قال خبراء اقتصاديون ومصرفيون إن رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة 0.25% لن يكون له تأثير مباشر وفوري على سعر الدولار مقابل الجنيه، موضحين أن حركة سعر الصرف في مصر خلال الفترة المقبلة ستتأثر بشكل أكبر بقوة الدولار عالميًا، وحركة الأموال الساخنة، والتطورات الجيوسياسية وأسعار النفط، إلى جانب البيانات الاقتصادية الأمريكية.
وأوضحوا لـ"مصراوي" أن الجنيه المصري يعمل وفق آليات السوق، وأن قرار الفيدرالي لا يعني العودة إلى التعويم أو إجراء خفض جديد لقيمة الجنيه، مع أهمية متابعة تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية والبيانات الأمريكية خلال الفترة المقبلة لتحديد اتجاه الدولار.
ورفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة 0.25% خلال اجتماعه أمس الأربعاء، لترتفع إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%، في أول زيادة منذ أكثر من 3 سنوات، في وقت تترقب فيه الأسواق انعكاس السياسة النقدية الأمريكية على حركة الدولار وتدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر.
وكان سعر الدولار قد أغلق تعاملات أمس عند نحو 52.15 جنيه للشراء و52.25 جنيه للبيع، قبل أن يتراجع مع بداية تعاملات اليوم بنحو 19 قرشًا، ليسجل 51.96 جنيه للشراء و52.06 جنيه للبيع، ثم عاد للارتفاع إلى 52.08 جنيه للشراء و52.18 جنيه للبيع، وفق أحدث بيانات البنك الأهلي المصري.
اقرأ أيضًا: بعد قرار الفيدرالي الأمريكي.. الدولار يعكس اتجاهه الصاعد ويهبط مقابل الجنيه في أولى تعاملات اليوم
تحركات محدودة للدولار
وقال مصدر مسؤول في أحد البنوك إن تحرك الدولار خلال تعاملات اليوم كان محدودًا، حيث تراجع بنحو 19 قرشًا في بداية التعاملات قبل أن يعاود الارتفاع بنحو 17 قرشًا، لتظل حركة سعر الصرف في نطاقات ضيقة وتميل بشكل طفيف إلى الانخفاض.
وأوضح المصدر أن قوة الدولار عالميًا لا تتحدد بقرار رفع الفائدة الأمريكية وحده، رغم أن رفع الفائدة يدعم العملة، مشيرًا إلى وجود عوامل أخرى مؤثرة في الاقتصاد الأمريكي، من بينها ارتفاع التضخم، والتوترات السياسية والاقتصادية، وحالة عدم اليقين بشأن أسعار النفط والإنفاق، إلى جانب الخلافات حول السياسة النقدية.
وأضاف أن تأثير رفع الفائدة الأمريكية على الاقتصاد والائتمان وتكلفة الاقتراض يحتاج إلى وقت حتى يظهر، وبالتالي قد يتحرك الدولار عالميًا في نطاقات صعود وهبوط خلال الفترة المقبلة، بدلًا من اتجاه واحد مستمر.
وأشار إلى أن حالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية الأمريكية، إلى جانب الخلافات بين الإدارة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي حول أسعار الفائدة، تمثل عاملًا إضافيًا في حركة الدولار، خاصة مع استمرار الضغوط السياسية المطالبة بخفض الفائدة.
التوترات الإقليمية تضغط على الدولار
وعن سعر الدولار في مصر، قال المصدر إن العامل الأهم في تحديد اتجاهه خلال الفترة الحالية يتمثل في التطورات الجيوسياسية، خاصة تحركات السفن في مضيق هرمز وتجدد المخاوف بشأن مضيق باب المندب.
وأوضح المصدر أن استمرار تصاعد التوترات الإقليمية قد يزيد الضغوط على الاستثمارات الأجنبية، ويدفع إلى خروج جزء منها، بما ينعكس على سوق الإنتربنك ويدعم ارتفاع الدولار أمام الجنيه، بينما تراجع حدة التوترات قد يؤدي إلى تحسن تدفقات الاستثمار وانخفاض الضغوط على سعر الصرف.
وأضاف أن حركة دخول وخروج الاستثمارات الأجنبية قد تتغير من أسبوع إلى آخر، إلا أن البيانات الشهرية لا تزال تشير إلى وجود فائض في جانب الشراء، ما يعني أن تحركات الدولار الحالية لا تعكس بالضرورة اتجاهًا مستمرًا نحو الارتفاع.
وأشار إلى أن الدولار يتحرك حاليًا في نطاق يتراوح بين 51 و52 جنيهًا، مقارنة بمستويات تراوحت في وقت سابق بين 49 و50 جنيهًا، وهو ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق.
اقرأ أيضًا: بعد قرار الفيدرالي.. هل يتجه المركزي المصري لرفع الفائدة؟
الفيدرالي لا يحرك الدولار مباشرة
قال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي للاستثمارات المالية، إن رفع الفائدة الأمريكية ليس له تأثير مباشر على سعر الدولار في مصر، موضحًا أن التأثير يكون بصورة غير مباشرة من خلال قوة الدولار عالميًا.
وأضاف أن تراجع الدولار في بداية تعاملات اليوم لا يمثل بالضرورة انعكاسًا مباشرًا لقرار رفع الفائدة، خاصة أن الأسواق كانت قد سعّرت الزيادة مسبقًا خلال الأيام الماضية، وبالتالي لم يكن القرار مفاجئًا للمستثمرين.
وأوضح نجلة أن حركة الدولار خلال الفترة المقبلة ستتأثر بالبيانات الاقتصادية الأمريكية الجديدة، خاصة أرقام التضخم والتوظيف، مشيرًا إلى أن البيانات التي تدعم قوة الدولار عالميًا قد تنعكس على الجنيه المصري، بينما تراجع الدولار مقابل العملات والسلع قد يدعم تحسن أداء الجنيه.
وأشار إلى أن قوة الدولار عالميًا مقابل العملات المختلفة، بما فيها الجنيه المصري، تعد العامل الأهم في تحديد تأثير السياسة النقدية الأمريكية على سعر الصرف في مصر، وليس قرار رفع الفائدة في حد ذاته.
الأموال الساخنة عامل مؤثر
وقال محمد بدرة، الخبير المصرفي، إن تأثير رفع أو خفض أسعار الفائدة الأمريكية على سعر الدولار في مصر يرتبط بصورة أساسية بحركة دخول وخروج الأموال الساخنة، إلى جانب مجموعة من العوامل الأخرى المؤثرة في سوق الصرف.
وأوضح أن الظروف الجيوسياسية وأسعار النفط والتطورات الإقليمية، إلى جانب أوضاع تحويلات المصريين بالخارج، تمثل عوامل مؤثرة في حركة الدولار، وبالتالي فإن تحديد اتجاه سعر الصرف خلال الفترة المقبلة لا يرتبط بقرار الفيدرالي وحده.
وأشار بدرة إلى أن التقلبات في سعر الدولار حتى الآن لا تزال في حدود مقبولة، موضحًا أن السوق سبق أن شهد تحركات بنحو 10% ثم عاد الدولار للانخفاض، وهو ما يستدعي مراقبة تطورات السوق خلال الفترة المقبلة.
وأضاف بدرة أن حركة الأموال الساخنة تتأثر بعدة عوامل بخلاف أسعار الفائدة الأمريكية، مشيرًا إلى أن ارتفاع حجم التداولات الدولارية إلى نحو 800 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي، مقارنة بنحو 150 مليون دولار كحد أقصى في فترات سابقة، قد يكون مؤشرًا على خروج جزء من الأموال الساخنة.
ولفت إلى أن استمرار خروج أو دخول الأموال الساخنة، إلى جانب تحركات أسعار البترول والتطورات الإقليمية، سيكون له تأثير على سعر الدولار في مصر، ومن ثم على مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضًا: كيف يؤثر رفع الفيدرالي الأمريكي للفائدة على الدولار؟
قوة الدولار عالميًا
قال الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، إن تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اتسمت بالتشدد، موضحًا أن الفيدرالي لا يستطيع التحكم في أسعار النفط العالمية أو التوترات الجيوسياسية، مثل أزمة مضيق هرمز، لكنه يستطيع الحد من تأثيرها على التضخم من خلال أسعار الفائدة.
وأوضح معطي أن الفيدرالي يركز بشكل كامل على كبح التضخم، مع استمرار ثقته في قوة ومتانة الاقتصاد الأمريكي، وعدم وجود مخاوف كبيرة بشأن تأثر معدلات النمو أو التوظيف نتيجة قرارات الفائدة.
وأشار إلى أن الدولار الأمريكي شهد ارتفاعًا ملحوظًا ليتجاوز مؤشره مستوى 100 نقطة، مدعومًا بالسياسة النقدية المتشددة وارتفاع عوائد السندات الأمريكية.
وأضاف أن عوائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات ارتفعت لتتجاوز مستوى 5% مجددًا، في ظل توقعات باستمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، وهو ما قد ينعكس على حركة رؤوس الأموال العالمية وتدفقات الاستثمار إلى الأسواق الناشئة.
هل هناك تعويم جديد للجنيه؟
وعن احتمالات العودة إلى التعويم، قال المصدر إن الحديث عن تعويم جديد أو خفض لقيمة الجنيه لا يتناسب مع آلية سعر الصرف الحالية، موضحًا أن الجنيه يتحرك بالفعل وفق نظام مرن، ويتغير سعره بصورة مستمرة وفق قوى العرض والطلب.
وأوضح أن الحاجة إلى خفض رسمي لقيمة العملة تظهر عادة عندما يكون البنك المركزي مثبتًا سعر الصرف عند مستوى لا يعكس قوى السوق، ما يؤدي إلى تراكم الضغوط وظهور فجوة تستدعي تعديل السعر، وهو ما لا ينطبق على الوضع الحالي مع مرونة سعر الصرف.
وأضاف أن تحرك الدولار صعودًا وهبوطًا خلال اليوم يعكس آلية السوق، مشيرًا إلى أن تذبذب السعر بين مستويات مختلفة لا يعني وجود قرار بتعويم جديد، وإنما يأتي في إطار نظام سعر الصرف المرن وعدم تدخل البنك المركزي لتثبيت الدولار عند مستوى محدد.
واتفق معه بدرة ونجلة في أن الجنيه المصري عائم بالفعل، وتتحرك قيمته وفقًا لآليات السوق بصورة يومية، مشيرين إلى أن سعر الصرف يتحرك صعودًا وهبوطًا وفق تطورات السوق.
وبالتالي، فإن تحرك الدولار صعودًا أو هبوطًا خلال الفترة المقبلة لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار جديد بشأن نظام سعر الصرف، وإنما يعكس بصورة أساسية حركة السوق والعوامل المؤثرة في العرض والطلب على العملة الأجنبية.
اقرأ أيضًا: الفيدرالي الأمريكي يرفع أسعار الفائدة 0.25% في اجتماعه اليوم لأول مرة منذ 3 سنوات