إعلان

نحن شعب يحب النظام.. بشرط أن يبدأ الآخرون أولًا

مصطفى صلاح

كتب - مصطفى صلاح

06:59 م الخميس 22 أكتوبر 2026

أخطر ما في الفوضى أن يطالب الجميع بالنظام، ثم يتصرف كل طرف كما لو أن مسؤوليته تبدأ عند الآخرين وتنتهي عنده. المواطن يطالب الدولة بتطبيق القانون، والدولة تطالب المواطن باحترامه، وبين الطرفين تتسع مساحة من الخلل، يتحمل المجتمع كله نتائجها، بينما يظل كل طرف قادرًا على إلقاء اللوم على الطرف الآخر.

المفارقة أننا نريد دولة قوية في فرض النظام، لكننا لا نقبل دائمًا أن تمتد سلطتها إلى مصالحنا الخاصة، ونطالب المواطن بالانضباط، لكننا لا نسأل بالقدر نفسه عن الظروف التي تساعده على الالتزام. وهكذا يصبح النظام مطلبًا متبادلًا في الكلام، ومسؤولية يتمنى كل طرف أن يتحملها الطرف الآخر وحده.

هذه ليست مشكلة سلوكية بسيطة، وإنما خلل في فهم العلاقة بين الدولة والمواطن. فالدولة ليست جهة تصدر الأوامر فحسب، والمواطن ليس متلقيًا للتعليمات فحسب؛ إنما تقوم العلاقة بينهما على التزامات متبادلة، يؤدي كل طرف واجبه فيها حتى يستطيع الآخر أن يؤدي واجبه بدوره.

فالدولة مطالبة بأن تضع قواعد واضحة، وأن تطبقها على الجميع دون تمييز، وأن توفر الخدمات الأساسية، وأن تحمي الحقوق، وألا تسمح بأن يصبح النفوذ أو المال أو العلاقات الشخصية طريقًا للالتفاف على القانون. والمواطن، في المقابل، مطالب باحترام هذه القواعد، والمحافظة على المرافق العامة، وألا يتعامل مع حقوق الآخرين باعتبارها أمرًا قابلًا للتجاوز كلما تعارضت مع مصلحته.

لكننا كثيرًا ما نختزل هذه العلاقة في جانب واحد. فإذا ظهرت الفوضى في الشارع، طالبنا الدولة بالتدخل، وهو مطلب مشروع، غير أننا قد نغفل أن بعض مظاهر الفوضى لا تصنعها القرارات وحدها، بل تتكون أيضًا من سلوكيات يومية يكررها الأفراد. وإذا طالبت الدولة المواطنين بالالتزام، فإن من حق المواطنين في المقابل أن يسألوا عن عدالة التطبيق، ووضوح القواعد، ومدى التزام المؤسسات نفسها بما تطالب به الناس.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: مسؤولية الدولة عن تنظيم الحياة العامة وإنفاذ القانون، ومسؤولية المواطن عن عدم الإضرار بالنظام الذي يحمي حقوقه. فلا يجوز للدولة أن تتخلى عن واجبها بحجة ضعف وعي الناس، كما لا يجوز للمواطن أن يتخلى عن مسؤوليته بحجة وجود قصور في أداء الدولة. فكل طرف مسؤول عن واجبه، ولا يُعفي تقصير أحدهما الآخر من مسؤوليته.

خذ مثال المرور. لا يمكن مطالبة الناس بالانضباط إذا كانت القواعد لا تطبق بعدالة، أو كانت الطرق تفتقر إلى التنظيم المناسب، أو كانت المخالفات تمر بلا مساءلة. لكن ذلك لا يمنح السائق حق تعطيل الطريق أو الاعتداء على حقوق الآخرين. فالدولة مسؤولة عن التنظيم والرقابة، والمواطن مسؤول عن الالتزام. وإذا غاب أحد الطرفين اختل النظام، وإذا تخلى الطرفان عن واجبيهما تحولت الفوضى إلى واقع يصعب تغييره.

والأمر نفسه ينطبق على المرافق العامة. فمن واجب الدولة أن توفرها وتصونها وتديرها بكفاءة، ومن واجب المواطن أن يحافظ عليها وألا يتعامل معها باعتبارها ملكًا مجهولًا لا صاحب له. فالمرفق العام ليس ملكًا للحكومة وحدها، ولا مساحة مباحة لتصرفات الأفراد، وإنما هو ملك للمجتمع، ينتفع به الجميع ويتحمل الجميع مسؤولية حمايته، كلٌّ بحسب موقعه وقدرته.

غير أن مسؤولية المواطن لا تعني أن نطالبه بالالتزام في فراغ، أو أن نحمّله نتائج اختلالات لا يملك إصلاحها بمفرده. فالالتزام يحتاج إلى بيئة تشجعه، والعدالة تحتاج إلى مؤسسات تحميها، والثقة في القانون لا تنشأ من مطالبة الناس باحترامه فقط، بل من رؤيتهم أنه يحترم حقوقهم أيضًا. وحين يشعر المواطن بأن القواعد عادلة، وأن المخالفة لا تمنح صاحبها ميزة، يصبح الالتزام أكثر من مجرد خوف من العقوبة؛ يصبح اقتناعًا بضرورة النظام.

وفي المقابل، لا يمكن للدولة أن تحقق الانضباط بمجرد زيادة التعليمات أو تشديد العقوبات، إذا ظل المواطن ينظر إلى كل قاعدة باعتبارها قيدًا على حريته، ويبحث عن استثناء لنفسه كلما وجد فرصة لذلك. فالقانون يستطيع أن يحدد السلوك المطلوب، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الشعور بالمسؤولية. وهذه المسؤولية تبدأ حين يدرك الفرد أن احترام حق الآخرين ليس تنازلًا عن حقه، بل ضمانة لاستمرار حقوق الجميع.

من هنا، فإن أخطر ما يواجه العلاقة بين الدولة والمواطن هو تحولها إلى دائرة من تبادل الاتهامات. الدولة تلوم سلوك الناس، والناس يلومون أداء المؤسسات، وكل طرف ينتظر من الآخر أن يبدأ بالإصلاح. لكن الانتظار لا يصنع نظامًا، وتبادل اللوم لا يزيل أسباب الخلل. المطلوب أن تبدأ الدولة من واجباتها التي لا يجوز التنازل عنها، وأن يبدأ المواطن من مسؤوليته التي لا يجوز تعليقها إلى أجل غير مسمى.

ولا يعني ذلك مساواة الطرفين في السلطة أو الإمكانات أو حجم المسؤولية؛ فالدولة تمتلك أدوات التشريع والتنظيم والإنفاذ، ولذلك تقع عليها مسؤولية أساسية في ضمان العدالة وتطبيق القانون. لكن امتلاك الدولة لهذه الأدوات لا يجعل المجتمع مجرد متفرج، كما أن مسؤولية المجتمع لا تمنح المؤسسات حق التقاعس. العلاقة الصحيحة ليست أن يتبادل الطرفان الأعذار، بل أن يؤدي كل منهما دوره، وأن تكون المحاسبة واضحة وعادلة في الحالتين.

إن النظام الحقيقي لا يقوم على دولة تطالب وحدها، ولا على مواطن يطالب وحده، وإنما على عقد من الثقة والمسؤولية المتبادلة: دولة تلتزم بالقانون قبل أن تطالب الناس باحترامه، ومواطن يحترم القانون دون أن يتخلى عن حقه في مساءلة مؤسساته ونقد أدائها والمطالبة بإصلاحها.

وهنا تعود المفارقة التي بدأنا منها: نحن نحب النظام، لكننا نريد أحيانًا أن يبدأ الآخرون أولًا. نريد من الدولة أن تصلح كل شيء، ومن المواطن الآخر أن يلتزم بكل شيء، بينما نمنح أنفسنا حق الانتظار حتى تتحسن الظروف أو يتغير سلوك المحيطين بنا. غير أن النظام لا يمكن أن يُبنى على هذا الانتظار؛ لأن إصلاح المؤسسات لا يغني عن إصلاح السلوك، وإصلاح السلوك لا يعفي المؤسسات من واجباتها.

الدولة التي تطالب مواطنيها بالالتزام مطالبة بأن تمنحهم الثقة في عدالة القانون، والمواطن الذي يطالب دولته بالنظام مطالب بألا يكون أول من ينقضه. فلا دولة تستطيع أن تنظم حياة مجتمع يرفض أفراده المسؤولية، ولا مجتمع يستطيع أن يستقر في ظل مؤسسات لا تؤدي واجباتها. وبين مسؤولية الدولة ومسؤولية المواطن تبدأ الحكاية الحقيقية للنظام؛ لا حين ينتظر أحدهما الآخر، بل حين يؤدي كل طرف واجبه، ويحاسب الآخر على تقصيره دون أن يتخذ من ذلك عذرًا لتقصيره هو.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع