قال خبراء في قطاع الطاقة واقتصاديون إن استمرار أسعار النفط العالمية عند مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع تحرك سعر الدولار قرب 52 جنيهًا، يفرض ضغوطًا إضافية على تكلفة استيراد المنتجات البترولية والموازنة العامة، ويعيد سيناريو تحريك أسعار الوقود إلى الواجهة، في الوقت الذي تظل فيه تداعيات أي زيادة على التضخم أحد أبرز العوامل المؤثرة في القرار.
وأضافوا لـ"مصراوي" أن استمرار ارتفاع أسعار النفط لفترة ممتدة سيزيد الفجوة بين السعر العالمي والتقديرات الواردة في الموازنة العامة، بينما يتوقف تأثير ذلك على أسعار الوقود محليًا على مدة استمرار الارتفاعات وتطورات سعر الصرف وآلية التسعير التلقائي.
وخلال سبتمبر الجاري، تراوحت أسعار خام برنت بين نحو 96.90 و109.50 دولار للبرميل، بينما سجل خام غرب تكساس خلال الشهر نفسه نحو 104.60 دولار للبرميل.
وخلال تعاملات اليوم، سجل سعر الدولار مقابل الجنيه نحو 52.08 جنيه للشراء و52.18 جنيه للبيع، بحسب أحدث بيانات البنك الأهلي المصري.
اقرأ أيضًا: انخفض في 9 بنوك.. سعر الدولار مقابل الجنيه مع نهاية تعاملات الخميس
استمرار الحرب والتوترات الجيوسياسية تدفع أسعار النفط
قال الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن استمرار الحرب والتوترات الجيوسياسية قد يدفع سعر برميل النفط إلى مستويات تتخطى 110 دولارات، في ظل تأثير التطورات الأخيرة على إمدادات النفط العالمية.
وأوضح راغب أن الهجمات التي طالت خط شرق-غرب في السعودية، والذي ينقل نحو 5 ملايين برميل يوميًا من النفط، إلى جانب المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، تمثل عوامل ضغط على أسعار الخام.
وأشار إلى أن أسعار النفط عالميًا تتحدد وفق عدة عوامل، من أبرزها الاستقرار والأمن، وحجم المعروض والطلب، ومستويات الإنتاج، إلى جانب التطورات الجيوسياسية.
وأضاف أن قرارات "أوبك+" بشأن مستويات الإنتاج تمثل عاملًا آخر مؤثرًا في السوق، مشيرًا إلى أن المجموعة لا تتجه حاليًا إلى زيادة كبيرة في الإنتاج من شأنها إغراق السوق، كما أن أي زيادات في الإنتاج قد تواجه تحديات في الوصول إلى الأسواق مع استمرار المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز.
ارتفاع النفط يرفع تكلفة استيراد الوقود
وقال راغب إن ارتفاع أسعار النفط عالميًا يرفع تكلفة استيراد الوقود، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة للدولة، وقد يدفع إلى زيادة أسعار المنتجات البترولية كما حدث في تحركات أسعار البنزين والسولار.
وأضاف أن زيادة تكلفة الوقود تنعكس في النهاية على المواطن المصري، سواء بشكل مباشر من خلال أسعار المنتجات البترولية أو بصورة غير مباشرة عبر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
وأشار أستاذ هندسة البترول والطاقة إلى أن الموازنة العامة للدولة وضعت سعرًا افتراضيًا للنفط عند 75 دولارًا للبرميل، وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار العالمية عن هذا المستوى يزيد تكلفة الاستيراد ويمثل ضغطًا على الدعم والموازنة.
زيادة الإنتاج لتقليل فاتورة الاستيراد
وأوضح راغب أن الحل الأساسي لتقليل تأثر مصر بارتفاع أسعار النفط العالمية يتمثل في زيادة الإنتاج المحلي والوصول إلى مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي، بما يقلل الاعتماد على الاستيراد خلال الأزمات العالمية.
وقال إن مصر حققت في فترات سابقة مستويات مرتفعة من الاكتفاء الذاتي من الغاز، عندما وصل الإنتاج إلى نحو 7 مليارات قدم مكعبة يوميًا، وهو ما سمح بتلبية الاحتياجات المحلية وتصدير كميات إلى أوروبا وأسواق أخرى.
ولفت إلى أن إنتاج الغاز تراجع حاليًا إلى نحو 3.7 مليار قدم مكعبة يوميًا، كما أن مصر تستورد نحو 30% من احتياجاتها من النفط، وهو ما يجعلها أكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار العالمية.
وأضاف أن التوسع في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء يمثلان مسارًا آخر لخفض الضغوط على موارد الطاقة، خاصة أن جزءًا كبيرًا من الغاز المتاح يذهب إلى محطات الكهرباء.
وأشار إلى أهمية زيادة إنتاج الموارد البترولية داخل مصر وخارجها، من خلال وجود شركة مصرية قادرة على تنفيذ أعمال البحث والاستكشاف والحفر في الأسواق الخارجية، إلى جانب التوسع في استغلال الخزانات غير التقليدية وتطبيق تقنيات حديثة في الحفر والإنتاج، بما يساعد على رفع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
اقرأ أيضًا: كيف أنقذت مخزونات نفط السعودية في مصر الأسواق العالمية مؤقتا؟
سيناريوهان لأسعار الوقود
وقال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع والإحصاء، إن هناك سيناريوهين رئيسيين بشأن أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة، في ظل ارتفاع أسعار النفط العالمية واتساع الفجوة بين السعر المقدر في الموازنة والتكلفة الفعلية للاستيراد.
وأوضح أن السيناريو الأول يتمثل في تثبيت أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية، مع اتجاه الحكومة إلى امتصاص الزيادة الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط عالميًا، بينما يتمثل السيناريو الثاني في تحريك الأسعار.
وأضاف أن أي زيادة محتملة ستكون في إطار آلية التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، والتي تحدد ألا تتجاوز نسبة الزيادة أو الخفض 10% لكل منتج خلال المراجعة الواحدة.
وأشار أنيس إلى أن الموازنة العامة للدولة بنيت على سعر افتراضي للنفط عند نحو 75 دولارًا للبرميل، وبالتالي فإن استمرار الأسعار العالمية عند مستويات أعلى يزيد الضغوط على تكلفة دعم الطاقة وفاتورة الاستيراد.
هل تشهد أسعار البنزين زيادة جديدة خلال الفترة المقبلة؟
وفي المقابل، نفى المستشار محمد عادل، المتحدث باسم مجلس الوزراء، وجود أي زيادة جديدة في أسعار البنزين خلال الفترة المقبلة، مشيرًا إلى استقرار سوق المنتجات البترولية وتوافر مخزون آمن وكافٍ من الوقود.
وقال عادل، خلال مداخلة هاتفية عبر قناة "إكسترا نيوز"، إن اجتماع رئيس مجلس الوزراء مع وزير البترول لم يتطرق إلى إعادة تسعير المنتجات البترولية، كما لم يشهد تحديد موعد جديد لانعقاد لجنة التسعير التلقائي.
وأوضح أن الاجتماع ركز على خطط تأمين إمدادات الطاقة وضمان استقرار السوق المحلية واستمرار توفير البنزين ومختلف المشتقات البترولية بصورة منتظمة.
وأشار متحدث مجلس الوزراء إلى أن وزير البترول عرض خلال الاجتماع موقف مخزونات المنتجات البترولية، مؤكدًا توافر كميات كافية وآمنة من إمدادات الطاقة، بما يضمن تلبية احتياجات السوق المحلية.
وشدد عادل على عدم وجود زيادات جديدة في أسعار البنزين في الوقت الحالي، مع استمرار متابعة الحكومة لتطورات سوق الطاقة وإمدادات المنتجات البترولية.
تحريك الوقود قد يرفع التضخم
وقال أنيس إن أي زيادة في أسعار المحروقات ستنعكس على معدلات التضخم، سواء بصورة مباشرة من خلال أسعار الوقود أو بشكل غير مباشر عبر ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
وأضاف أن معدلات التضخم قد ترتفع بنحو 2 إلى 3 نقاط مئوية حال تحريك أسعار الوقود، لتصل إلى مستويات تتراوح بين 16% و17% خلال الربع الأخير من العام المالي الحالي، مقارنة بالمستويات الحالية التي تدور حول 14.5%.
وأوضح أن هذا الارتفاع قد يكون مؤقتًا، وفي حال عدم ظهور ضغوط تضخمية جديدة يمكن أن تعاود معدلات التضخم التراجع لاحقًا.
هل ترتفع أسعار الفائدة؟
وعن انعكاسات تحريك أسعار الوقود على السياسة النقدية، قال أنيس إن وصول التضخم إلى هذه المستويات لا يعني بالضرورة اتجاه البنك المركزي المصري إلى رفع أسعار الفائدة، موضحًا أن بقاء التضخم دون مستوى 18% قد يقلل من احتمالات التشديد النقدي.
وأضاف أن قرار البنك المركزي لا يرتبط بالتضخم المحلي فقط، وإنما يتأثر أيضًا بتحركات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وما إذا كان سيتجه إلى رفع أسعار الفائدة أو الإشارة إلى استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
وأشار إلى أن استمرار التشدد النقدي عالميًا قد يزيد الضغوط على العملات المحلية، ومنها الجنيه المصري، وهو ما قد يمثل عاملًا إضافيًا يأخذه البنك المركزي في الاعتبار عند تحديد مسار أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضًا: بين هرمز وباب المندب ووقف خط شرق-غرب.. إلى أين تتجه أسعار النفط؟
النفط والدولار يرفعان تكلفة الدعم
قال الدكتور علي عبد النبي، خبير الطاقة ونائب رئيس هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء سابقًا، إن استمرار أسعار النفط العالمية فوق 95 دولارًا للبرميل، ووصولها حاليًا إلى أكثر من 100 دولار، يفرض ضغوطًا مالية كبيرة على الموازنة العامة للدولة، وقد يدفع الحكومة إلى تحريك أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة.
وأوضح عبد النبي أن الحكومة قدرت سعر برميل البترول في الموازنة العامة عند 75 دولارًا، وبالتالي فإن استمرار الأسعار عند مستويات تتجاوز هذا السعر بفارق كبير يوسع الفجوة بين تكلفة الاستيراد وسعر بيع المنتجات البترولية محليًا.
وأضاف أن استمرار أسعار البترول فوق 95 دولارًا للبرميل يرفع تكلفة فاتورة استيراد المنتجات البترولية، ويزيد الأعباء على الموازنة، خاصة مع أهمية خفض عجز الموازنة وتقليص فاتورة دعم الطاقة.
وأشار إلى أن تحريك أسعار الوقود محليًا يظل أحد السيناريوهات المطروحة ضمن حسابات لجنة التسعير التلقائي، خاصة إذا استقرت أسعار النفط العالمية عند مستويات مرتفعة لفترة ممتدة.
وأوضح عبد النبي أن كل زيادة بقيمة دولار واحد في سعر برميل البترول ترفع أعباء الموازنة بنحو 3 مليارات جنيه سنويًا، وهو ما يجعل استمرار الأسعار العالمية عند مستويات مرتفعة عامل ضغط إضافي على المالية العامة.
ولفت إلى أن ارتفاع أسعار النفط يتزامن مع تحرك سعر الدولار في البنوك قرب مستوى 52 جنيهًا، ما يرفع التكلفة الفعلية لاستيراد الشحنات البترولية ويزيد الضغوط على فاتورة دعم الوقود.
وأضاف أن تكلفة دعم الوقود تتأثر بشكل أساسي بمتغيرين، أولهما سعر النفط عالميًا، والثاني سعر صرف الدولار أمام الجنيه.
وقال إن كل زيادة بقيمة دولار واحد في سعر برميل البترول تضيف أعباء مالية تصل إلى نحو 3 مليارات جنيه سنويًا على الموازنة، في حين أن كل زيادة بقيمة جنيه واحد في سعر الدولار مقابل الجنيه ترفع فاتورة الطاقة والمواد البترولية بنحو 4 مليارات جنيه.
وأشار إلى أن وصول سعر النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع تحرك الدولار قرب 52 جنيهًا، يعني تعرض الموازنة لضغط مزدوج نتيجة ارتفاع تكلفة شراء واستيراد المنتجات البترولية بالعملة الأجنبية.
وأضاف أن استمرار ارتفاع النفط وسعر الدولار معًا يزيد تكلفة دعم الوقود بصورة مباشرة، ويجعل قرار تحريك الأسعار المحلية أكثر ارتباطًا بمدة استمرار هذه المستويات وليس بالارتفاع المؤقت في الأسعار العالمية فقط.
وكانت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية قررت في مارس الماضي رفع أسعار البنزين والسولار بنحو 3 جنيهات للتر، ضمن تحركات أسعار الوقود في السوق المحلية.
وبعد الزيادة، سجل سعر بنزين 95 نحو 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 نحو 22.25 جنيه، بينما بلغ سعر بنزين 80 نحو 20.75 جنيه للتر، وسجل السولار 20.50 جنيه للتر.
كما ارتفع سعر أسطوانة البوتاجاز المنزلية سعة 12.5 كجم إلى 275 جنيهًا، والأسطوانة التجارية سعة 25 كجم إلى 550 جنيهًا، بينما بلغ سعر غاز تموين السيارات 13 جنيهًا للمتر المكعب.