الفرنشايز في مصر.. كيف تربح العلامات العالمية دون استثمار مباشر؟
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
كيف تربح العلامات العالمية دون استثمار مباشر؟
كثير من المصريين يعتقدون أن انتشار أسماء عالمية مثل "ماكدونالدز" و"كنتاكي" و"ستاربكس" و"بيتزا هت" في مختلف المحافظات يعكس تدفقات كبيرة من الاستثمار الأجنبي المباشر إلى السوق المحلية، وأن الشركات الأم هي التي أنشأت هذه الفروع ومولتها من الخارج.
لكن الواقع الاقتصادي مختلف، فالغالبية العظمى من هذه العلامات لا تمتلك فروعها في مصر، وإنما تعمل من خلال مستثمرين وشركات مصرية حصلت على حق تشغيل العلامة التجارية وفق نظام الامتياز التجاري (الفرنشايز).
هذا النموذج يثير سؤالًا اقتصاديًا مهمًا: هل يمثل "الفرنشايز" شكلًا من الاستثمار الأجنبي غير المباشر الذي ينقل الخبرة ويخلق الوظائف أم أنه في المقابل يفتح بابًا دائمًا لخروج العملة الأجنبية عبر رسوم الامتياز؟
يقول الدكتور حازم حسانين عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي لـ"مصراوي"، إن الاستثمار الأجنبي المباشر يتطلب إنشاء شركة محلية وضخ رؤوس أموال في الأراضي والمباني والمعدات وتوظيف العمالة وتحمل مخاطر التشغيل وتقلبات الأسواق وسعر الصرف.
بينما، حسب حسانين، في نظام الامتياز التجاري، فإن هذه الأعباء تنتقل بالكامل إلى المستثمر المحلي، في حين تحتفظ الشركة المالكة للعلامة التجارية بحق استخدام الاسم التجاري ونظام التشغيل مقابل رسوم مالية متفق عليها.
اقرأ أيضًا:
رئيس الجهاز المصري للملكية الفكرية يترأس حوار الويبو 2027–2028
ووفقًا لتقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) ودراسات المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، أصبح الامتياز التجاري أحد أكثر أدوات التوسع الدولي انتشارًا، لأنه يسمح للشركات العالمية بدخول أسواق جديدة بسرعة مع تقليل الحاجة إلى ضخ استثمارات رأسمالية مباشرة وتحجيم المخاطر التشغيلية.
كيف تربح الشركة الأجنبية؟
تقول الدكتور شيماء وجيه الخبيرة الاقتصادية والمصرفية، إن الشركات المالكة للعلامة التجارية تفرض أرباحًا على الفروع بمصر، بل تحقق دخلًا من عدة مصادر تبدأ برسوم الامتياز التي تُدفع عند توقيع العقد، ثم الرسوم الدورية (Royalty Fees)، والتي تتراوح في كثير من العلامات التجارية العالمية بين 4% و11% من إجمالي المبيعات وفق نماذج عقود الامتياز الدولية وليس من صافي الأرباح.
وتضيف أن الشركة الأم تحصّل رسوم التسويق والتدريب، وفي بعض الحالات تشترط شراء المعدات أو الأنظمة الرقمية أو الخامات من موردين معتمدين، وهو ما يضمن لها تدفقات نقدية مستمرة حتى إذا انخفضت أرباح المستثمر المحلي.
وتتابع أن المستثمر المصري يتحمل التكلفة الكاملة لإنشاء الفروع وتجهيزها وسداد الإيجارات والرواتب والضرائب، إضافة إلى المخاطر التشغيلية اليومية.
وتضيف أن، رغم ذلك، يظل الامتياز التجاري خيارًا جاذبًا لكثير من المستثمرين، لأنه يوفر علامة تجارية معروفة ونظام تشغيل مجرب ودعمًا فنيًا وتسويقيًا، وهو ما يقلل من مخاطر فشل المشروع مقارنة بالمشروعات الجديدة التي تبدأ من الصفر.
وتشير تقديرات الجمعية المصرية للامتياز التجاري (EFDA) إلى أن سوق الفرنشايز في مصر يضم مئات العلامات التجارية العاملة في قطاعات الأغذية والمشروبات والتجزئة والخدمات والتعليم، ويسهم في توفير مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، إلى جانب تنشيط قطاعات العقارات التجارية وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
هل يتحول الفرنشايز إلى نزيف للعملة الأجنبية؟
رغم المكاسب الاقتصادية التي يوفرها هذا النموذج، فإن له وجهًا آخر يتعلق بميزان المدفوعات، فالمستثمر المحلي يلتزم بتحويل رسوم الامتياز ومقابل التدريب والخدمات الفنية إلى الشركة المالكة للعلامة التجارية في الخارج، وغالبًا ما تكون هذه المدفوعات بالعملة الأجنبية.
وحسب البنك المركزي المصري، ارتفع عجز ميزان دخل الاستثمار خلال الفترة من يوليو إلى مارس من العام المالي 2025/2026 بنسبة 18.2% ليصل إلى نحو 14.4 مليار دولار، نتيجة زيادة مدفوعات دخل الاستثمار إلى 16.4 مليار دولار.
اقرأ أيضًا:
انكماش عجز ميزان المدفوعات إلى 1.8 مليار دولار في 9 أشهر
ورغم أن هذا البند يشمل أنواعًا متعددة من التحويلات المرتبطة بالاستثمار ولا يقتصر على رسوم الامتياز التجاري، فإنه يعكس حجم الضغوط التي تمثلها التدفقات المالية الخارجة على الحساب الجاري، الذي سجل عجزًا بلغ 14.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وفق بيانات البنك المركزي.
في المقابل، سجل حساب المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفقات داخلة بلغ 9.9 مليار دولار، مدعومًا بتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي بلغت 13 مليار دولار، من بينها 3.5 مليار دولار مرتبطة بصفقة تطوير منطقة رأس الحكمة خلال الربع الثاني من العام المالي.
هل تفوق المكاسب تكلفة رسوم الامتياز؟
يرى خبير في الاستثمار وأسواق المال رفض ذكر اسمه، أن الرسوم التي تُحول إلى الخارج تمثل مقابلًا طبيعيًا لاستخدام علامة تجارية عالمية وخبرة تشغيلية متراكمة، وأن العائد الاقتصادي المتمثل في خلق الوظائف ونقل المعرفة وتحسين جودة الخدمات وتنشيط الاستثمارات المحلية، يفوق قيمة هذه التحويلات.
ويضيف لـ"مصراوي" أن بعض الخبراء يحذرون من التوسع في الاعتماد على العلامات الأجنبية داخل القطاعات الاستهلاكية دون زيادة موازية في الاستثمارات الإنتاجية، معتبرين أن استمرار تحويل الإتاوات والرسوم بالعملة الأجنبية قد يشكل ضغطًا هيكليًا على ميزان المدفوعات إذا لم يقابله نمو في الصادرات أو تدفقات استثمارية جديدة.
ويشير إلى أن جاذبية السوق المصرية تعتمد على عدة عوامل، أبرزها قاعدة استهلاكية كبيرة يتجاوز عددها 100 مليون نسمة، بجانب التوسع العمراني المستمر وظهور المدن الجديدة والمراكز التجارية، وهي عوامل تمنح العلامات التجارية العالمية فرصًا للنمو السريع.
وقد أعلنت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة (GAFI) أن مصر جاءت في المركز الأول إفريقيًا والثاني عربيًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال عام 2024، وهو ما يعكس استمرار جاذبية السوق المصرية للمستثمرين.
من استيراد العلامات إلى تصديرها
ويرى الدكتور حازم حسانين أن القيمة الحقيقية لنظام الفرنشايز لن تتحقق بالكامل إلا إذا نجحت مصر في التحول من دولة تستورد العلامات التجارية إلى دولة تصدرها.
ويوضح حسانين أن كل علامة تجارية مصرية تمنح امتيازًا لمستثمر في الخليج أو إفريقيا أو أوروبا ستحصل على رسوم امتياز دورية بالعملة الأجنبية، بما يحول النموذج نفسه من مصدر لخروج الدولار إلى مصدر لتدفقات نقدية داخلة.
في هذا الإطار، تعمل الحكومة على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للملكية الفكرية (2022-2027)، وتطوير منظومة حماية العلامات التجارية، بما يدعم قدرة الشركات المصرية على التوسع الخارجي وتحويل المعرفة والعلامة التجارية إلى أحد مصادر الصادرات الخدمية.
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
لمعرفة أسعار الذهب لحظة بلحظة اضغط هنا
حاسبة الذهب الإلكترونية.. اعرف كيف تدير مدخراتك وتوزعها لشراء الذهب بطريقة آمنة
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News