إعلان

من "إيه الأفضل" لـ"إيه الأرخص؟".. كيف التهمت مستلزمات "السبلايز" والكتب ميزانية الأسر؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

12:03 م 01/09/2026

تابعنا على

تصوير- محمد معروف:

في شوارع الفجالة وأزقتها، تعتاد رباب وهي ولية أمر، بدء رحلة تجهيز أبنائها للعام الدراسي الجديد بين رصات الكشاكيل وأكوام الكتب والشنط والأدوات المكتبية. تبدو الحركة هذا العام مختلفة؛ البضاعة موجودة، لكن سؤالها قبل الشراء لم يعد "إيه الأفضل؟" بل أصبح "إيه الأرخص؟". وبين مكتبة وأخرى وعلى فرش وأكشاك تلتهم جولة السيدة جزءًا كبيرًا من ميزانيتها.

"الصدمة لا تأتي من بند واحد"، كما يقول مصطفى حمادة وهو أحد العاملين في تجارة الأدوات والمستلزمات المدرسية، ويقدّر تراجع حركة البيع والشراء بنحو 30% مقارنة بالعام الماضي، فيما يضيف لـ مصراوي أن تجهيز طالب في الصفين الخامس أو السادس الابتدائي بقائمة المستلزمات التي تطلبها المدرسة قد يتكلف 5-6 آلاف جنيه كحد أدنى، قبل الملابس وباقي احتياجات العام.

في المقابل، تضع نادية وهي ولية أمر لطالبين في الصف الثالث الابتدائي والأول الإعدادي، رقمًا أكبر بكثير على فاتورة طفلها؛ إذ تقول إن التكلفة الإجمالية قد تصل إلى 71 ألف جنيه للطفل الواحد، حسب حديثها لـ مصراوي، بينما يقدّر المهندس محسن علام وهو ولي أمر، أن تكلفة الطالب قد تتجاوز 10 إلى 15 ألف جنيه شهريًا إذا جُمعت المدرسة والدروس والكتب وباقي المصروفات، وفق ما يقول لـ مصراوي.

"السبلايز".. قائمة تبدأ بالورق ولا تنتهي عنده

في قلب هذه الفاتورة يأتي بند "السبلايز"، وليست المسألة كما يروي خالد الأزهري وهو صاحب سلسلة مكتبات بالفجالة، مجرد كشكول وقلم وأستيكة؛ فقوائم السبلايز بالمدارس تحدد كشكولًا بعينه بجلدة ولون وطريقة تصنيع محددة، بجانب الأقلام والبرايات والأدوات المكتبية، بل ومستلزمات أخرى مثل البالطو.

لكن المشكلة الأكبر، حسب حديث الأزهري لـ مصراوي، ليست في كثرة الأصناف وحدها، وإنما في أن ولي الأمر لا يملك دائمًا مساحة لاختيار البديل الأرخص، فالمدرسة، كما يقول، قد تحدد مواصفات معينة، و"ما يقدرش يجيب غيرها"، لتصبح القائمة التي يفترض أن تكون تجهيزًا للطالب شرطًا أساسيًا لدخوله المدرسة.

تلتقي رواية الأزهري مع ما يقوله حمادة عن حجم القوائم نفسها؛ إذ يشير إلى مدارس تطلب كرتونتين من ورق التصوير، تضم كل كرتونة 10 رزم، ويصل سعر الكرتونة إلى نحو 700 جنيه، أي أن بند الورق وحده قد يصل إلى 1400 جنيه عند شراء الكرتونتين، قبل إضافة بقية الأدوات.

لكن رباب وهي ولية أمر، تنقل المشهد إلى زاوية أخرى، وتقول لـ مصراوي إن طلب "السبلايز" لم يعد قاصرًا على المدارس الخاصة، وإن بعض المدارس الحكومية تطلب بدورها ورق تصوير وفومًا وصلصالًا وألوانًا، وتستوقفها طلب كرتونة كاملة من ورق التصوير لطفل في رياض الأطفال، متسائلة عن جدوى هذه الكمية لطفل قد لا يستخدم سوى عدد محدود من الأوراق.

وفي مدرسة لغات، تدفع نادية أكثر من 3 آلاف جنيه سنويًا لـ السبلايز للطفل الواحد، لكنها لا ترى أن كل ما تدفعه يعود إلى طفلها بصورة مباشرة، إذ تقول لـ مصراوي إن جزءًا من هذه المستلزمات يستخدم في الأنشطة والحفلات المدرسية بينما لا يستفيد الطفل منها خلال يومه الدراسي.

من "كرتونة الورق" إلى الكشكول.. حين يصبح السعر هو معيار الاختيار

في الفجالة، تظهر آثار هذه الفاتورة في طريقة الشراء نفسها، كما يقول الأزهري لـ مصراوي، ويضيف أن بعض الأسر تأتي طالبة "أقل خامة" لأن لديها 3 أو 5 أولاد، فيما تصل تكلفة تجهيز طلاب الأسرة الواحدة حسب مستوى الخامات وعدد الأطفال، من نحو 1000 جنيه إلى 5000 جنيه.

كما يدفع الضغط الشديد بعض الأسر إلى جمع أوراق الكشاكيل غير المستخدمة وتجميعها في كراسة جديدة للطفل، كما يروي الأزهري لـ مصراوي، ثم يضع توصيفه الحاد للسوق: "مفيش طبقة متوسطة"، ويتابع: "هناك من يستطيع شراء الخامات الأعلى، ومن يبحث عن الحد الأدنى فقط".

جاء المهندس محسن علام لشراء احتياجات أولاده، ولكنه يضع التفاوت الذي تحدث عنه الأزهري داخل صورة أوسع، إذ يقول علام لـ مصراوي إنه اضطر إلى المرور على 5 أو 6 مكتبات قبل الشراء حتى يقارن الأسعار، مسببًا ذلك بأن المستهلك لم يعد أمامه مرجع واضح يعرف من خلاله السعر العادل للسلعة.

وبينما يرى علام أن أسعار مستلزمات التعليم ارتفعت بنحو 300% منذ 2016، فإنه يقدّر الزيادة بين العام الماضي والحالي بنحو 30 إلى 40%، وكذلك يتفق حمادة معه، ويقدّر انخفاض المبيعات بنحو 30%، بما يعكس المعادلة نفسها من جهتين: "الأسعار إلى أعلى، والقدرة على الشراء إلى أسفل" كما يقول لـ مصراوي.

الشنطة واللانش بوكس.. بنود صغيرة تتراكم

لا تتوقف رحلة أولياء الأمور عند الكشكول والقلم، كما يقول الأزهري لـ مصراوي، ولكنه يضع متوسط سعر الشنطة المدرسية المستوردة عند 500 جنيه، بينما يصل اللانش بوكس المستورد إلى نحو 100 جنيه، والزمزمية إلى نحو الرقم نفسه، مع وجود منتجات أعلى سعرًا وأخرى محلية أقل تكلفة.

لكن نادية تتحدث عن مستوى آخر تمامًا من الأسعار يختلف عما ذكره الأزهري، إذ تقول لـ مصراوي إن الشنطة في حالتها قد تصل إلى 3 آلاف أو 3500 جنيه.

الكتب الخارجية.. بند ينافس الأدوات على ميزانية الأسرة

الكتب الخارجية تدخل المنافسة على الميزانية مباشرة، كما يرى عبد المنعم وهو صاحب مكتبة لبيع الكتب الخارجية، ويقول لـ مصراوي إن أسعار معظم الكتب ارتفعت بنحو 20% هذا العام، مرجعًا ذلك إلى ارتفاع تكلفة الورق والطباعة، وفي الوقت نفسه، لا يرى تراجعًا في الطلب، ويتابع أن كتب "الامتحان" و"المعاصر" و"الأضواء" و"سلاح التلميذ" ما زالت تحظى بإقبال كبير بسبب اسمها المعروف للطلاب وأولياء الأمور.

على النقيض، ترى سميرة وهي صاحبة مكتبة للأدوات المدرسية في السويس، ترى أن الإقبال على الفجالة "موجود" لكنه أقل، وتقول لـ مصراوي إن الكتب الخارجية "أكلت" الميزانية المخصصة من قِبل أولياء الأمور للكشاكيل والأقلام وباقي الأدوات، حسب وصفها.

"كتاب الرياضيات للصف الثالث الثانوي يصل إلى 1200 جنيه" كما تضرب سميرة مثالًا وصفته بـ"الصادم" لـ مصراوي، بينما تبدأ تكلفة الكتب الخارجية لطفل في المرحلة الابتدائية، حسب تقديرها، من نحو 1000 جنيه، وقد تصل الكتب وحدها لأسرة لديها طفلان أو ثلاثة إلى نحو 5000 جنيه. وتختصر سميرة المعضلة في سؤال واحد: "أنا هجيب الكتاب ولا هجيب أدوات؟".

الكتاب الخارجي.. ضرورة تعليمية أم عبء إضافي؟

"لماذا تستمر الأسر في شراء الكتب رغم أسعارها؟"، سؤال يطرحه مصراوي على عبد المنعم الذي يقول مباشرة: "لكثير من الطلاب، الكتاب الخارجي أصبح لا غنى عنه"، ويوضح أن الكتاب الخارجي يقدم الأسئلة والملخصات التي يحتاج إليها الطالب ولذلك ظل الطلب عليه مرتفعًا رغم الزيادة.

إلا أن رباب تذهب إلى أبعد من ذلك في تقييمها للمنظومة نفسها في حديثها لـ مصراوي، مؤكدة أن الامتحان يأتي من كتاب المدرسة، وأن تطوير الأسئلة والتمارين وإضافتها إلى الكتاب المدرسي يقلل الحاجة إلى الكتاب الخارجي، بدلًا من جعل التعليم سوق تتحمل الأسرة تكلفتها.

ومن داخل البيت، تأتي رباب لتصف أثر بند الكتب الخارجية على ميزانية الأسرة؛ فالكتب، في ترتيب الإنفاق، أصبحت أولوية حتى على بعض الاحتياجات الغذائية، إلى درجة أنها ترى أن الأسرة قد تضطر إلى تأجيل شراء بعض احتياجاتها لصالح الكتاب والدروس والزي المدرسي.

الدروس.. فاتورة لا تنتهي مع شراء الكتب

لـ مصراوي ترصد سميرة ارتفاع سعر الدرس لبعض طلاب المرحلة الابتدائية في المناطق الشعبية من نحو 160 جنيهًا إلى 300 أو 400 جنيه للمادة، بينما تقول نادية إن الـ"سيشن" في حالتها مع المدارس الخاصة يبلغ 250 جنيهًا للساعة، "كل حصة لها حسابها" كما تقول لـ مصراوي.

أما محسن علام فيضع الدروس داخل تفسير أكبر لارتفاع تكلفة التعليم، ويقول لـ مصراوي إن المناهج أصبحت أصعب وإنه يضطر إلى الاستعانة بمدرسين لأبنائه ومتابعتهم بنفسه، مشيرًا إلى أن الأسرة التي تستطيع تحمل تكلفة الدروس تكون أمام فرصة أكبر لمساعدة أبنائها على استيعاب المناهج.

المدرسة الحكومية تدخل المشهد

"ثم تأتي الملابس"، تتحدث رباب لـ مصراوي عن مدارس قد تصل فيها تكلفة الزي إلى 5 أو 6 آلاف جنيه، مع تحديد اللون والمكان والعلامة التجارية والشعار.

أما نادية فتقول لـ مصراوي إن الزي في المدرسة الخاصة التي يلتحق بها أبناؤها يبلغ 2500 جنيه للطقم، ويشمل تيشيرتًا شتويًا وتيشيرتًا صيفيًا وجاكيتًا وبنطلونين فقط، مع عدم السماح بشرائه من خارج المدرسة بسبب شعار المدرسة.

لكن رباب تجيب عن سؤال مصراوي: "هل كل هذه الأعباء مرتبطة بالمدارس الخاصة فقط؟"، قائلة إن المدارس الحكومية أصبحت تطلب مستلزمات من ورق تصوير وفوم وصلصال وألوان، وتطالب رباب بالرقابة على ما تطلبه المدارس من أولياء الأمور، بعدما تحولت المستلزمات من نشاط اختياري إلى طلب إلزامي، وإلا فلن تسمح المدرسة بدخول الطالب المخالف لها.

الأزهري يلتقي مع رباب في نقطة الإلزام، لكنه يتحدث لـ مصراوي من موقع السوق: "المدرسة تحدد المقاس والخامة والمواصفات، وولي الأمر لا يستطيع ببساطة شراء خامة أرخص لأن القائمة تشترط منتجًا بعينه".

في الجهة المقابلة، يقول محسن علام لـ مصراوي إنه لم يتعرض للإلزام في مدرسة أولاده، مشيرًا إلى أن التجربة تختلف من مدرسة إلى أخرى.

المكتبات نفسها تدفع الثمن

"لا يقف التجار بعيدًا عن الأزمة"، كما يقول حمادة لـ مصراوي، مشيرًا إلى أن انخفاض المبيعات بنحو 30% يرجع لمقدرة الأسر على تحمل الغلاء، فيما يربط الأزهري انخفاض حركة البيع بارتفاع الأعباء التي دفعت الأسر إلى تقليل مشترياتها أو البحث عن أرخص البدائل، كما يروي لـ مصراوي.

أما سميرة فتتحدث عن معركة أخرى داخل السوق، وهي "الخصومات"، حيث تقول لـ مصراوي إن المكتبات قد تحصل على خصومات في حدود 18% أو 20%، بينما توجد جهات تبيع بخصومات تصل إلى 24% و30%، وهو ما يضغط على هامش ربح مكتبة التجزئة.

عبد المنعم يقدم صورة مشابهة لكن من زاوية مختلفة، فهو يقول لـ مصراوي إن مكتباته تبيع للمستهلك النهائي تقريبًا بسعر الجملة، بخصم يتراوح بين 18 و20%، حتى إن مواطنين يأتون من محافظات أخرى بحثًا عن هذه الفروق السعرية، ويختصر حال سوق التجزئة بعبارة: "القطاعي اتقفل".

ولم تعد المنافسة بين المكتبات وحدها؛ فسميرة تشير إلى بيع المدرسين للكتب مباشرة للطلاب عبر السناتر أو بصورة فردية، بينما يقول عبد المنعم إن السناتر أصبحت تطبع كتبًا ومذكرات خاصة بها، ما يؤثر بصورة مباشرة على مبيعات الكتب الخارجية التقليدية.

"ضرب الكتب".. حين يصبح السعر طريقًا إلى النسخة المقرصنة

مع اتساع الفارق بين السعر الرسمي والقدرة الشرائية، تظهر النسخ غير الأصلية، كما يقول عبد المنعم، ويشرح لـ مصراوي أن نسخًا من الكتب الخارجية مصورة ومجلدة بالسلك يمكن بيعها بنحو 50 جنيهًا بدلًا من 100 جنيه، ما يعني نصف السعر، مشيرًا إلى وجود نسخ بالسوق مطبوعة بصورة تطابق الأصل، ما يجعل اكتشافها صعبًا على المستهلك العادي.

لكن المفارقة، حسب عبد المنعم، أن أزمة الأسعار نفسها تجعل سوق "ضرب الكتب الخارجية" جذابة لبعض المشترين؛ فالأسرة التي تبحث عن توفير 30 أو 50 جنيهًا في كتاب واحد ترى الفارق مهمًا عندما تشتري عدة كتب لعدة أبناء.

تبدو الفجالة لرباب هذا الموسم أقل صخبًا مما اعتادت عليه؛ ليس لأنها لا تريد تجهيز أبنائها، وإنما لأنها دخلت السوق وهي تسأل: أي شيء يمكن تأجيله؟ وأي شيء لا يمكن الاستغناء عنه؟ وكم ستدفع حتى يبدأ أطفالها عامهم الدراسي؟

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان