إعلان

أشجار تُقطع ومساحات خضراء تتراجع.. ماذا يحدث للغطاء النباتي في مصر؟

كتب : محمد ممدوح

07:30 ص 10/09/2026

قطع الأشجار

تابعنا على

شهد أحد شوارع محافظة الجيزة خلال الأيام الماضية واقعة قطع أشجار، أثارت حالة من الاستياء بين المواطنين، وأعادت إلى الواجهة الجدل حول وضع الأشجار والمساحات الخضراء داخل المدن المصرية، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة والحاجة إلى زيادة الغطاء النباتي في المناطق الحضرية.

ولا تتوقف أهمية الأشجار عند الجانب الجمالي، إذ ترتبط بوظائف بيئية ومناخية وصحية متعددة، في وقت تكشف فيه دراسات حديثة عن تغيرات شهدها الغطاء النباتي في مصر، وضغوط تعرضت لها المساحات الخضراء والأراضي الزراعية في القاهرة والدلتا.

فوائد الأشجار

وقال الدكتور عمرو ربيع، رئيس قسم الأشجار الخشبية والنبات بمعهد بحوث البساتين التابع لمركز البحوث الزراعية، إن الأشجار تؤدي أدوارًا بيئية متعددة، من بينها امتصاص ثاني أكسيد الكربون وإنتاج الأكسجين، إلى جانب دورها في تحسين الصحة العامة والمزاج العام، فضلًا عن فوائدها الجمالية والاقتصادية.

وأوضح ربيع في تصريح لـ مصراوي أن تشجير الطرقات يسهم في زيادة العمر الافتراضي للأسفلت بنحو 3 إلى 5 سنوات، مشيرًا إلى أن المدن تعاني من ظاهرة «الجزر الحرارية»، نتيجة انتشار الأسفلت والمباني الخرسانية التي تعمل على تخزين الحرارة، بالتزامن مع نقص الأشجار، ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل المدن.

وأشار إلى أن التشجير داخل المدن يخفض درجات الحرارة بما لا يقل عن 6 درجات، كما أن زيادة الكثافة الشجرية داخل المدينة تسهم في توفير نحو 20% من استخدام أجهزة التكييف، وبالتالي خفض استهلاك الطاقة والكهرباء، إلى جانب دور الأشجار في رفع مستوى الأكسجين وتخفيض درجات الحرارة.

وتتوافق أهمية الأشجار في تحسين الظروف الحرارية داخل المدن مع ما خلصت إليه دراسة حديثة تناولت القاهرة، إذ لم تتعامل الدراسة مع الأشجار باعتبارها عنصرًا جماليًا فقط، وإنما اختبرت تأثيرها الفعلي في المناخ المحلي والراحة الحرارية داخل الشوارع.

دراسة حديثة ترصد تراجع الغطاء النباتي في مصر

وتشير دراسة حديثة لباحثين مصريين نُشرت في يوليو 2026 بعنوان «الديناميات الزمانية والمكانية للغطاء النباتي في مصر واستجاباته المناخية غير الخطية: رؤى من التعلم الآلي القابل للتفسير» إلى تغيرات أوسع شهدها الغطاء النباتي في مصر على مدار عقود.

وحلل الباحثون التغيرات التي طرأت على الغطاء النباتي خلال الفترة من 1985 إلى 2020، باستخدام صور الأقمار الصناعية Landsat عبر منصة Google Earth Engine، إلى جانب نماذج لتحليل اتجاهات الغطاء النباتي والعوامل المؤثرة فيها.

وأظهرت الدراسة أن متوسط الغطاء النباتي الجزئي (FVC) في مصر انخفض بنسبة 12.60% خلال الفترة من 1985 إلى 2020، مع تسارع اتجاه التراجع بعد عام 2000.
ولفهم هذا التغير، تتبع الباحثون الغطاء النباتي في مختلف مناطق الجمهورية باستخدام صور الأقمار الصناعية على مدار سنوات الدراسة، وحددوا ما إذا كان الغطاء النباتي في كل منطقة يتجه إلى الزيادة أو التراجع أو لا يظهر تغيرًا واضحًا.

وأظهرت النتائج أن نحو 93.14% من مساحة مصر لم تسجل اتجاهًا واضحًا ومستمرًا نحو الزيادة أو التراجع، ولذلك صُنفت ضمن المناطق المستقرة، بينما ظهرت مناطق تحسن فيها الغطاء النباتي، خاصة في حوض النيل والدلتا، وأخرى شهدت تراجعًا متفرقًا عند المناطق الانتقالية بين الواحات والصحراء.

وبالنظر إلى مصر ككل، نجد أن متوسط الغطاء النباتي انخفض بنسبة 12.60% خلال فترة الدراسة، والغطاء النباتي مرتفع الكثافة لا يمثل سوى 8.87% من إجمالي مساحة مصر.

ولم تنسب الدراسة التغيرات إلى عامل واحد، إذ خلصت إلى أن درجة حرارة الهواء كانت العامل المناخي الأكثر تأثيرًا بصورة سلبية على تغيرات الغطاء النباتي، مع وجود عتبة حرارية عند 18.20 درجة مئوية؛ حيث يمكن لارتفاع درجة الحرارة تحت هذه العتبة أن يحفز نمو الغطاء النباتي، بينما يؤدي تجاوزها إلى زيادة الإجهاد المائي وإعاقة نموه.

وتشير الدراسة كذلك إلى أن العوامل المناخية تحكم النمط العام للغطاء النباتي على مستوى مصر، في حين يظهر تأثير الأنشطة البشرية بصورة محلية، خصوصًا في مناطق حوض النيل.

وبذلك، فإن نسبة التراجع التي رصدتها الدراسة تعبر عن تغير في الغطاء النباتي المقاس بالأقمار الصناعية، ولا تعني أن 12.6% من أشجار مصر تعرضت للقطع.

الأشجار تواجه ضغوط التوسع ومشروعات الطرق

وفي القاهرة، تبدو قضية الأشجار والمساحات الخضراء أكثر ارتباطًا بالبيئة الحضرية، وهو ما تناولته دراسة بعنوان «تحسين استراتيجية فعالة للأشجار الحضرية لتحسين الظروف المناخية المحلية مع مراعاة ندرة المياه: دراسة حالة القاهرة»، نُشرت في 15 أبريل 2024، وركزت على القاهرة الكبرى.

وأشارت الدراسة إلى أن القاهرة فقدت جزءًا من مساحاتها الخضراء المحدودة بهدف تحسين حركة المرور، وأن عددًا من الأشجار أزيل لتوسعة حارات الطرق، مستشهدة بمنطقة ميدان الحجاز في مصر الجديدة، من خلال مقارنة صور للموقع بين عامي 2018 و2022.

وتشير الدراسة إلى أن أكثر من نصف سكان القاهرة يعيشون في مناطق يقل فيها نصيب الفرد من المساحات الخضراء عن 0.5 متر مربع، بينما يبلغ متوسط نصيب الفرد في المدينة نحو 1.7 متر مربع وفق البيانات التي اعتمدت عليها الدراسة.

وهنا يلتقي ما ترصده الدراسة مع ما يؤكده الدكتور عمرو ربيع بشأن محدودية نصيب الفرد من المساحات الخضراء؛ إذ يشير إلى أن نصيب المواطن المصري يبلغ 1.2 متر مربع وفق إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مرجعًا ذلك إلى طبيعة المناخ الحار وقلة معدلات سقوط الأمطار مقارنة بالدول التي تتمتع بمعدلات أمطار أعلى.

وأوضح الدكتور عمرو ربيع أن التعامل مع الأشجار في مصر يحتاج إلى اختيار الأنواع التي تتناسب مع طبيعة كل منطقة، مشيرًا إلى تقسيم الجمهورية إلى أقاليم مناخية، ولكل إقليم الأنواع المناسبة من الأشجار، إلى جانب اختلاف الأنواع المطلوبة داخل المدن وفق الموقع والوظيفة، سواء في المدارس أو المصارف أو الطرق.

زيادة الأشجار تخفض الإحساس بالحرارة في القاهرة

ولم تكتفِ دراسة القاهرة برصد وضع المساحات الخضراء والأشجار، وإنما اختبرت تأثير زيادة الغطاء الشجري على الظروف المناخية المحلية باستخدام نموذج المحاكاة البيئية ENVI-met.

وخلصت الدراسة إلى أن وصول نسبة تغطية الأشجار إلى ما بين 35% و50% في بعض الشوارع يمكن أن يحسن الظروف الحرارية بصورة ملحوظة.

وفي أحد الشوارع التي جرى تحليلها، سجل السيناريو المقترح انخفاضًا في مؤشر درجة الحرارة الفسيولوجية المكافئة (PET) بنحو 5.18 درجة مئوية عند الساعة الرابعة مساءً و6.36 درجة مئوية عند الساعة الخامسة مساءً، ما أدى إلى انتقال مستوى الإجهاد الحراري من «إجهاد حراري شديد» إلى «إجهاد حراري مرتفع جدًا».

وتؤكد هذه النتائج عمليًا الدور الذي أشار إليه رئيس قسم الأشجار الخشبية بمعهد البساتين أن للأشجار دور في خفض درجات الحرارة داخل المدن، إلا أن الدراسة لم تربط هذا التأثير بمجرد زيادة عدد الأشجار فقط، وإنما بنت استراتيجية التشجير على ثلاثة عناصر رئيسية: اختيار أنواع الأشجار، واستخدام تقنيات الري، وتحسين عدد الأشجار وتوزيعها.

كما أظهرت الدراسة أن تقنيات الري التي تضمنتها الاستراتيجية يمكن أن تخفض احتياجات المياه إلى نحو 15% عند استخدام أشجار ذات تيجان أكبر، وفق السيناريو الذي اختبره الباحثون.

ويتفق ذلك مع تأكيد الدكتور عمرو ربيع على أهمية اختيار أنواع الأشجار الأقل استهلاكًا للمياه والأعلى نموًا، خاصة في ظل طبيعة المناخ المصري، مع اختلاف الأنواع المناسبة وفق الموقع والوظيفة.

فقد الأراضي الزراعية يضيف ضغطًا آخر

ولا يقتصر التغير في الغطاء النباتي على المدن، إذ تكشف دراسة أخرى عن محافظة كفر الشيخ جانبًا متعلقًا بتغير استخدامات الأراضي الزراعية.

وحللت دراسة «تقييم التغيرات في استخدامات الأراضي والغطاء الأرضي لمحافظة كفر الشيخ في مصر باستخدام الاستشعار عن بعد»، المنشورة في مجلة Scientific Reports في 12 أبريل 2025، التغيرات التي شهدتها المحافظة خلال الفترة من 1990 إلى 2018، باستخدام صور الأقمار الصناعية Landsat ومؤشر الغطاء النباتي NDVI لتحسين تصنيف الأراضي الزراعية.

وأظهرت النتائج أن محافظة كفر الشيخ فقدت نحو 91.5 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية بين عامي 2010 و2018، بمعدل فقد سنوي يقارب 0.4%، وربطت الدراسة ذلك بصورة رئيسية بالتوسع العمراني غير المنظم.

كما رصدت الدراسة انخفاض مساحة المحمية الطبيعية لبحيرة البرلس بنحو 6.3%، فيما تبلغ مساحة الأراضي الزراعية في المحافظة نحو 2416.3 كيلومتر مربع، بما يمثل نحو 7.5% من إجمالي مساحة الأراضي الزراعية في مصر.

وتوضح هذه النتائج أن التغير في الغطاء الأرضي لا يقتصر على الأشجار الموجودة داخل المدن، وإنما يمتد أيضًا إلى الأراضي الزراعية والمناطق الطبيعية، مع اختلاف أسباب التغير من منطقة إلى أخرى.

الأشجار تمتد أدوارها إلى الأراضي الزراعية

وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عمرو ربيع أن دور الأشجار لا يقتصر على الشوارع والميادين، وإنما يمتد إلى الأراضي الزراعية، إذ يمكن استخدامها كمصدات للرياح، خاصة في مزارع الفاكهة والمناطق الزراعية المجمعة.

وأشار إلى أن استخدام الأشجار كمصدات للرياح يمكن أن يسهم في زيادة المحصول بنسبة تتراوح بين 10% و20%، من خلال زراعة الأشجار حول الأراضي الزراعية من الجهة التي تهب منها الرياح، بما يساعد على حماية المحصول من تساقط الأزهار خلال فترة العقد والحد من انخفاض كمية المحصول.

ولفت ربيع إلى وجود أنواع من الأشجار الأقل استهلاكًا للمياه والأعلى نموًا، مشيرًا إلى أن معدل نمو الأشجار في مصر قد يصل إلى أربعة أضعاف معدل النمو في أوروبا، نتيجة المناخ الحار الذي يوفر درجات الحرارة التي يحتاج إليها النبات.

كما أشار إلى أن المياه المستخدمة في ري الأشجار تكون معالجة من مياه الصرف الزراعي أو الصحي، وليست مياهًا نقية، مؤكدًا قدرة الأشجار على النمو باستخدام هذه المياه.

القاهرة فقدت مساحات خضراء خلال سنوات

وتكشف دراسة أخرى عن حجم التراجع في المساحات الخضراء داخل القاهرة؛ إذ أظهرت دراسة «كمية وتوزيع المساحات الخضراء العامة في القاهرة، مصر»، المنشورة عام 2022، أن القاهرة فقدت نحو 910,894 مترًا مربعًا من مساحاتها الخضراء بين عامي 2017 و2020.

وبالتزامن مع زيادة عدد السكان وتراجع إجمالي مساحة المساحات الخضراء، انخفض نصيب الفرد من 0.87 متر مربع عام 2017 إلى 0.74 متر مربع عام 2020.

وسجلت منطقتا مصر الجديدة وشرق مدينة نصر أكبر خسائر في المساحات الخضراء خلال الفترة محل الدراسة؛ إذ فقدت مصر الجديدة نحو 272,274 مترًا مربعًا، بينما فقدت شرق مدينة نصر نحو 311,283 مترًا مربعًا.

وأشارت الدراسة إلى أن القاهرة واصلت فقد المساحات الخضراء دون إضافات جديدة كبيرة، كما أوضحت أن المدينة فقدت إجمالًا نحو 2.13 مليون متر مربع من المساحات الخضراء مقارنة بعام 2006، منها 910,894 مترًا مربعًا خلال الفترة من 2017 إلى 2020.

وفي مناقشتها، ربطت الدراسة استمرار فقد المساحات الخضراء بالضغوط الناتجة عن التطور الحضري ومشروعات البنية التحتية، مشيرة إلى حالات كان فيها توسعة الطرق وإنشاء كباري السيارات على حساب مساحات خضراء، مع ذكر أمثلة في مصر الجديدة ومدينة نصر.

قبل قطع الشجرة.. البحث عن البديل

ومع ارتباط بعض حالات إزالة الأشجار بمشروعات الطرق، يشدد الدكتور عمرو ربيع على ضرورة البحث عن حلول بديلة قبل اتخاذ قرار القطع، سواء من خلال تغيير مسار الطريق أو التشاور مع المختصين في معهد بحوث البساتين للوصول إلى حلول توافقية تحقق المصلحة العامة.

وأوضح أن إزالة شجرة كبيرة توفر الظل وتنتج كمية كبيرة من الأكسجين واستبدالها بشجرة صغيرة يحتاج إلى وقت طويل، بسبب الفارق بين حجم الشجرة وقدرتها على أداء وظائفها البيئية.

ويرى ربيع أن المدن القديمة، وفي مقدمتها القاهرة والجيزة، تحتاج إلى التوسع في أعمال التشجير، مشيرًا إلى ما شهدته المدن الجديدة من إنشاء مساحات خضراء، ومنها «النهر الأخضر» في العاصمة الإدارية الجديدة.

كما أشار إلى مبادرة زراعة 100 مليون شجرة، ما يعني توفير شجرة لكل مواطن على الأقل، داعيًا إلى التوسع في الشجير داخل المدن وإنشاء أحزمة خضراء للحد من التغيرات المناخية وتحسين جودة الحياة.

اقرأ أيضًا:
"شبورة كثيفة بهذه المناطق".. الأرصاد تكشف تفاصيل طقس الأيام المقبلة

غرفة السياحة تعلن موعد تسليم طلبات وإقرارات حج الشركات لموسم 1448هـ

هل يجوز للشركة إجبار العامل على الاستقالة؟.. محاذير قانون العمل

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان