إعلان

كارثة عبر واتسآب.. دواء تخسيس "غير معتمد" يباع في مصر بآلاف الجنيهات

كتب : أحمد جمعة

02:09 م 10/09/2026 تعديل في 03:50 م

تابعنا على

حتى قبل أن تنتهي تجاربه السريرية، بدأ أطباء وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لأدوية "ريتاتروتايد" باعتباره أحدث الخيارات الواعدة لإنقاص الوزن، في وقت لا يزال فيه الدواء قيد التطوير ولم يحصل بعد على الموافقات التنظيمية اللازمة للاستخدام البشري.

وبينما لم يصل "ريتاتروتايد" رسمياً إلى رفوف الصيدليات، وصل اسمه إلى قوائم أسعار وحسابات على مواقع التواصل، بل وإلى عروض بيع مباشرة عبر "واتساب"، مع تقديم تركيزات وأسعار مختلفة، ما يفتح الباب أمام سوق موازية لدواء لم يُعتمد بعد.

تجربة شراء تكشف التفاصيل

مصراوي خاض تجربة خاصة لشراء "ريتاتروتايد"، بهدف الوقوف بشكل مباشر على طريقة الترويج للمادة وآلية بيعها للمستهلك، والبيانات التي يقدمها البائع بشأن مصدر المنتج وطبيعته، وما إذا كان التعامل معه يتم باعتباره دواءً متاحاً للاستخدام البشري أم مادة مخصصة لأغراض أخرى.

بدأت التجربة بالتواصل مع أحد الحسابات التي تعرض "ريتاتروتايد" للبيع، حيث جرى بداية الاستفسار عن توافر أحد الأدوية المعتمدة في مصر للتخسيس وهو "مونجارو"، ليرد الحساب بأن "التيرزيباتيد نفس المنجارو"، في إشارة إلى المادة الفعالة المرتبطة بالدواء، قبل أن يعرض على منتجاً آخر تحت اسم "الريتا"، في إشارة إلى "ريتاتروتايد".

وبدلاً من الاكتفاء بعرض المنتج، قدم الحساب قائمة بالتركيزات والأسعار، موضحاً أن "الريتا" متاح بعدة تركيزات، وجاء قائمة الأسعار لتبدأ من 3 آلاف جنيه وتصل إلى 14200 جنيه، في حين لم يتوقف التواصل عند تحديد السعر والتركيز، إذ قدم الحساب شرحاً لما وصفه بمكونات المنتج وآلية عمله، كما عرص تحديد التركيز المناسب وطريقة البدء، قائلاً: "لو تحب أعرف وزنك وطولك عشان أحددلك أنسب تركيز وبروتوكول البداية".

إلا أن هذه الخطوة لم تتضمن، خلال التجربة، كشفاً طبياً أو مقابلة مع طبيب، كما لم يطلب الحساب تقديم روشتة طبية أو وصف طبي، ولم يجرِ الاستفسار عن وجود أمراض مزمنة أو أدوية أخرى يتناولها الشخص أو أي عوامل صحية يمكن أن تؤثر في قرار استخدام الدواء.

وواصل المتحدث، الذي لم يتسنَّ لنا التحقق من صفته أو ما إذا كان طبيباً من عدمه، محاولة طمأنتنا وتشجيعنا على شراء المنتج، إذ سأل في بداية المحادثة: "حضرتك كنتي بتاخدي مونجارو.. ولا أول مرة؟". وعندما أبلغناه بأنها المرة الأولى، أجاب: "ممكن نبدأ بأول تركيز 7.5.. التريزا ومونجارو نفس التركيبة بالظبط".

وبعد ذلك، أبلغناه بأننا بدأنا البحث عن "التريزا" منذ أن أشار إليه، لكن ظهرت أمامنا منتجات ومواد أخرى، وأن هيئة الدواء المصرية تشير إلى أن المادة غير مسجلة في مصر، وسألناه: "فده حقيقي ولا إيه؟". فأجاب: "دي حقيقة.. لأنه لسه not approved from FDA.. وهو آمن جداً". وعندما أعدنا التأكيد عليه بأن هيئة الدواء المصرية ذكرت أن المنتج غير مسجل في مصر، رد قائلاً: "لا يا أفندم.. بيستخدموه يا أفندم عادي والله".

ولم تكن هذه هي نهاية التجربة؛ فبعد عرض "الريتا" وتركيزاته وأسعاره، عرض منشورا يتضمن قائمة أسعار تحمل اسم "Alpha Group" لشهر أغسطس 2026، تتضمن تركيزات متعددة من "ريتاتروتايد"، بينها مستحضرات سائلة وأخرى في صورة أقلام جاهزة للحقن، إلى جانب مواد ببتيدية أخرى.

عرض الأسعار المرسل

لكن ماذا نعرف بالأساس عن مادة "ريتاتروتايد"؟

بالأساس فـ"ريتاتروتايد" ليس اسماً تجارياً لدواء معتمد، وإنما مادة دوائية تطورها شركة "إيلي ليلي" الأمريكية تعمل على مستقبلات ثلاثة هرمونات، وتُعطى مرة واحدة أسبوعياً، ويجري بحثها باعتبارها علاجاً محتملاً للسمنة ومرض السكري من النوع الثاني وبعض الحالات المرتبطة بهما.

ورغم النتائج البحثية التي حققتها المادة في التجارب السريرية، فإنها لا تزال في مرحلة التطوير بحسب الموقع الإليكتروني للشركة الأمريكية، التي شددت على أن "الريتاتروتايد غير متاح حتى الآن للاستخدام العام، إذ تُجرى حالياً تجارب سريرية من المرحلة الثالثة على الريتاتروتايد لعلاج السمنة، ومرض السكري من النوع الثاني، وآلام خشونة مفصل الركبة".

الشركة ذاتها أكدت أن "الدواء لا يتاح حالياً إلا للمشاركين في التجارب السريرية التي تجريها شركة "إيلي ليلي"، حيث لا تزال سلامته وفعاليته قيد التقييم، كما لم يحصل على موافقة أي جهة تنظيمية"، مؤكدة أنه "لا ينبغي لأي شخص استخدام أي منتج يُباع أو يُروج له على أنه ريتاتروتايد خارج إطار تجربة سريرية ترعاها شركة إيلي ليلي".

من موقع شركي إيلي ليلي الأميركية

في حين ذكر مصدر بقطاع الأدوية لمصراوي أن العبوات المتداولة في مصر لهذا الدواء إما أنها "مغشوشة"، وجرى تزوير عبوات ووضع مادة مجهولة داخلها، أو مهربة من خارج مصر، وفي كلتا الحالتين، فإن الحصول عليها يعد خطراً للغاية، خاصة أنها غير معتمدة من الخارج وغير مصرح بتداولها في مصر.

كما لم يقتصر الترويج لـ"ريتا تروتايد" على حسابات تجارية أو مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ روج عدد من أطباء التخسيس للمستحضر عبر حساباتهم على منصات التواصل، من بينهم الطبيبان "ه.ع" و"أ.م"، حيث ظهرت منشورات ومحتوى يدعو إلى استخدام المستحضر والتعريف به باعتباره خياراً لإنقاص الوزن، رغم عدم تسجيله لدى هيئة الدواء المصرية حتى الآن.

إعلان مضلل.. وهيئة الدواء ترصده

ولم يتوقف الأمر عند حد الترويج لهذه المواد عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل رصدت هيئة الدواء المصرية بالفعل إعلانات مخالفة لمنتجات دوائية وطبية غير مسجلة، عبر خدمتها التي أطلقتها قبل أيام وتتيح للجمهور الاطلاع على الإعلانات المخالفة التي جرى رصدها، في إطار جهودها لمتابعة الإعلانات والادعاءات التسويقية غير المرخصة المتعلقة بالمنتجات الدوائية والطبية.

وتكشف بيانات الهيئة عن إدراج مادة "Retatrutide" ضمن المنتجات غير المسجلة التي جرى رصد إعلانات مخالفة بشأنها، حيث تتضمن قاعدة البيانات إعلانين للمادة على منصة "إنسترام"، جرى رصدهما بتاريخ 9 أغسطس 2026، تحت كودي المخالفة AVU-05-26 وAVU-06-26.

ويعني ذلك أن مادة "ريتا تروتايد"، التي لا تزال قيد التطوير ولم تحصل على الاعتماد التنظيمي النهائي، ظهرت بالفعل في محتوى ترويجي رصدته الجهة التنظيمية المصرية باعتباره من الإعلانات المخالفة.

ولا يقتصر الأمر على "ريتا تروتايد" وحدها، إذ تتضمن قائمة الهيئة مخالفات إعلانية مرتبطة بمواد ومنتجات أخرى يجري الترويج لها في سياق إنقاص الوزن، بما يشير إلى أن ظاهرة التسويق لمنتجات غير مسجلة عبر المنصات الرقمية تتجاوز اسماً واحداً أو مادة دوائية بعينها.

تحذير هيئة الدواء من الريتا

هيئة الدواء تلاحق

وفيما يتعلق بموقف هيئة الدواء، أكد الدكتور يس رجائي، مساعد رئيس هيئة الدواء المصرية، أن دواء "ريتاتروتايد غير مسجل لدى هيئة الدواء المصرية حتى الآن"، مشدداً على أن عدم تسجيله في مصر يجعله بالنسبة للهيئة "غير مسجل ومجهول المصدر في مصر"، بغض النظر عن وضعه التنظيمي في دول أخرى.

وأوضح رجائي لمصراوي أن الدواء غير المسجل لا يكون قد مر بالمراحل الرقابية اللازمة التي تتيح التأكد من مأمونيته وفاعليته، قائلاً: "إزاي أطمن وأنا باخد دوا وأنا مش عارف هو اتحلل ولا لأ، ولا اتصنع فين، ولا اتداول فين، ولا مين اللي نقله؟".

وأوضح أنه "حتى في حال افتراض حصول المستحضر على الموافقات التنظيمية خارج مصر، فإن دخوله إلى السوق المصرية يجب أن يتم من خلال القنوات الرسمية، مع معرفة سلسلة الإمداد التي مر بها، بما يضمن سلامة تداوله ووصوله إلى المريض بالشكل الصحيح"، مشدداً في الوقت ذاته على أن الأدوية المُصرح بها بعلاج السمنة، تعتمد على مادتين فعالتين، ولكل مادة منهما أشكال صيدلية وتركيزات متعددة، لذلك قد تظهر في السوق في صورة أنواع أو أصناف متعددة، لكن يجب في كل الأحوال الحصول عليها تحت إشراف طبي وشرائها من صيدلية معتمدة.

وشدد مساعد رئيس هيئة الدواء على خطورة الحصول على أدوية غير مسجلة أو غير معلومة المصدر، مؤكداً أن الأمر يتعلق مباشرة بصحة المواطنين، وليس مجالاً للمجازفة أو تحقيق مكاسب على حساب سلامة المرضى، محذراً من أن تناول مستحضر غير موثوق فيه قد يعني عدم تحقيق النتيجة العلاجية المطلوبة وهذا أبسط الاحتمالات، فضلاً عن احتمال التعرض لمخاطر ومضاعفات قد تؤثر على أجهزة الجسم المختلفة، وقد تصل في بعض الحالات إلى خطر الوفاة.

تحذيرات من "مخاطر واسعة"

تزداد أهمية هذه التفاصيل مع كون "ريتاتروتايد" لا يزال قيد التطوير والتجارب السريرية، وفق ما أكده الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، الذي قال إن المادة "لا تزال تحت الإجراءات أو التجارب السريرية"، ولم تحصل حتى الآن على اعتماد من هيئة الغذاء والدواء الأميركية "FDA" أو جهة رسمية معتمدة في مصر.

وأوضح رمزي في تصريحات لمصراوي، أن بيع أو تداول هذه المادة في صورتها غير المعتمدة يمثل مخالفة من الناحيتين القانونية والعلمية، موضحاً أن أي مادة دوائية لا يمكن طرحها للاستخدام البشري قبل إخضاعها للتجارب والدراسات اللازمة التي تثبت مدى فعاليتها وأمانها، مضيفا أن تداول مثل هذه المنتجات خارج القنوات الدوائية الرسمية يمكن اعتباره من قبيل "أدوية بير السلم"، محذراً من خطورة الإعلانات التي تروج لأدوية ومنتجات التخسيس غير المسجلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.

وقال إن الترويج لتوفير مادة "ريتا تروتايد"، سواء في صورة كبسولات أو حقن، يمثل خطراً كبيراً على صحة المواطنين، لكونها لم تحصل على تصريح من جهة رقابية معتمدة يجي تداولها للاستخدام البشري، ومحذرا بصورة خاصة من المنتجات التي يجري تداولها في صورة حقن، موضحاً أن تصنيع المستحضرات القابلة للحقن يتطلب اشتراطات دقيقة للغاية، من بينها خلو المنتج من المواد المسببة للحمى "البيروجينات"، فضلاً عن ضمان عدم تعرضه للتلوث الميكروبي أو البكتيري، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة.

وأشار إلى أن خطورة الكبسولات لا تقل عن الحقن، إذ قد تحتوي على مواد كيميائية محظورة أو غير معلنة على العبوة، لافتاً إلى إمكانية احتواء بعض المنتجات على مواد فعالة أخرى، مثل "سيبوترامين"، مع تسويقها للمستهلك على أنها "ريتا تروتايد"، وهو ما قد يعرض المستخدم لمضاعفات خطيرة، من بينها أضرار محتملة على الكبد أو الكلى.

وشدد رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة على أن "البيت الوحيد للدواء هو الصيدلية"، مؤكداً أن أي منتج دوائي يتم تداوله خارج القنوات الرسمية والجهات المرخصة يثير مخاوف جدية بشأن سلامته ومصدره وتركيبه، كما حذرت كذلك من الإعلانات الطبية المضللة، خصوصاً تلك التي تروج لمنتجات التخسيس عبر وسائل الإعلام أو القنوات والمنصات المدفوعة، وتقدم وعوداً بخسارة أوزان كبيرة خلال فترات زمنية قصيرة.

ترويج مضلل لأدوية غير معتمدة

وعلى هذا المنوال، ذكر محمود فؤاد، رئيس المركز المصري للحق في الدواء، أن "ريتا تروتايد" هو اسم جرى تحريفه أو تداوله بصورة غير دقيقة لمادة دوائية تعمل شركة "إيلي ليلي" الأميركية على تطويرها، وهي الشركة المنتجة لعدد من أدوية إنقاص الوزن المعروفة، ومن بينها "مونجارو".

وأوضح فؤاد لمصراوي أن استغلال اسم الشركة في الترويج لهذه المادة قد يمثل مدخلاً لجذب المستهلك، إذ قد يعتقد البعض أن المنتج مرتبط مباشرة بالشركة الأمريكية وأنه دواء معتمد لإنقاص الوزن، بينما الحقيقة أن المادة لا تزال قيد التطوير ولم تحصل حتى الآن على اعتماد من هيئة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، مشيرا إلى أن المادة لم تستكمل بعد مراحل التجارب السريرية اللازمة للحصول على الموافقة النهائية، موضحاً أن المراحل الأخيرة من التجارب الدوائية تتطلب اختبار العقار على أعداد أكبر من المشاركين ومن فئات ومناطق جغرافية مختلفة، بهدف التحقق بصورة أوسع من فعاليته وسلامته ورصد آثاره المحتملة قبل طرحه للاستخدام على نطاق واسع.

وحذر رئيس المركز المصري للحق في الدواء من أن الخطورة تكمن في تداول هذه المادة حالياً عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل "فيسبوك" و"تيك توك"، والترويج لها باعتبارها دواءً عالمياً أو منتجاً أكثر فاعلية من أدوية إنقاص الوزن المعروفة، فضلاً عن تقديمها للمستهلك باعتبارها حقنة أسبوعية تغلق الشهية ويمكن أن تمثل بديلاً عن تكميم المعدة.

وأضاف فؤاد أن الترويج لهذه المنتجات وبيعها عبر منصات التواصل الاجتماعي يثير كذلك شبهة مخالفة عدد من القواعد والقوانين المنظمة لحماية المستهلك وتداول الأدوية والإعلانات الطبية، مشيراً إلى قوانين حماية المستهلك، وتنظيم عمل هيئة الدواء المصرية، والضوابط المنظمة للإعلانات الطبية، فضلاً عن التشريعات المتعلقة بمكافحة الغش والتدليس.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك