دول فاشلة أم دول هشة - الجزء الأول

د. غادة موسى

دول فاشلة أم دول هشة - الجزء الأول

د. غادة موسى
09:00 م السبت 27 أبريل 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في عام ٢٠٠٩ كُلفت من قبل أحد الوزراء المحترمين بترجمة محتويات مؤشر الدول الفاشلة مع مطالبتي بالبحث عن مصطلح آخر أقل حدة من مصطلح " فاشلة". وبالفعل بدأت في البحث عن مترادفات " للفشل"، واحترت في الاختيار بين مترادفات "ضعيفة"، "على حافة الانهيار"، "غير ناجحة"، "متعسرة"، "مخفقة"، "خاسرة"، حتى وردت الإجابة من مكتب رئيس مجلس الوزراء آنذاك بالتكليف في شرح وتحليل "مؤشر الدول الفاشلة"، أي بدون مترادفات.

ثم كان ثاني عهدي بهذا المؤشر عندما تحدث السيد رئيس الجمهورية في أحد مؤتمرات الشباب منذ عام عن "الدول الفاشلة"، فتمت مطالبتي بالحديث في إحدى القنوات الفضائية عن مفهوم "الدول الفاشلة". كما كان هذا المؤشر منذ عام ٢٠١٣ موضوعاً للحديث مع عدد من الباحثين والخبراء.
---
ظل اسم المؤشر حتى عام ٢٠١٢ هو "مؤشر الدول الفاشلة"Failed Sates Index حتى تم تعديله إلى مسمى أقل حدة في المعني فأصبح "مؤشر الدول الهشة" Fragile States Index. ويصدر عن صندوق السلام الذي تأسس عام ١٩٥٧ للبحث في قضايا وموضوعات تتعلق بتداعيات الحرب الباردة وعلى رأسها سباق التسلح النووي وقضايا نزع السلاح النووي، ثم بدأ القائمون على الصندوق مع بداية التسعينيات - وتحديداً عقب انهيار سور برلين - في تحويل اهتمامهم إلى القضايا التي تمثل تحدياً لأمن واستقرار العالم كالأمن الإنساني والصراعات المسلحة والنزاعات الدولية وحقوق الانسان. وتتم دراسة وطرح تلك القضايا بالتعاون مع الحكومات والأجهزة الأمنية ومنظمات المجتمع المدني.

يعتمد مؤشر الدول الهشة على منهجية وإطار "قياس وتقييم الصراعات"، حيث يتم حصر الصراعات المسلحة حول العالم كمياً ثم يتم تحليلها كيفياً بهدف الخروج بتوجهات تحكم تلك الصراعات، وذلك باستخدام مناهج من علم الاجتماع والتحليل السياسي مصحوبة بنظم تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات. كما يتيح "صندوق السلام" للدول والحكومات والشركات والمنظمات الدولية خدمة "تقييم مخاطر الصراعات" بهدف التعرف على محفزات ومخاطر الصراعات.
---
يرتكز مؤشر الدول الهشة على خمسة محاور متفرعة بدورها إلى عدد من المحاور الفرعية. ويتم قياس تلك المحاور من خلال تحليل الدراسات والأبحاث التي تصدر عن الجامعات والمراكز البحثية والمنظمات الدولية والتقارير الإعلامية، حيث يتم كل عام تحليل بين ٤٥-٥٠ مليون تقرير خاص بحوالي ١٧٥ دولة.
كما يعتمد المؤشر على البيانات الرقمية الصادرة من البنك الدولي والأمم المتحدة ومنظمات دولية كمنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية.

وفيما يتعلق بالبيانات الكيفية فيدرس عدد من علماء الاجتماع الدول محل البحث بشكل مستقل ويقيمون الأوضاع فيها بناء على أهم الأحداث التي تشهدها تلك الدول مقارنة بالأعوام السابقة.
وبإلقاء نظرة سريعة على المؤشرات التي على أساسها تُقاس هشاشة الدول أو ضعفها نجدها تنقسم إلى خمسة مؤشرات رئيسية، وهي مؤشرات "التماسك والاستقرار" وتنقسم بدورها إلى مؤشرات فرعية تشمل الأمن وانقسامات الفصائل والشكاوى والمطالب الجماعية. أما المؤشر الثاني فهو المؤشر الاقتصادي ويضم مؤشرات تتعلق بالتدهور الاقتصادي والتنمية الاقتصادية غير المتوازنة وهجرة العقول والهجرة بشكل عام. وفيما يتعلق بالمؤشر الثالث فيتعلق بالمؤشرات السياسية مثل شرعية الدولة والخدمات العامة وحقوق الإنسان وحكم القانون. ثم المؤشر الرابع ويتناول الأبعاد الاجتماعية وتتمثل في الضغوط الديموغرافية واللاجئين. وأخيراً هناك المؤشر العرضي الذي يتقاطع مع المؤشرات الأربعة السابقة ويشمل التدخلات العسكرية الخارجية.
---
وجدير بالذكر أن كتابة هذا المقال تأتي عقب صدور تقرير الدول الهشة للعام ٢٠١٩ في العاشر من أبريل. حيث رصد التقرير أهم الاتجاهات الخاصة بتطور حالة الصراع في العالم، وجاءت كل من موريشيوس في أفريقيا وسنغافورة في آسيا في صدارة الدول التي حققت تقدما ملحوظا على صعيد المؤشرات الخمسة، إضافة إلى تحسن مؤشرات جامبيا وإثيوبيا وكينيا وأوزبكستان ونيبال.

أما بالنسبة للدول التي تدهورت مؤشراتها فتشمل فنزويلا والبرازيل ونيكاراجوا وتوجو والمملكة المتحدة. وجاءت اليمن كأكبر دولة هشة وغير مستقرة في العالم، إضافة إلى سوريا وليبيا. أي أن غالبية الدول الهشة غير المستقرة والممزقة بفعل الصراعات السياسية توجد في الشرق الأوسط.
في المقال القادم سيتم تناول المؤشرات الخمسة بشيء من التفصيل مع استعراض وضع مصر ومؤشراتها منذ إطلاق مؤشر الدول الهشة.

إعلان

إعلان

إعلان