إعلان

مخاطر تآكل الدولار.. كيف كشفت "مناورة بيسنت" هشاشة العملة الأمريكية؟

كتب : أحمد الخطيب

05:09 م 23/08/2026 تعديل في 05:19 م

كيف دفعت تحركات بيسنت الدولار للتراجع والذهب والبي

تابعنا على

تراجع الدولار مع نهاية تعاملات الأسبوع الماضي عالميًا، مقتربًا من أدنى مستوياته أمام اليورو في 3 أشهر، بالتزامن مع تصاعد مخاوف المستثمرين بشأن تأثير تحركات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت في سوق السندات، بعدما اتجهت الوزارة إلى توسيع عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل في محاولة للحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض.

وبحسب رويترز، جاء تراجع الدولار مع تزايد المخاوف بشأن تأثير خطة وزارة الخزانة الأمريكية لتوسيع عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل على العملة الأمريكية، في وقت تحاول فيه واشنطن احتواء ارتفاع عوائد السندات.

وفي المقابل، برز بيسنت، وفقًا لـبلومبرج، باعتباره من أكثر وزراء الخزانة الأمريكيين نشاطًا وتدخلًا في الأسواق خلال العقود الأخيرة، بعدما اتخذ خلال العام الحالي سلسلة من التحركات التي استهدفت التأثير في تكاليف الاقتراض وسوق السندات والعملات.

تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة عجزًا ماليًا ضخمًا واحتياجات متزايدة لتمويل الدين الحكومي، ما يضع وزارة الخزانة أمام معادلة صعبة: خفض تكاليف الاقتراض من دون دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مخاطر الأصول الأمريكية والدولار.

تراجع الدولار مقابل صعود الذهب والبيتكوين

سجل مؤشر الدولار 98.80 نقطة، بينما ارتفع اليورو إلى 1.1682 دولار، بعدما لامس 1.1711 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ 14 مايو.

كما صعد الجنيه الإسترليني إلى 1.3649 دولار، بعدما سجل في وقت سابق 1.3675 دولار، وهو أعلى مستوى له منذ 11 فبراير.

وتزامن ضعف العملة الأمريكية مع صعود الذهب والبيتكوين، إذ ارتفع الذهب بأكثر من 3%، بينما صعدت البيتكوين بنحو 13% خلال يومين، وفقًا لرويترز.

وتعكس هذه التحركات، وفق قراءة عدد من المحللين، تزايد اهتمام المستثمرين بالأصول التي يمكن أن توفر تحوطًا أمام مخاطر الدولار والمالية الأمريكية، في وقت تتراجع فيه عوائد بعض السندات طويلة الأجل.

وقال شون أوزبورن، كبير استراتيجيي العملات الأجنبية في بنك سكوتيا: "لا بد من دفع ثمن، إما في شكل عوائد أعلى، أو سيحصلون على تنازل من الدولار الأمريكي".

وتلخص هذه الرؤية المعضلة التي تواجهها الخزانة الأمريكية؛ فخفض عوائد السندات قد يساعد في تقليل تكاليف الاقتراض، لكنه قد يقلل في المقابل من جاذبية الأصول المقومة بالدولار إذا رأت الأسواق أن العوائد لم تعد تعكس بصورة كافية مستويات المخاطر المالية والاقتصادية.

اقرأ أيضًا:

حرب الـ40 مليار دولار.. الرسوم الجمركية تشتعل بين أمريكا وكندا والأسواق تترقب

لماذا تتدخل وزارة الخزانة الأمريكية؟

أعلنت وزارة الخزانة، بعد أسبوعين فقط من الكشف عن برنامج لإعادة شراء سندات الخزانة القائمة، زيادة مشترياتها المخططة من الديون التي تتراوح آجال استحقاقها بين 10 و30 عامًا بما لا يقل عن الضعف.

وجاءت الخطوة بعد ارتفاع عائد السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوى منذ 2007، وسط ضغوط مرتبطة باتساع العجز المالي، وكثرة إصدارات الديون، والمخاطر الجيوسياسية، إلى جانب حالة عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

كما فتحت الخزانة في وقت سابق من أغسطس الباب أمام خفض إصدارات الديون طويلة الأجل، في محاولة لإدارة هيكل المعروض من السندات وتخفيف الضغوط على العوائد.

وبحسب بلومبرج، جاء تحرك الخزانة بعدما تجاوز عائد السندات لأجل 10 سنوات المستوى الذي كان عليه قبل عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، في إشارة إلى تصاعد المخاوف داخل الإدارة بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض.

هل تستطيع الخزانة خفض العوائد دون إضعاف الدولار؟

تمتلك وزارة الخزانة أدوات للتأثير في هيكل إصدارات الدين وإدارة المعروض من السندات، لكنها لا تستطيع إجبار المستثمرين على شراء الديون عند مستويات عائد لا يرونها مناسبة للمخاطر.

ولهذا يرى بعض المشاركين في السوق أن زيادة إعادة شراء السندات طويلة الأجل أو زيادة الاعتماد على إصدارات قصيرة الأجل قد تساعد في الحد من ارتفاع العوائد على المدى القصير، لكنها لا تعالج العوامل الأساسية وراء ارتفاعها، وفي مقدمتها ضخامة احتياجات التمويل واتساع العجز وتزايد الدين الحكومي.

وحذر روبن بروكس، الزميل البارز في معهد بروكينجز وكبير الاقتصاديين السابق في معهد التمويل الدولي، من أن تحركات بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات قد تحمل مخاطر على الدولار.

وقال بروكس، في منشور عبر منصة Substack، إن خطة وزارة الخزانة لزيادة إعادة شراء السندات طويلة الأجل لا تعالج الضغوط الأساسية في سوق الخزانة، معتبرًا أنها تمثل نوعًا من "الهندسة المالية" في ظل استمرار العجز المالي الأمريكي.

وأضاف أن أزمة الديون يمكن أن تتحول إلى أزمة عملة إذا شعرت الأسواق بأن العوائد لا تعكس المخاطر الحقيقية، مستشهدًا بالتجربة اليابانية، حيث ساهمت جهود إبقاء عوائد السندات منخفضة في الضغط على الين لفترات طويلة.

وحذر بروكس من أن الولايات المتحدة "تلعب بالنار" من خلال عمليات إعادة شراء سندات الخزانة، في وقت لم تتم فيه معالجة المشكلة الأساسية المرتبطة بالدين والعجز.

العجز والدين يضعان سقفًا لتحركات بيسنت

بلغ العجز الأمريكي خلال السنة المالية 2026 نحو 1.8 تريليون دولار، بزيادة 5% عن الفترة نفسها من العام السابق، مدفوعًا بارتفاع الإنفاق على الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والفوائد على الدين، إلى جانب توقعات بزيادة الإنفاق الدفاعي ومناقشة مزيد من التخفيضات الضريبية.

وتتزامن هذه التطورات مع تجاوز إجمالي الدين العام الأمريكي 40.047 تريليون دولار للمرة الأولى، منها 32.266 تريليون دولار ديون مستحقة للجمهور و7.782 تريليون دولار ديون حكومية داخلية، بحسب رويترز.

وأشارت نيويورك تايمز إلى أن الولايات المتحدة تتجه لاقتراض أكثر من تريليوني دولار خلال العام الحالي، في وقت تمثل فيه مدفوعات الفائدة جزءًا كبيرًا من العجز.

وتضع هذه الأرقام حدودًا لقدرة وزارة الخزانة على خفض تكاليف الاقتراض من خلال إدارة هيكل الإصدارات وإعادة شراء السندات فقط، إذ تظل أوضاع المالية العامة عاملًا أساسيًا في تحديد اتجاه العوائد على المدى الطويل.

عوائد السندات تنخفض.. لكن التأثير قد يكون مؤقتًا

أدت تحركات الخزانة الأخيرة إلى تراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات بنحو 6 نقاط أساس خلال تعاملات الأربعاء، بينما انخفض عائد السندات لأجل 30 عامًا بنحو 9 نقاط أساس.

وقال محمد العريان، الخبير الاقتصادي، إن تحركات بيسنت أدت في البداية إلى خفض العوائد طويلة الأجل، لكنها تزامنت مع زيادة إصدار أذون الخزانة قصيرة الأجل.

وأضاف العريان، في منشور عبر منصة Substack، أن انخفاض العوائد لم يستمر طويلًا، بعدما تعاملت الأسواق مع تدخل الخزانة باعتباره حلًا مؤقتًا لمشكلة أعمق ترتبط بالدين والعجز المالي.

ويرى العريان أن تحركات بيسنت تعكس محاولة للتعامل مع ارتفاع عوائد السندات في وقت تواجه فيه الأسواق ضغوطًا من ارتفاع الدين والعجز، ما يجعل قدرة وزارة الخزانة على التأثير في منحنى العائد موضع متابعة وثيقة من المستثمرين.

اقرأ أيضًا:

الدين الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار.. ماذا يعني ذلك للأسواق ومصر؟

مخاطر انتقال الضغط من السندات إلى الدولار

تتمثل إحدى أهم المخاطر أمام استراتيجية الخزانة في احتمال انتقال الضغوط من سوق السندات إلى سوق العملات.

فإذا انخفضت عوائد السندات الأمريكية بينما ظل العجز والدين في ارتفاع، فقد يطالب المستثمرون بعلاوة مخاطر أعلى على الأصول الأمريكية، أو يتجهون إلى أصول أخرى للتحوط من مخاطر انخفاض قيمة العملة.

وقال أوزبورن إن المستثمرين سيحصلون في النهاية على المقابل، إما من خلال عوائد أعلى على السندات أو من خلال ضعف الدولار.

السياسة والانتخابات تضيفان ضغطًا على الخزانة

يأتي تدخل بيسنت في سوق السندات قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، ما يضيف بعدًا سياسيًا إلى تحركات وزارة الخزانة.

وقد يساعد انخفاض عوائد السندات طويلة الأجل في تقليل تكاليف الاقتراض والرهن العقاري، وهي عوامل ترتبط مباشرة بتكاليف التمويل والإنفاق الاستهلاكي.

وقال أوزبورن كبير استراتيجيي العملات الأجنبية في بنك سكوتيا، لـ"رويترز"، إن ارتفاع أسعار البنزين وتكاليف الرهن العقاري قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى البحث عن وسائل لخفض تكاليف الاقتراض قبل الانتخابات.

لكن خفض تكاليف الاقتراض بصورة مبالغ فيها قد يحمل نتيجة عكسية، إذ يمكن أن يعيد إشعال التضخم، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة أو تبني سياسة نقدية أكثر تشددًا.

بيسنت في مواجهة سوقي السندات والعملات

بحسب رويترز، قال ستيف إنجلاندر، الرئيس العالمي لأبحاث العملات الأجنبية لمجموعة العشر واستراتيجية الاقتصاد الكلي لأمريكا الشمالية في ستاندرد تشارترد، إن القلق الرئيسي لدى المستثمرين لا يتعلق بالحسابات المالية وحدها، وإنما بالانطباع بأن بيسنت يتدخل في أجزاء أقل سيولة من السوق بأساليب قد تبدو كأنها "استجابة للذعر".

ومع ذلك، يتوقع إنجلاندر أن يحصل الدولار في النهاية على دعم من العوائد الأمريكية المرتفعة نسبيًا والأساسيات الاقتصادية، خاصة قوة الإنتاجية ونمو الأرباح.

وقال إن تحركات الخزانة لا تغير المعادلة الأساسية للاقتصاد الأمريكي، مضيفًا: "لن تغير الوضع الجيد، وهو جانب الإنتاجية في الاقتصاد. ولن تغير الوضع السيئ، وهو جانب العجز".

وقال بيتر بوكفار، كبير مسؤولي الاستثمار في OnePoint BFG، لـ"بلومبرج" إن بيسنت يختار الدخول في مواجهة مع سوقين ضخمين، هما سوق سندات الخزانة وسوق العملات الأجنبية، معتبرًا أن "هذه معركة صعبة للغاية".

الذهب والبيتكوين يستفيدان من حالة عدم اليقين

في الوقت الذي تحاول فيه الخزانة تهدئة سوق السندات، استفادت الأصول البديلة من تصاعد المخاوف بشأن الدولار والمالية الأمريكية.

وارتفع الذهب بأكثر من 3%، بينما صعدت البيتكوين بنحو 13% خلال يومين، وفقًا لرويترز، في تحركات تعكس توجه جزء من المستثمرين إلى أصول بديلة وسط حالة عدم اليقين بشأن الدولار والسياسة المالية الأمريكية.

وتكشف هذه التحركات عن معضلة أساسية أمام بيسنت: قد تساعد أدوات الخزانة في خفض عوائد السندات وتكاليف الاقتراض على المدى القصير، لكنها قد تثير في المقابل تساؤلات بشأن مدى قدرة السوق على تسعير المخاطر الأمريكية بصورة مستقلة عن تدخلات الحكومة.

وتظل قدرة بيسنت على التأثير في الأسواق مرتبطة بقدرته على إقناع المستثمرين بأن تدخلات الخزانة ليست بديلًا عن معالجة العجز والدين، وإنما أدوات لإدارة سوق السندات.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان