أن تُروى بعيدًا عن المبالغة أو استدرار العطف ، لأن تفاصيلها تضعنا أمام قضية أكبر من تجربة شاب واحد ، هي قضية المواهب المصرية التي تحتاج إلى من يكتشفها ويرعاها ، ويمنحها فرصة حقيقية للنمو داخل وطنها.

لم يبدأ عمر رحلته من فراغ ، ولم يحمل عوده إلى الخارج بحثًا عن فرصة أولى يثبت بها قدرته على العزف. فقد درس في المعهد العالي للموسيقى «الكونسرفتوار» ، ونجح في سن مبكرة في لفت الانتباه إلى موهبته في التأليف الموسيقي. وقبل ثلاث سنوات ، حصل على المركز الثالث في مسابقة للتأليف الموسيقي على مستوى مصر ، بمشاركة موسيقيين وأساتذة ذوي خبرة ، وعُزفت المقطوعة التي ألفها على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية.

كان ذلك إنجازًا يستحق أن يكون بداية لمرحلة جديدة في مسيرته ، ودليلًا على أن هذا الشاب يمتلك موهبة تستحق التطوير والاهتمام. فعمر لا يكتفي بإتقان العزف على العود ، وإنما يتجه إلى التأليف الموسيقي الكلاسيكي المعاصر ، محاولًا بناء تجربة تجمع بين خصوصية الموسيقى الشرقية واتساع الأفق الكلاسيكي. وهذا الطريق يحتاج إلى دراسة جادة ، وتدريب متواصل ، ووقت يسمح للموسيقي بأن يختبر أفكاره ويعيد صياغتها ، حتى تتحول الموهبة من استعداد فردي إلى مشروع فني متكامل.

لكن الطريق ، كما تروي أسرته ، لم يكن ميسرًا بالقدر الذي كان يتمناه. فقد شعرت الأسرة بأن عمر لم يجد التقدير الكافي من بعض أساتذته في الكونسرفتوار ، وأن البيئة التعليمية لم توفر له المناخ المناسب لتطوير مشروعه في التأليف الموسيقي المعاصر.

ولا تكفي هذه الرواية وحدها لإصدار أحكام على أشخاص بعينهم أو تعميم التجربة على المعهد كله ، لكنها تفتح بابًا ضروريًا للنقاش حول قدرة منظومة التعليم الفني على استيعاب المواهب المختلفة ، ومنح أصحاب الرؤى الجديدة ما يحتاجون إليه من تشجيع وتوجيه.

وهنا يبرز سؤال لا يجوز تجاهله ، هل نكتفي باكتشاف الموهبة عندما تفوز بجائزة ، أم نتابعها ونرعاها ونوفر لها الطريق الذي يساعدها على الاستمرار؟ وما قيمة أن تمتلك مصر مواهب شابة قادرة على الإبداع ، إذا لم تجد بعض هذه المواهب ما يشجعها على البقاء والتطور ،

فتضطر إلى البحث عن فرصتها خارج الحدود؟

إن حكاية عمر تطرح أيضًا قضية المحسوبية والوساطة ، باعتبارهما من الممارسات التي يمكن أن تضر بتكافؤ الفرص عندما تتقدم العلاقات على الكفاءة ، أو يصبح الوصول إلى الدعم مرهونًا بمعرفة الأشخاص لا بقدراتهم وإنجازاتهم.

ولا يجوز الجزم بأن المحسوبية أو الوساطة كانتا السبب المباشر في سفر عمر دون أدلة تثبت ذلك ، لكن من حقنا أن نطالب بأن تكون معايير اكتشاف المواهب ورعايتها واضحة وعادلة ، حتى لا يشعر أي شاب بأن اجتهاده وحده لا يكفي ، وأن عليه البحث عن الاعتراف بموهبته في مكان آخر.

هذا نموذج من الموهوبين الذين كان ينبغي أن يجدوا الرعاية والاحتضان داخل وطنهم ، وأن تتاح لهم فرصة تطوير قدراتهم والاستفادة من تجاربهم قبل أن يضطروا إلى السفر لاستكمال دراستهم. فمصر ليست فقيرة بالمواهب ، وإنما تحتاج إلى آليات أكثر فاعلية لاكتشافها ومتابعتها ، وإلى منظومة تجعل الكفاءة أساس الاختيار ، وتمنح أصحاب الإنجازات فرصًا حقيقية بعيدًا عن أي اعتبارات لا علاقة لها بالموهبة.

وكان من الممكن أن تكون تجربة عمر مثالًا على كيفية احتضان المبدع المصري في بلده ، وتوفير البيئة التي تساعده على بناء مشروعه ، بدلًا من أن تتحمل أسرته وحدها أعباء الرحلة ، ثم يواصل هو معركته في الغربة.

وفي هولندا ، يدرس عمر في جامعة أرتيز بمدينة زفوله ، وتقول أسرته إنه وجد تقديرًا من أساتذته لموهبته ، كما حقق جوائز هناك. غير أن الانتقال إلى بيئة تعليمية جديدة لم ينهِ متاعبه ، بل وضع أمامه تحديًا آخر ، فالدراسة في الخارج مكلفة ، والاستمرار فيها يحتاج إلى موارد مالية كبيرة. وتقول أسرته إنها تحملت نحو مليون ونصف المليون جنيه مصري لتغطية نفقات سنته الدراسية الأولى ، بينما يعمل عمر الآن إلى جانب دراسته لتغطية نفقاته ومواصلة الطريق.

وهنا تأتي المطالبة الواضحة للدولة المصرية بأن تتدخل لرعاية عمر أبو الهنا ، وأن تبحث الجهات المعنية بالثقافة والتعليم الموسيقي ، بالتعاون مع دار الأوبرا المصرية والجهات الداعمة للفنون ، إمكانية توفير منحة أو دعم مالي يضمن له استكمال دراسته في هولندا.

فالرعاية المطلوبة ليست مكافأة عاطفية ، ولا استثناءً من معايير الاستحقاق ، وإنما استثمار في موهبة مصرية حققت إنجازًا في مجالها ، وتسعى إلى اكتساب المزيد من العلم والخبرة.

وإذا كانت الدولة معنية بالحفاظ على ثروتها البشرية ، فإن رعاية المبدعين ينبغي أن تكون جزءًا من هذه المسؤولية ، سواء داخل مصر أو خارجها ، متى توافرت معايير الجدارة والقدرة على الاستفادة من الدعم.

وبحسب أسرته ، لا يريد عمر العودة قبل استكمال دراسته ، وإنما يأمل أن تساعده بلده على مواصلة رحلته في هولندا ، ليعود بخبرة أكبر وقدرة أوسع على تقديم مشروعه الموسيقي. وهو لا يطلب من وطنه أن يختار له مستقبله ، بل أن يساعده على بنائه ، وأن يمنحه الفرصة التي يحتاج إليها ليكون فنانًا أكثر نضجًا وقدرة على الإسهام في الحياة الموسيقية المصرية.

إن عمر أبو الهنا لا يحتاج إلى كلمات الثناء وحدها ، ولا إلى تعاطف مؤقت ينتهي بانتهاء الحكاية ، بل يحتاج إلى موقف عملي يترجم الاهتمام بموهبته إلى فرصة حقيقية. وربما لا نعرف اليوم إلى أين ستصل تجربته ، لكننا نعرف أن وراءها شابًا اختار ألا يتخلى عن حلمه ، وأسرة تحملت أعباء كبيرة حتى لا ينقطع الطريق أمامه.

فليس كل من يسافر يترك وطنه وراءه ، فهناك من يحمل وطنه في عوده ، وفي موسيقاه ، وفي الحلم الذي يصر على إكماله. وعمر واحد من هؤلاء ، يستحق أن يجد يدًا تمتد إليه ، لا لتختصر له الطريق ، بل لتساعده على مواصلته ، حتى لا يعود يومًا ليحكي كيف اضطر إلى الرحيل كي يجد من يؤمن بموهبته ، بل كيف ساعده وطنه على أن يصبح الموسيقي الذي حلم بأن يكونه.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع