لماذا يعمل المصريون في أكثر من وظيفة؟
في الرابعة عصرًا، يغلق هاشم الشاوي (42 عامًا) جهاز الكمبيوتر الخاص به داخل أحد المكاتب الإدارية في مستشفى أحمد ماهر التعليمي بوسط القاهرة، بعد يوم عمل امتد 8 ساعات بين ملفات المرضى والمكاتبات الإدارية.
يخرج مسرعًا من المستشفى إلى شارع الجمهورية القريب حتى يتناول وجبة خفيفة على عجل، ثم يرتدي سترة تحمل شعار إحدى شركات التوصيل الشهيرة، ليتحول خلال دقائق من موظف حكومي إلى مندوب توصيل يجوب شوارع وسط البلد حتى منتصف الليل.
لم يعد غريبًا أن يُنهي الموظف عمله الرسمي ليتحوّل فورًا إلى سائق توصيل أو مدرّس خصوصي أو بائع في سوق مسائية، فظاهرة تعدد الوظائف باتت سمة بنيوية في سوق العمل المصرية، لا استثناءً فرديًا، وتكشف الأرقام الرسمية أن المعادلة صارت بسيطة الراتب الواحد لا يكفي.
زيادات الأجور لا تلحق بالأسعار
تكشف بيانات البنك المركزي المصري أن معدل التضخم السنوي في المناطق الحضرية قفز إلى 15.2% في مارس الماضي، بعد أن رفعت الحكومة أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 14% و17% خلال الشهر ذاته، وحتى حين تراجع المعدل طفيفًا إلى 14.6% في مايو 2026، ظل فوق حاجز 12% للعام الثاني على التوالي وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
يقول الدكتور حسن الصادي الخبير الاقتصادي لـ"مصراوي" إن ظاهرة العمل في وظيفتين أو أكثر يعكس الضغوط الاقتصادية المتراكمة على الأسر، موضحًا أن الوظيفة الثانية تحولت من خيار لتحسين الدخل إلى ضرورة لدى كثير من العاملين.
وكانت الحكومة قد رفعت الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص من 6 آلاف جنيه إلى 7 آلاف جنيه من مارس 2025، وفق قرار المجلس القومي للأجور، وفي أبريل 2026 أعلن رئيس الوزراء رفع الحد الأدنى في القطاع الحكومي إلى 8 آلاف جنيه اعتبارًا من يوليو المقبل.
وتعد هذه الزيادة أول زيادة حقيقية كما وصفها أحمد كجوك وزير المالية نظرا لزيادة قيمتها الحقيقية عن متوسط
معدل التضخم خلال العام المالي الجاري والمحدد 13.5%.
يُضاف إلى ذلك أن العلاوة الدورية في القطاع الخاص حُدِّدت بحد أدنى 3% من أجر الاشتراك التأميني، حسب قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025.
وعلى هذا يعلق الدكتور حازم حسانين عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، بأن هذا المشهد يجعل الزيادة السنوية أقرب إلى "الرمزية" منها إلى ملاحقة التضخم أو غلاء الأسعار.
بينما يضيف الدكتور حسن الصادي أن جزءًا كبيرًا من الزيادات التي شهدتها الأجور خلال السنوات الماضية التهمته موجات التضخم المتلاحقة، ما دفع الموظفين إلى البحث عن مصادر دخل موازية حتى لا يلتهمهم الفقر، حسب وصفه.
ويتابع الدكتور حازم حسانين، أن كل جنيه يكسبه المواطن اليوم يشتري أقل مما كان يشتريه قبل عام، وكل راتب ثابت يتآكل قيمته الفعلية مع كل موجة غلاء جديدة.
فاتورة التعليم والصحة
باتت مصروفات الدراسة والدروس الخصوصية والرعاية الطبية تستحوذ على النصيب الأكبر من دخل الأسر المصرية.
ومع تراجع نسبة العاملين المشتركين في التأمين الصحي الحكومي عبر التأمينات الاجتماعية إلى 37.7% فقط من إجمالي المشتغلين بأجر في 2025 وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يجد أكثر من 60% من العاملين أنفسهم مضطرين لتمويل رعايتهم الصحية من جيوبهم مباشرة، مما يدفع كثيرين للبحث عن دخل موازٍ كـ"احتياط" طبي دائم.
العمل في وظيفتين
تكشف النشرة السنوية لبحث القوى العاملة الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2025 أن قوة العمل في مصر ارتفعت إلى 34.154 مليون فرد، يعمل منهم 32 مليون مشتغل، بينما يعمل 6.591 مليون لحسابهم الخاص، بزيادة تكشف أن كثيرين وجدوا في الاقتصاد غير الرسمي والعمل الحر ملاذًا لتكملة دخولهم، كما أن 1.91 مليون يعملون بلا أجر داخل الأسرة، وهو مؤشر على عمق الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية.
والأخطر أن متوسط ساعات العمل الأسبوعية بلغ 44.9 ساعة للعاملين بأجر، وهو رقم يقترب من الحد الأعلى للعمل الرسمي، مما يعني أن من يضيف وظيفة ثانية يتجاوز هذا الحد بمراحل، على حساب صحته وأسرته وإنتاجيته.
هنا، يلفت الدكتور حازم حسانين إلى أن توسّع شركات التوصيل والتطبيقات الرقمية خلق سوقًا مرنة لاستيعاب الباحثين عن دخل إضافي "بلا شروط او ضمانات"، مشيرًا إلى أن استمرار الظاهرة بهذا الحجم يعد مؤشرًا على وجود فجوة بين الأجر وتكلفة المعيشة.
وفي غياب منظومة أمان اجتماعي شاملة، وفي ظل أن 62.3% من عمال القطاع الخاص لا يمتلكون تأمينًا اجتماعيًا وفق بيانات الإحصاء، يصبح العمل الإضافي شكلًا من أشكال "التأمين الذاتي"، كما أن فقدان الوظيفة الأولى أو أزمة صحية مفاجئة يمكن أن تعني انهيارًا ماليًا تامًا، وهو ما يجعل الوظيفة الثانية ليست ترفًا بل خطًا دفاعيًا أخيرًا.
الفقر يطل من نافذة الاقتصاد
الدكتورة هبة الليثي أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية، تقول لـ"مصراوي" إن انتشار ظاهرة العمل في أكثر من وظيفة لا يعني أن جميع من يمارسونها أصبحوا فقراء، لكنه يعكس ضغوطًا متزايدة على مستويات المعيشة والدخول الحقيقية للأسر.
وتشير إلى الفرق بين الفقر المطلق، الذي يعجز فيه الفرد عن توفير احتياجاته الأساسية، وبين ما يمكن وصفه بـ"ضغط المعيشة"، حيث يصبح دخل الوظيفة الأساسية غير كافٍ لتلبية الاحتياجات الأسرية بالمستوى الذي اعتاد عليه المواطن.
وتضيف أن الظاهرة تنتشر بين أفراد الطبقة المتوسطة والشرائح الأقل، إذ تسعى هذه الفئات إلى تعويض تراجع القوة الشرائية الناتج عن التضخم وارتفاع الأسعار.
وأشارت الليثي إلى أن الموظف الذي يعمل وظيفة ثانية قد لا يكون فقيرا وفق المؤشرات الإحصائية، لكنه يشعر بأن دخله لم يعد قادرًا على تغطية نفقات السكن والتعليم والعلاج والمواصلات والالتزامات الأسرية كما كان في السابق.
الدكتور حسن الصادي يضيف أن ما يعيشه الملايين من المصريين ليس خيارًا، بل اضطرارًا تفرضه معادلة اقتصادية مختلّة، إذ التضخم المتصاعد والأجور التي لا تلحق به والخدمات الأساسية غير المتوافرة تكلّف أكثر مما يطيق كثيرون.
بينما يضيف الدكتور حازم حسانين أن الحل لن يكون في رفع الحد الأدنى للأجور وحده، بل في معالجة الفجوة الجوهرية بين ما يكسبه المواطن وما تكلّفه الحياة الكريمة.
قبل منتصف الليل بقليل، ينهي هاشم الشاوي آخر رحلة توصيل له بدراجته النارية عبر تطبيق الهاتف الذي سجّل حصيلة يومه، ثم يتجه إلى منزله بدار السلام ليرقد بعض ساعات استعدادًا ليوم جديد، ففي الصباح سيعود مجددًا إلى مكتبه في مستشفى أحمد ماهر موظفًا رسميًا.