تأسيس محدود واستحواذ كبير.. هل طفرة الاستثمار الأجنبي في مصر كافية؟
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
الاستثمار الأجنبي
سجلت مصر قفزة تاريخية في تدفقات الاستثمار الأجنبي خلال العامين الماضيين، إلا أن الخبراء يرون أن تقييم نجاح الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر لا ينبغي أن يقتصر على حجم التدفقات المالية، وإنما يجب أن يمتد إلى تحليل هيكلها. مشيرين إلى أن الجزء الأكبر من الاستثمار الأجنبي جاء عبر صفقات الاستحواذ وشراء الأصول، في حين لا تزال الاستثمارات التأسيسية التي تنشئ مصانع ومشروعات جديدة محدودة.
ووفق تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الصادر عام 2026 بعنوان "حشد التمويل والاستثمار للبنية التحتية عالية الجودة في مصر"، ارتفع صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 46.58 مليار دولار خلال عام 2024، مقابل 9.84 مليار دولار في 2023، لترتفع نسبته إلى نحو 11.7% من الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن هذه القفزة ارتبطت إلى حد كبير بصفقات الأصول الكبرى، وعلى رأسها مشروع رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار، إلى جانب برنامج التخارج الحكومي الذي جمع 5.862 مليار دولار من بيع حصص في 16 شركة خلال الفترة من مارس 2022 حتى يونيو 2025، من مستهدف إجمالي يبلغ 12.2 مليار دولار.
ويرى التقرير أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في جذب رؤوس الأموال فقط، وإنما في تغيير هيكلها لصالح الاستثمارات التي تضيف طاقات إنتاجية جديدة، خاصة في قطاعات مثل الصناعة والهيدروجين الأخضر ومكونات السكك الحديدية، بما يعزز القدرة التصديرية للاقتصاد المصري.
اقرأ أيضًا:
100 ضعف.. فجوة خيالية في أسعار حجر الشيشة بالساحل الشمالي والمقاهي الشعبية
الاستثمارات التأسيسية هي الأكثر تأثيرًا
يقول الدكتور خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، إن مصر حققت تدفقات استثمار أجنبي مباشر غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، بلغت 46.1 مليار دولار خلال العام المالي 2023/2024، ثم 12.2 مليار دولار في 2024/2025، ونحو 13 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025/2026، وفق بيانات البنك المركزي المصري.
ويوضح لـ"مصراوي" أن قراءة هذه الأرقام تتطلب التمييز بين الاستثمارات التأسيسية التي تنشئ شركات ومصانع جديدة، وبين إعادة استثمار الأرباح، أو زيادة رؤوس الأموال، أو شراء الأصول القائمة، إذ تختلف آثار كل منها على الاقتصاد.
ويشير الشافعي إلى أن بيانات ميزان المدفوعات تظهر أن إعادة استثمار الأرباح بلغت 4.2 مليار دولار خلال 2024/2025، و4.5 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025/2026، بما يمثل نحو 44% من التدفقات غير البترولية. ويعكس ذلك ثقة المستثمرين الحاليين في السوق المصرية، لكنه لا يمثل تدفقات رأسمالية جديدة قادمة من الخارج.
ويضيف أن بند "تأسيس الشركات وزيادة رؤوس الأموال" سجل 5.5 مليار دولار خلال 2024/2025، و7.2 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025/2026، إلا أن الجزء الأكبر منه ارتبط بزيادة رؤوس أموال شركات قائمة وصفقات تطوير أصول، بينما بلغت التدفقات الموجهة فعليًا لتأسيس شركات جديدة 354.5 مليون دولار فقط خلال 2024/2025، و78.9 مليون دولار خلال الربع الأول من 2025/2026.
اقرأ أيضًا:
من مقاهي القاهرة إلى لاونجات مراسي... كيف يكشف حجر الشيشة "طبقية المزاج"؟
الاستحواذات توفر الدولار.. لكنها لا تكفي
من جانبه، يقول الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، إن الاستثمار التأسيسي يختلف جذريًا عن صفقات الاندماج والاستحواذ؛ فالمشروعات الجديدة تضيف مصانع وخطوط إنتاج، وتخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتنقل التكنولوجيا، وتربط الاقتصاد بسلاسل القيمة العالمية، وهو ما ينعكس على زيادة الصادرات وتوفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي.
ويضيف لـ"مصراوي" أن صفقات الاستحواذ وشراء الأصول توفر سيولة دولارية سريعة وتساعد في تلبية الاحتياجات التمويلية قصيرة الأجل، لكنها لا تضيف بالضرورة طاقات إنتاجية جديدة، وقد تقتصر آثارها على انتقال ملكية الأصول، ما لم يتبعها توسع في الاستثمار والإنتاج.
ويشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الحكومة ربطت منح الحوافز النقدية للمستثمرين، التي تتراوح بين 35% و55% من قيمة الضرائب المسددة، بقيام المستثمر بتمويل ما لا يقل عن 50% من تكلفة المشروع بالعملة الأجنبية من الخارج، بما يعزز دخول تدفقات نقدية جديدة إلى الاقتصاد.
كما يبرز التقرير الأثر الأكبر للمشروعات الجديدة على التشغيل، إذ وفر مجمع بنبان للطاقة الشمسية أكثر من 10 آلاف فرصة عمل، فيما تستهدف المنطقة الاقتصادية لقناة السويس توفير نحو مليون وظيفة، بينما أسهمت المحطة الثانية للحاويات في ميناء دمياط في خلق أكثر من 2200 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
اقرأ أيضًا:
"وظائف لينكدان وهمية".. 4 من كل 10 شركات تنشر إعلانات توظيف لا تنوي شغلها
الصناعة والتصدير
ويرى الدكتور حازم حسانين، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن التوزيع القطاعي للاستثمارات الأجنبية يكشف استمرار تركزها في الأنشطة العقارية مقارنة بالقطاعات الإنتاجية، وهو ما يحد من قدرتها على دعم الصادرات الصناعية، كما يقول لـ"مصراوي".
وتظهر البيانات أن قطاع البناء والتطوير العقاري استحوذ على 58.9% من التدفقات غير البترولية خلال 2023/2024، مقابل 13.9% للصناعات التحويلية، و8.1% للخدمات المالية، و4.9% للسياحة، و3.3% للاتصالات، بينما لم تتجاوز حصة الزراعة 0.3%.
ويطالب حسانين بإعادة توجيه الحوافز الاستثمارية نحو المشروعات الإنتاجية، وربطها بحجم الإنتاج والصادرات ونسبة المكون المحلي، إلى جانب التوسع في طرح الأراضي الصناعية المرفقة بحق الانتفاع، وتعميم الرخصة الذهبية، وضمان استقرار السياسات الضريبية والتشريعية، وتطوير التعليم الفني بما يتوافق مع احتياجات الصناعة.
ويذكر تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن نجاح استراتيجية الاستثمار في مصر سيقاس بزيادة مساهمة القطاع الخاص إلى 70% من إجمالي الاستثمارات بحلول عام 2030، إلى جانب متابعة مؤشرات مثل نمو الصادرات الناتجة عن المشروعات الجديدة، وعدد الوظائف التي يخلقها القطاع الخاص، ونمو الائتمان الموجه إليه.
ويجمع الخبراء على أن صفقات الاستحواذ وبيع الأصول أدت دورًا مهمًا في توفير السيولة الدولارية خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا للاستثمارات التأسيسية. فتعظيم العائد الاقتصادي من الاستثمار الأجنبي يتطلب زيادة المشروعات الصناعية الجديدة، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وربط الحوافز الاستثمارية بمؤشرات واضحة تشمل التشغيل والتصدير ونقل التكنولوجيا، بما يحول التدفقات الرأسمالية إلى نمو اقتصادي مستدام.
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
لمعرفة أسعار الذهب لحظة بلحظة اضغط هنا
حاسبة الذهب الإلكترونية.. اعرف كيف تدير مدخراتك وتوزعها لشراء الذهب بطريقة آمنة
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News