"منازل الرؤية" بحثًا عن السعادة والحب والتوازن

د. أمل الجمل

"منازل الرؤية" بحثًا عن السعادة والحب والتوازن

د. أمل الجمل
09:00 م السبت 14 سبتمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

ذات يوم كنت أُجري معه حوارًا طويلاً انطلق من الأدب والفن التشكيلي، فلم نتوقف عند السياسة والاقتصاد، لكنه عرج أيضاً على محطات من التصوف. كان بين يدي مجموعة لوحات تشكيلية بديعة له، تمت طباعتها على ورق مقوى مُصغر يحمل عناوين بعض مؤلفاته ونتاجه الأدبي فتوقفت أمام "منازل الرؤية". قلت: عنوان بديع، ثم تساءلت: لماذا؟ فأجابني الكاتب والفنان التشكيلي والروائي اليمني د. عمر عبدالعزيز قائلاً:

"المتنبي يقول؛ هي منازل في القلوب منازل.. فالمنازل هي درجات ومعارج، فمنزلة الإنسان في مكانته ومثابته. فالرؤية منازل، ولذلك يقول الحلاج: للعلم أهل، وللإيمان ترتيب. وللقلوب وأهلها تجاريب.. فالعلم علمان؛ مطبوع ومكتسب، والبحر بحران مركوب ومرهوب، فالعلم المطبوع هو الذي يأتيك من حيث لا تحتسب، نسميها موهبة، أو الفراسة، أما العلم المكتسب فهو العلم الذي يأتينا عن رسم كتاب وخبرة".

عندما تُشارك في مجلس يتواجد فيه الدكتور عمر فتأكد أنك في مجلس علم ومعرفة غير عادي، بل استثنائي. فتكوينه الإنساني هو محصلة روافد ثقافية متعددة متنوعة، تشكيله المعرفي والوجداني هو مزيج من التداخلات الثقافية؛ العربية الإسلامية. إنه أحد أبناء اليمن، لكنه تأثر بالثقافة الصومالية الإسلامية العربية، والأفريكانية ذات الجذور التاريخية، والثقافة الإيطالية المستودع الحقيقي للثقافة اللاتينية الأوروبية بمعناها الواسع. وُلد وعاش طفولته في الصومال التي كانت تحت الاستعمار الإيطالي، فدرس بالمدرسة الإيطالية وتحدث لغتها، بينما كان في الحياة العامة يتحدث باللغتين العربية والصومالية فاكتسب ميزة التفاعل مع ثقافات أخرى ثرية ساهمت في تخصيب وتشكيل هويته.

سبق للدكتور عمر عبدالعزيز أن نال جائزة العويس الثقافية عام ٢٠١٣. تلك الجائزة التي تُمنح في حقول مختلفة، ولا يتم التقدم لها أو التنافس عليها، ولكن القائمين على الجائزة يختارون شخصية ثقافية بناء على ما يرونه من نتاجاتها الثقافية، ويقررون منح الجائزة لها. فهو باحث وفنان وأكاديمي، له عشرت الإصدارات في مجالات الفلسفة، وعلم الجمال، والنقد الفني، والسرد، كما أنه فنان تشكيلي وناقد وكاتب زوايا صحفية يومية منذ أكثر عشرين عاماً، ويتحدث خمس لغات، ومن أهم مؤلفاته "تحولات النصوص" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب في مصر. إضافة لعشرات الأعمال في مجالات الفكر والثقافة والنقد والسينما والفنون التشكيلية وعلم الجمال ومنها: الصوفية والتشكيل، كتابات أولى في الجمال، مقاربات في التشكيل، ناجي العلي الشاهد والشهيد، زمن الإبداع، فصوص النصوص، متوالية القديم والجديد، إضافة لعدد من الترجمات منها: العبور إلى فلسطين من تأليف البروفسور إيليا بويا، وتاريخ الفلسفة الإسلامية للبروفيسور ريموس روس.

يُؤمن الدكتور عمر بأهمية الفعل الثقافي ويرى أن "خيار الثقافة حاسم في حل وتسوية المشاكل؛ لأنه يتسم بالارتقاء، والقدرة على التسامح والعفو والنسيان والغفران". وبهذا المعنى يعتقد أيضاً أن "السياسة الرشيدة لا تستقيم خارج الثقافة بمعناها الواسع".

الرؤية بعين القلب

قبل عدة أسابيع كنت أتصفح موقع اليوتيوب بحثاً عن تريلر فيلم سينمائي جديد فصادفني برنامج من إنتاج اليمن عنوانه "منازل الرؤية". مدة الحلقات تتراوح بين ٨ - ١١ دقيقة. المفاجأة أن د. عمر عبدالعزيز كان هو مقدم البرنامج. شاهدت الحلقات الثلاثين واستمتعت بكل ما جاء فيها من تعريفات ومفاهيم، بدءًا من تعريف "الرؤية" والمعني الواسع للكلمة، من المرئي إلى اللا مرئي، تلك الرؤية القائمة على استنطاق البصيرة والجوانيات المعقدة. فالإنسان كائن مركب يستطيع السفر في الغيوب، تنتابه حالة من التكشفات، ويري بعين قلبه، وغيرها من التعريفات الصوفية الجالبة للسكينة والراحة النفسية.

بعض الحلقات تثير قضية اقتصاد المعرفة وخيارات التنمية. فيها يتحدث د. عبد العزيز عن الاقتصاد الروسي وأسباب كونه أقل فتوة وحيوية من الصين التي نجحت في أن تكسر قواعد التجارة الدولية المخرسنة باتفاقية الجات والتعريفة الدولية، واستعدادها للتبادل التجاري مع كل البلدان الفقيرة في العالم بعملتها المحلية، وبالإيوان. وبذلك بدأت الصين تضرب العمود الفقري لميزان مركزية الدولار. وتفاصيل أخرى كاشفة لخبايا الاقتصاد العالمي، منها؛ الاقتصاد البديل، الزراعة البديلة في ماليزيا، وسبل الاستفادة من التربة. ثم يعرج على الاقتصاد البحري البديل، والصناعة البديلة، ومنابع الاقتصاد الحيوي، والخلايا الصغيرة الإنمائية، فكل الأشكال لها بدائل. إنها الطاقة.

فكرة البدائل ليست جديدة أو مستحدثة على تفكير العلاَّمة اليمني الكبير د. عمر عبدالعزيز، ولكنها متأتية من قناعة ظهرت في مؤلفاته عن الحركة والسكون وجدلية الخفاء والتجلي، المرئي واللا مرئي، فالحياة التي نراها ثابتة ليست كذلك، فكل شيء يتغير، كل ثابت يتحرك ولكننا لا نستطيع أن نراه، حتى الأشياء التي نراها ثابتة إنما هي في حراك جدلي، وفي حراك حقيقي فيزيائي، وكذلك السياسة والاقتصاد، فالأشياء لها حياتها الخاصة. هذه النقطة واضحة عند امرئ القيس الذي وصف حركة الجواد بقوله الشعري: "مِكَر مِفَر مقبل مدبر معاً.."، لقد توصل شعراء العرب القدماء إلى معاينة المتحرك في الثابت، والثابت في المتحرك، فكيف حدث ذلك مبكراً؟

السعادة وحقيقتها

بعض الحلقات تتحدث عن السعادة، ماهيتها ووجودها؟ يؤكد الدكتور عمر بأنه لا يمكننا تقديم تعريف واضح محدد لها، فالسعادة متعددة بتعدد البشر. لكل إنسان أهدافه وحياته وشخصيته، كل فرد لا بد أن يحقق سعادته بخصوصيته، وبمنطقه الداخلي هو.

لكن د. عبدالعزيز لا يتركنا هكذا ويكتفي، فيُقدم لنا مفتاحاً سحرياً يقودنا لطريق السعادة، ففي رأيه "أن التوازن هو سر السعادة. التوازن بين الشعور بالألم والإحساس بالراحة، والذي يتحقق بقدر ما يكمن بين الشعورين، فلا معني للراحة دون ألم، ولا للاستيقاظ من دون نوم، مما يعني أن الأشياء تتحقق بضدها. فالسعادة تظهر بضدها، وقديما قال شعراء العربية: "والحسن يُظهر حسنه الضد". فكأن هذه المترادفات، والمتضادات الثنائية في الحياة هي الحامل للوجهين، ولا يمكن لأحد الوجهين أن ينفلت من الآخر. فلا يمكن للسعادة أن تنفلت من الحزن، ولا يمكن للمرونة أن تنفلت من الجمود والثبات.

قد يبدو الأمر ليس سهلاً، لكنه وفق نصيحة العلامة اليمني، فإن الأمر يحتاج قدراً من الإيهام ودرجة من الوجدان وبعضًا من الشفافية، وكثيرًا من التجريد، فتلك المفاهيم تنتمي للكليات التي يختلط فيها العقل بالوجدان، واللا معقول بالمعقول مثل مفهوم الحب والتسامح والنسيان. موضحاً أن البيئة العامة والمجتمع يعيش حياة متوازنة عندما يشعر بأنه يُعيد إنتاج القيم المادية والروحية بطريقة سوية، وقتها يشعر بأنه يعيش بطريقة سوية، فالبعض يجد السعادة في البراري أو بين الحقول، والبعض يجدها في المدن الصاخبة".

يُواصل مفكرنا شروحه حول مفهوم السعادة وسبل تحقيق التوازن في برنامجه "منازل الرؤية"، وهو أثناء ذلك يقارن بين الحيوانات والحياة العامة والإنسان وعلاقة ذلك بالصحة والذكاء والفطنة والتفكير العقلي. ثم يُوضح الصلة بين السعادة عند الفرد والمجتمع، بين الصيام والصحة النفسية والجسدية. إنها حالة من التطهر الكامل. السعادة في الرضا والتروحن والتصوف، في حل المشاكل عن طريق التسويات العاقلة الراشدة الرشيدة، في الإقلال من الطعام، وتخفيض الاستهلاك. السعادة الحقيقية سنجدها في الرضا، في القناعة والتزهد، السعادة تزدهر عند القبول بالآخر في مواضيع مغايرة لآلاف المواضيع.

طوال الحلقات يتجول د. عمر في كثير من المناطق والمواضيع المهمة في حياة البشر، محاولاً تأصيلها بلغة بسيطة حتي يلامس المستمع معناها بيُسر، باحثاً عن المعاني الكلية المتعلقة ببعض الظواهر التاريخية في الأديان، والفلسفات، وواحدية المصير للبشر، تلك الواحدية التي تستمد أبعادها من حقائق وجودية، من تكامل الواحد مع الآخر، من التكاملية مع التعددية، فقراءة الواحد تتم في إطار الكل، وقراءة الكل تتم في إطار الواحد، فالعالم قائم على هذه التدويرات والتحويلات. إنها تتناسخ حيناً وتتقمص بعضها البعض أحيانًا أخرى. وأثناء ذلك يُلمح سريعاً إلى فكرة التناسخ والتقمص وأبعادها الفلسفية الأكثر تعقيدا والأكثر شمولا.

مجددا عن الحب والسعادة

ثم يعود مجدداً للحديث عن السعادة والحب والتسامح وعلاقتها القوية بطاقة الإنسان الداخلية. إنها طاقة خيرة، تلك الطاقة القادرة على أن تردم الذكريات السيئة، والممارسات السيئة، وهذا ما يساعد الإنسان على أن ينعتق أكثر من مرة من خبرات كثيرة سيئة، وهو ما تثبته فترات الحروب وما بعدها، فالتاريخ يأخذ هذا الشكل الحلزوني.

على صعيد آخر، فهذا لا يعني أن الإنسان يقف عند حدود الخير، ففي داخله روح التنازع والتناقض مع الآخر والاعتداء عليه. فالتاريخ يعيد إنتاج نفسه بطريقة ملهاوية مأسوية، بطريقة دائرية تصاعدية، فعودة إنتاج المنتج تكون أكثر فداحة، على كافة أشكال العنف والسلام، فنصبح أمام مفهوم يقول بدهاء التاريخ.

لكل ما سبق، فإن المفكر والفنان التشكيلي والروائي د. عمر عبدالعزيز يدعو لقراءة الأشياء والأمور بعيدا عن النزعات الفردية، حتى لا نذهب في متاهة لا نعود منها أبداً.

إعلان

إعلان

إعلان