بعد توصية صندوق النقد.. لماذا تأخرت مصر في الطروحات؟
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
صندوق النقد الدولي
قال خبراء اقتصاديون، إن برنامج الطروحات الحكومية في مصر يواجه فجوة بين إعلان الشركات المستهدفة وبين إتمام صفقاتها، بسبب تعقيدات تجهيز الأصول وتقييمها، فضلًا عن صعوبة اختيار توقيت يضمن للدولة سعرًا عادلًا في ظل تقلبات الأسواق وتغير شهية المستثمرين.
وأشاروا إلى أن طرح الشركة لا يبدأ من لحظة الإعلان عنها، وإنما يسبقه مسار طويل من الفحص المالي والقانوني وإعادة الهيكلة والحوكمة والإفصاح، ما يجعل بعض عمليات التخارج تستغرق أشهرًا وقد تمتد إلى عام، في وقت يفرض فيه برنامج الإصلاح الاقتصادي ضغطًا متزايدًا على الحكومة لتسريع التنفيذ.
اقرأ أيضًا:
20 شركة على طريق البورصة.. تفاصيل القيد المؤقت ضمن برنامج الطروحات الحكومية
أعلنت الهيئة العامة للرقابة المالية في يوليو الماضي إطلاق برنامج لتأهيل الشركات الحكومية للطرح، يشمل 20 شركة مقيدة قيدًا مؤقتًا، مع امتداد البرنامج إلى شركات أخرى مستهدفة في قطاعات البترول والتعدين والأدوية والسياحة والمقاولات والتعليم والصناعة.
تأتي هذه التطورات في وقت يرى فيه صندوق النقد الدولي أن وتيرة التخارج في مصر كانت محدودة خلال العامين السابقين، إذ أشار في تقريره الأخير إلى عدم تسجيل تخارجات مادية خلال 24 شهرًا، باستثناء بيع أسهم في ديسمبر 2024، بعد صفقات بلغت نحو 2.2 مليار دولار من بيع حصص في 9 شركات خلال 2023 وبداية 2024.
اقرأ أيضًا:
"المؤسسات بعافية".. د. محمود محيي الدين يحل لغز بطء تخارج الدولة من الاقتصاد
ليست كل شركة جاهزة للبيع
يقول الدكتور إبراهيم مصطفى، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس المنطقة الاقتصادية لقناة السويس سابقًا، لـ"مصراوي"، إن عملية حصر الشركات المملوكة للدولة ليست جديدة، إلا أن تعقيد برنامج الطروحات يرتبط باتساع قاعدة الملكية الحكومية، التي لا تقتصر على شركات قطاع الأعمال العام، وإنما تمتد إلى شركات تابعة لجهات ووزارات مختلفة وشركات ذات ملكية مشتركة.
ويوضح أن انتقال الشركة من كونها أصلًا مملوكًا للدولة إلى أصل قابل للطرح أمام المستثمرين يتطلب سلسلة طويلة من الإجراءات، تبدأ بمراجعة الوضع المالي والقانوني وتنتهي بتحديد القيمة العادلة وهيكل الطرح.
وحسب مصطفى، فإن تجهيز شركة واحدة قد يستغرق عدة أشهر، وقد يمتد إلى عام في بعض الحالات، نتيجة الحاجة إلى مراجعة القوائم المالية والمستندات القانونية، والاستعانة بمستشارين للطرح، وفحص الأصول والالتزامات والعمالة، إلى جانب معالجة الملفات التي قد تؤثر في قرار المستثمر.
وتؤكد التحركات التنظيمية الأخيرة أن الجاهزية للطرح أصبحت نفسها أحد الملفات التي تعمل عليها الدولة حاليًا؛ فالبرنامج الذي أطلقته الرقابة المالية يتناول متطلبات القيد والطرح والجاهزية المالية والمحاسبية والحوكمة والإفصاح ونشرات الطرح، ما يعني أن القيد المؤقت ليس بالضرورة نهاية الرحلة، وإنما خطوة تمهيدية للوصول إلى القيد والطرح النهائيين.
"السعر العادل".. العقدة الأصعب
ويرى الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، في تصريحات لـ"مصراوي"، أن بطء تنفيذ بعض الطروحات لا ينبغي تفسيره باعتباره تراجعًا عن برنامج التخارج، وإنما باعتباره محاولة لاختيار التوقيت الذي يسمح للدولة بالحصول على أفضل قيمة ممكنة مقابل الأصول المطروحة.
ويشير جاب الله إلى أن الحكومة، من وجهة نظره، لا تستهدف مجرد بيع الأصول والحصول على حصيلة سريعة، وإنما تسعى إلى تنفيذ التخارج وفق معايير تضمن الحفاظ على قيمة المال العام.
ويذكر جاب الله أن الظروف العالمية خلال الفترة الأخيرة لم تكن مثالية لجذب الاستثمارات، مشيرًا إلى تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا، وهو ما يجعل المنافسة على المستثمر أكثر صعوبة، وليس بالنسبة لمصر وحدها.
انتظار فرصة أفضل للطرح، وفق رأي جاب الله، لا يعني بالضرورة التخلي عن البرنامج، وإنما محاولة لتفادي بيع الأصول في توقيت قد لا يحقق للدولة القيمة المستهدفة.
وهنا يرى الدكتور إبراهيم مصطفى أن التعامل مع الشركات الحكومية يجب أن يقوم على مبدأ الأولويات، بحيث تبدأ الدولة بالكيانات الأكثر جاهزية والأقدر على جذب المستثمرين، بدلًا من التعامل مع قائمة الشركات المستهدفة باعتبارها كتلة واحدة.
ويضيف أن بعض الشركات قد يكون طرحها منطقيًا من الناحية الاقتصادية إذا كانت لا تحقق عائدًا مناسبًا أو تمثل عبئًا مستمرًا على الموارد العامة، بينما تحتاج شركات أخرى إلى إعادة هيكلة أو تحسين أوضاعها قبل طرحها.
صندوق النقد يضغط باتجاه أسرع
ذكر صندوق النقد في تقريره الأخير أن محدودية الزخم خلال العامين السابقين تستدعي إعادة تنشيط خطة التخارج، مشيرًا إلى التزام السلطات بتحديد 4 صفقات رئيسية تستهدف إغلاقها ماليًا قبل انتهاء البرنامج.
اقرأ أيضًا:
صندوق النقد: مصر حددت 4 طروحات حكومية بعائدات تبلغ 1.5 مليار دولار
الدكتور وليد جاب الله يرى أن تأخر بعض الصفقات لا يعني غياب الإرادة الحكومية، موضحًا أن الظروف الدولية تلعب دورًا في توقيت تنفيذ عمليات البيع، وأن الدولة، وفق تقديره، تتحرك عندما تتوافر ظروف تسمح بتحقيق أفضل استفادة من الأصول.
في المقابل، فإن الدكتور إبراهيم مصطفى يرى أن جزءًا من التأخير يرتبط بطبيعة العملية نفسها، إذ لا يمكن الانتقال إلى البيع قبل اكتمال الفحص المالي والقانوني وتحديد قيمة الشركة والالتزامات المرتبطة بها.
وتوضح الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد والعلوم السياسية، لـ"مصراوي"، أن التأخر في تنفيذ بعض الطروحات لا ينبغي بالضرورة اعتباره دليلًا على عدم جدية الدولة، لأن هناك فارقًا بين اتخاذ قرار التخارج وبين استكمال الإجراءات المطلوبة لتنفيذه.
وترى أن الدولة تستطيع تنفيذ البرنامج بصورة تدريجية، بدءًا من الشركات الأكثر جاهزية، بدلًا من محاولة طرح عدد كبير من الشركات في وقت واحد.
وتشير إلى أن نجاح العملية لا يقاس فقط بحجم الحصيلة المالية، وإنما أيضًا بالشروط المصاحبة للطرح، وما إذا كان المستثمر الجديد سيضخ استثمارات إضافية ويحافظ على العمالة ويرفع كفاءة الشركة.
المواطن.. الطرف الغائب في حسابات الطرح
ترى الدكتورة عالية المهدي أن طرح نسب من الشركات في البورصة يمكن أن يحقق فائدة تتجاوز مجرد توفير حصيلة للدولة، لأنه يوسع قاعدة الملكية ويفتح الباب أمام المستثمرين الأفراد والمؤسسات للمشاركة في ملكية الشركات.
لكنها في الوقت نفسه تشدد على ضرورة وضع ضوابط واضحة عند التخارج، خصوصًا في ما يتعلق بالعمالة والاستثمارات المستقبلية وطبيعة النشاط الذي تعمل فيه الشركة.
في النهاية، لا تبدو معضلة برنامج الطروحات الحكومية في مصر مرتبطة فقط بقرار “البيع أو عدم البيع”، ولكن المعادلة أكثر تعقيدًا: الدولة تريد تحقيق أفضل قيمة ممكنة للأصول، بينما يحتاج البرنامج إلى سرعة في التنفيذ، وصندوق النقد يريد نتائج ملموسة، والسوق لا يضمن دائمًا أن السعر الذي تراه الحكومة عادلًا هو السعر الذي يقبله المستثمر.
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
لمعرفة أسعار الذهب لحظة بلحظة اضغط هنا
حاسبة الذهب الإلكترونية.. اعرف كيف تدير مدخراتك وتوزعها لشراء الذهب بطريقة آمنة
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News