القدوة المفقودة

القدوة المفقودة

د. أحمد عمر
07:00 م الأحد 23 سبتمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إذا كنا نريد حقًا أن نؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ مصر، نعيد فيها بناء الاقتصاد والمجتمع والإنسان المصري، وإصلاح ما أصابهم من تشوه وخراب عبر العقود الماضية، فلا بد من إعادة بناء صورة البطل والمثل الأعلى الجدير بالاقتداء في الوعي الجمعي المصري؛ سواء أكانت صورة البطل متجسدة في الشهيد الذي يضحي بروحه من أجل أمن وكرامة وحماية بلاده. أو متجسدة في رجل الدولة الذي يتعامل مع الوظيفة العامة التنفيذية والسياسية بوصفها مهمة وطنية، وليست مغنمًا شخصيًا، أو متجسدة في صورة المواطن العادي، وبطل الحياة اليومية الذي يكافح بشرف من أجل توفير الحياة الكريمة له ولأسرته، والذي يُقبل على عمله بجماع قلبه وروحه لخدمة ذاته ومجتمعه ووطنه.

وبمناسبة بداية العام الدراسي الجامعي الجديد، وعودة آلاف الطلاب لكلياتهم، مع دخول آلاف آخرين للجامعة للمرة الأولى، وهم ممتلئون برغبة كبيرة في التفوق واكتساب المعرفة وتحقيق الذات، فأظن أننا في أشد الحاجة اليوم لإعادة بناء القدوة ممثلة في صورة الأستاذ الجامعي الذي يتفانى في محبة وخدمة تلاميذه وصقل عقولهم ومواهبهم ومهاراتهم، والذي يُجيد التواصل الإنساني والعلمي معهم؛ لأن الجامعة - بوصفها مؤسسة علمية ووطنية - هي مصنع الأرواح والعقول، وإقامة علاقة سوية فيها بين الأستاذ الجامعي وطلابه، علاقة قوامها المحبة والاحترام والتقدير المتبادلين، لها دور عظيم الأثر في تشكيل شخصية الطالب وتوسيع مداركه وآفاقه العقلية، وتحديد انحيازاته وخياراته المستقبلية، وتعميق قيم انتمائه لجامعته ومجتمعه ووطنه.

كما أن العلاقة السوية بين الأستاذ الجامعي وطلابه، تُشبع حاجة نفسية وعلمية مهمة لدى الطالب؛ ولهذا قال الكاتب المسرحي الفرنسي جان أنوي: "سعداء أولئك الشبان الذين كان لهم أساتذة، سعداء أولئك الصغار الذين ذهبوا مضطرين فقرعوا الأبواب، وتلقوا بوجوه متوردة الكلمة المشجعة من الرجل الذي يحظى بإعجابهم".

وهو يقصد أن الطالب في بداية الطريق، تتأرجح الأرض من تحت قدميه، ولا يدري السُبل التي عليه أن يسير فيها، وهو يبحث عمن يأخذ بيديه، ويساعده في رسم ملامح حياته، وتحديد أهدافه وخياراته ومشاريعه العلمية والمستقبلية، ولهذا يكون في قمة السعادة والطمأنينة عندما يجد التشجيع والكلمة الطيبة والدعم النفسي والمادي من أساتذته، وممن يعتبرهم قدوته ومثله الأعلى.

مع العلم أن تلك العلاقة السوية تُشبع حاجة نفسية وعلمية لدى الأستاذ أيضًا؛ ولهذا وجدنا الأديب الأرجنتيني الرائع "خورخي لويس بورخيس" يقول: في قصته وردة بارسليوس: "في مختبره الذي يشمل حجرتي القبو، دعا بارسليوس ربه، ربه غير المحدد، أن يرزقه تلميذًا"؛ لأن الأستاذ المُخلص للعلم يحتاج إلى تلميذ شبيه به في محبة العلم والبحث، لكي يُكمل مشروعه العلمي من بعده، حتى لا يذهب مجهوده وعمله طي النسيان، بل يستمر خلال تلميذه، وبشكل يؤدي إلى إحداث تراكم معرفي يكون سببًا في تقدم مجال تخصصه العلمي.

وفي حقيقة الأمر، فكم نفتقد في حياتنا العلمية والمهنية والثقافية لهؤلاء الشبان السعداء بمفهوم الكاتب الفرنسي جان أنوي، الذين وجدوا أستاذتهم، ولمثل الأساتذة من نوع بارسليوس، الذي كان يسأل الله تلميذًا وليس خادمًا أو تابعًا أو شمرشجيًا؛ ولهذا لم يحدث في حياتنا العلمية والجامعية والثقافية تراكم للمعرفة والخبرات في التخصصات المختلفة، بما أدى إلى تراجع البحث العلمي في أكثر من مجال معرفي، وإلى تأخر مجتمعنا وتخلف أوطاننا، بشكل أصبح معه حال مؤسساتنا الأكاديمية والبحثية والثقافية يتلخص في هذا التعبير: ضخامة في العدد والبنيان، وهشاشة في المُنتج والإنسان.

إعلان

إعلان