64% من الشركات العائلية بلا حوكمة.. فهل تنقذها البورصة؟
كتب : إبراهيم الهادي عيسى
القطاع الخاص
تمثل الشركات العائلية العمود الفقري للقطاع الخاص في مصر، إلا أن استمرارها عبر الأجيال لا يزال أحد أكبر التحديات الاقتصادية، في ظل غياب الهياكل المؤسسية داخل عدد كبير منها.
حسب دراسة أعدها مركز ريادة الأعمال والابتكار بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، تفتقر 64% من الشركات العائلية في مصر إلى هياكل حوكمة رسمية، بينما تمتلك نسبة محدودة فقط خططًا موثقة لانتقال القيادة بين الأجيال، الأمر الذي يهدد استمرارية كثير من الكيانات الاقتصادية الناجحة بعد رحيل مؤسسيها.
ولا تبدو هذه الأرقام هامشية، فالشركات العائلية، حسب الدراسة، تمثل الغالبية العظمى من شركات القطاع الخاص في مصر، بينما تستحوذ عالميًا على أكثر من 70% من إجمالي الشركات، وتوفر ما يقرب من 60% من فرص العمل، ما يجعل أي تعثر في هذا القطاع ينعكس مباشرة على الاستثمار والتشغيل والنمو الاقتصادي.
الأزمة تبدأ بعد نجاح الشركة
يقول أيمن بازرعة الرئيس التنفيذي والمؤسس الشريك لشركة سبرينتس للتعليم من أجل التوظيف، إن المفارقة أن أغلب الشركات العائلية لا تتعثر بسبب تراجع الطلب أو ضعف الأرباح، وإنما نتيجة أزمات داخلية تظهر مع انتقال الإدارة من جيل إلى آخر.
ويضيف لـ"مصراوي" أن غياب قواعد واضحة لتوزيع الصلاحيات وعدم الفصل بين الملكية والإدارة والاعتماد على التفاهمات العائلية غير المكتوبة يؤدي في كثير من الأحيان إلى نزاعات بين الورثة أو تضارب في اتخاذ القرار، بما ينعكس على أداء الشركة وقدرتها على النمو وجذب التمويل.
ويشير إلى أن غياب خطط التعاقب الإداري يجعل انتقال القيادة أحد أكثر المراحل حساسية داخل هذه الشركات.
وتشير دراسة الجامعة الأمريكة السالفة إلى أن معدلات بقاء الشركات تنخفض بصورة ملحوظة بعد الجيلين الثاني والثالث، ليس بسبب ضعف نموذج الأعمال، وإنما نتيجة قصور الحوكمة والإدارة المؤسسية.
هل يكون الحل في البورصة؟
أمام هذه التحديات، يبرز سؤال يطرحه كثير من المستثمرين: هل يمثل طرح الشركات العائلية في البورصة الحل الأمثل لضمان استمراريتها؟
يقول ريمون نبيل خبير أسواق المال، إن الطرح في سوق الأوراق المالية يفرض بطبيعته مستويات أعلى من الإفصاح والشفافية ويُلزم الشركات بإعداد قوائم مالية منتظمة وتطبيق قواعد الحوكمة كما يتيح لها الوصول إلى مصادر تمويل جديدة تدعم التوسع دون الاعتماد الكامل على التمويل الذاتي أو الاقتراض.
لكنه يوضح لـ"مصراوي" أن طرح الشركات العائلية في البورصة ليس نقطة البداية، وإنما خطوة تأتي بعد الوصول إلى "الجاهزية الاستثمارية"، إذ لا تزال كثير من الشركات العائلية تتردد في دخول سوق المال بسبب مخاوف فقدان السيطرة على الإدارة، بجانب ضعف أنظمة الإفصاح المالي وارتفاع تكلفة إعادة هيكلة الشركة قبل الطرح.
توصي دراسة الجامعة الأمريكية الشركات العائلية بتحسين التقارير المالية ومستويات الشفافية أولًا، باعتبارها المدخل الحقيقي لجذب المستثمرين ورفع قيمة الشركة السوقية.
رغم أهمية البورصة، إلا أن أحمد جمال الباحث في أسواق المال يعتبر أن الحل الجوهري يبدأ من داخل الشركة نفسها، حيث التحول من الإدارة الفردية إلى الإدارة المؤسسية وتشكيل مجالس إدارة تضم أعضاء مستقلين إلى جانب أفراد العائلة ووضع "دستور عائلي" ينظم العلاقة بين الملاك وإبرام اتفاقيات مساهمين ملزمة قانونًا، حسبما يقول لـ"مصراوي".
وتوصي الدراسة بإعداد خطط واضحة لانتقال القيادة قبل سنوات من حدوثها، بما يسمح بتأهيل الجيل الجديد تدريجيًا بالشركات العائلية، بدلًا من ترك عملية الخلافة للاجتهادات الشخصية أو الخلافات الأسرية.
هل تحتاج مصر إلى قانون خاص؟
تدعو الدراسة إلى تطوير إطار تشريعي يراعي خصوصية الشركات العائلية، من خلال الاعتراف الرسمي بالدساتير العائلية ووضع تعريف قانوني موحد لهذا النوع من الشركات واستحداث آليات أكثر كفاءة لنقل الملكية بين الأجيال بما يقلل الاضطرابات المالية والإدارية المصاحبة لهذه المرحلة.
وتستعرض الدراسة تجارب إقليمية نجحت في بناء أطر قانونية متخصصة، مثل الإمارات التي أصدرت قانونًا اتحاديًا للشركات العائلية عام 2022 يعترف بالدساتير العائلية وينظم قواعد الملكية والتعاقب وتسوية النزاعات بجانب إنشاء مراكز متخصصة لتقديم الخدمات الاستشارية والتدريبية.
كما اتجهت السعودية إلى إصدار "ميثاق الشركات العائلية" ثم عززت تعديلات قانون الشركات عام 2022 القوة القانونية للمواثيق العائلية واتفاقيات الشركاء بهدف تحويل الإدارة غير الرسمية إلى منظومة مؤسسية تضمن استدامة الشركات عبر الأجيال.
خارطة طريق لاستدامة الشركات
ويرى الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، أن بناء شركات عائلية أكثر قدرة على المنافسة لا يتحقق بقرار واحد، وإنما عبر مسار نشر ثقافة الحوكمة، مرورًا بتدريب الجيل القادم من القيادات، وصولًا إلى تصميم سياسات تستجيب لاحتياجات هذا القطاع الحيوي.
ويضيف لـ"مصراوي" أن بناء منظومة ناضجة للشركات العائلية في مصر قد يستغرق ما بين 5 و10 إذا جرى تطبيق هذه الإصلاحات بصورة متدرجة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكتفي الشركات العائلية بالنجاح التجاري أم تبدأ رحلة التحول إلى مؤسسات قادرة على البقاء لعقود؟
التجارب الدولية تشير إلى أن الحوكمة ليست رفاهية إدارية، وأن الطرح في البورصة ليس هدفًا في حد ذاته، بل نتيجة طبيعية لشركة نجحت أولًا في بناء مؤسساتها وفصلت بين العائلة والإدارة واستعدت لاستقبال الأجيال المقبلة دون أن تفقد هويتها أو قدرتها على النمو.
لمعرفة أسعار العملات لحظة بلحظة اضغط هنا
لمعرفة أسعار الذهب لحظة بلحظة اضغط هنا
حاسبة الذهب الإلكترونية.. اعرف كيف تدير مدخراتك وتوزعها لشراء الذهب بطريقة آمنة
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News