إعلان

أزمة ما بعد الموت.. كيف تحولت المقابر إلى سلعة نادرة في الريف المصري؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

09:30 ص 31/05/2026

المقابر

تابعنا على

"اشتريت الأرض بالشيء الفلاني، وبقالي سنين مش عارفة أبني تربة أتدفن فيها"، بهذه الكلمات تختصر الحاجة آمال (78 عامًا) حكاية امتدت معها لسنوات من الانتظار والقلق من مداهمة الأجل.

لا ينشغل بال السيدة القاطنة قرية تابعة للمنصورة بأسعار الذهب أو الدولار أو العقارات، وإنما قطعة أرض مساحتها 50 مترًا مربعًا اشترتها منذ سنوات لبناء مقبرة لعائلتها، تضمّها وأبناءها وأحفادها حين يأتي اليقين.

"كل ما أنوي البُنا ألاقي محاضر بتتعمل من الإدارة الزراعية"، تقول السيدة التي لم تتوقع أن بناء مقبرة سيتحول إلى حرب شاقة لتأمين مكان دفن كريم للعائلة.

تستند الإدارة الزراعية إلى قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، الذي يحظر إقامة المنشئات خارج حدود الأحوزة العمرانية المعتمدة للقرى والمدن، إلا أن بناء الجبانات والمقابر ينظّمها قانون منفصل، وهو ما يثير تضارب الرؤى التشريعية وإثقال المواطنين اقتصاديًا.

المقابر.. مشكلة قانونية صنعت أزمة اقتصادية

القانون رقم 5 لسنة 1966 ولائحته التنفيذية رقم 418 لسنة 1970، هو التشريع الأساسي لإنشاء المقابر والجبانات لتنظيم مسائل الدفن والحصول على المقابر، بينما تختص المجالس المحلية بإصدار التراخيص اللازمة.

منذ 2014، أصبح التشدد في بناء المقابر بالقرى الريفية التي لا تمتلك ظهيرًا صحراويًا سمة رئيسة، ما أدى لارتفاع أسعار المقابر المبنية قبلًا أو ارتفاع أسعار الأراضي الفضاء بين المقابر المبنية.

ماجد محمد (42 عامًا) يتحدث عن ارتفاع أسعار المقابر بقرية دنديط التابعة لميت غمر بالدقهلية، "أرض المقبرة وبُنا 4 عيون كلفني نص مليون" يقول لـ"مصراوي" بينما يشير إلى أن البناء لم يتم كاملًا، ويضيف: "عملت مقايسة للتندة (مظلة) لقيتها هتتكلف متوسط 70 ألف جنيه كمان".

"ماجد" يشير إلى أن شراء عين واحدة بمقبرة مبنية قبلًا قد تصل لنحو 200 ألف جنيه بالقرية الريفية، مرجعًا ارتفاع الأسعار إلى تقييد الإدارة الزراعية الشديد على بناء المقابر، في ظل ندرة الأراضي المخصصة لها.

يتحدث "ماجد" عن اضطراره للتخلي عن قطعة أرض بور بين المقابر، اشتراها من أعوام لإقامة مقبرة عليها، إلا أنه فوجئ أثناء البناء بتحرير مدير الإدارة الزراعية محضرًا ضده، رغم أنه لم يتعدَ على الأرض بالتبوير، وهو ما اضطره لعدم استكمال الإنشاء والبحث عن قطعة أرض أخرى.

مدير إحدى الإدارات الزراعية قال لـ"مصراوي"، طالبًا عدم ذكر اسمه، إن بناء المقابر على أراضٍ ملاصقة للظهير الزراعي يعد تعديًا على الرقعة الزراعية، حتى ولو كانت الأرض المستخدمة للبناء بورًا أو واقعة بين المقابر.



يحظر قانون الزراعة رقم 53 لسنة 1966 المعدل بالقانون رقم 7 لسنة 2018 في المادة 152 إقامة أية مبانٍ أو منشآت في الأرض الزراعية، ويعتبر القانون الأرض البور داخل الرقعة الزراعية في حكم الأرض الزراعية.

كما يفرض القانون عقوبات صارمة تصل إلى الحبس مدة 2-5 سنوات وبغرامة 100000-3000000 جنيه على المخالفات، مع الشطب المؤقت لاسم المقاول أو المهندس من سجلات نقابة المهندسين أو اتحاد المقاولين.

وحسب تصريحات صحفية لمتحدث وزارة الزراعة الدكتور حامد عبد الدايم في يناير 2018، قال إن بناء مقابر على الأراضي الزراعية مخالفة صريحة للقانون، مضيفًا أن على الأهالي الاعتماد على المقابر القديمة أو الخروج للظهير الصحراوي، مبينًا القانون يعتبر بناء المقابر على الأراضي الزراعية تعديات وليس "إكرام الميت دفنه".

عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع الدكتور حازم حسانين يقول إن أزمة المقابر بالريف تعكس أزمة ندرة الأراضي وغياب التخطيط طويل الأجل لبعض الاحتياجات الأساسية للسكان.

ويضيف لـ"مصراوي" أن اختلال علاقة العرض والطلب في مقابر القرى الريفية رفع القيمة الاقتصادية للأراضي المخصصة للمقابر إلى مستويات قد تتجاوز أحيانًا قيمة بعض الأراضي المخصصة لاستخدامات أخرى.

بينما يلفت إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من التضخم في أسعار المقابر وظهور سوق غير رسمية لتداول المقابر، بما يرفع الأعباء المالية على الأسر، خاصة متوسطة ومحدودة الدخل.

التشتت التشريعي يخلق أسعارًا خيالية لمقابر الأرياف

وفي ظل التشتت القانوني لبناء المقابر، يأتي حكم محكمة القضاء الإدارى بطنطا في الدعوى رقم 1128 لسنة 29ق، قالت فيه إن الجبانات تخضع لقانون خاص ولا ينطبق عليها قانون البناء رقم 119 لسنة 2008، كما أن أي قرار صادر من الجهات الإدارية تطبيقًا لقانون البناء على الجبانات يعد قرارًا خاطئًا واجب الإلغاء.

هذا الشتات القانوني خلق أسعارًا خيالية لأسعار المقابر بالقرى الريفية التي لا تمتلك ظهيرًا صحراويًا، إذ لم يتوقف الأمر عند قرية وحيدة بمحافظة الدقهلية.

"مصراوي" تحدث مع سمير موسى (52 عامًا) الذي يشير إلى أن قريته تتوجه حاليًا إلى إنشاء مقابر متعددة الطوابق لمواجهة نقص الأراضي وارتفاع الأسعار.

"سمير" القاطن بعزبة عرفي التابعة لكفر سعد بدمياط، يوضح أن عائلته توسعت مؤخرًا في مقابرها عبر بناء طابقين للمقبرة الواحدة للتعامل مع المشكلة الاقتصادية نفسها.



أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر الدكتور صلاح الدين فهمي، يقول إن أزمة المقابر في الريف انعكاس لتراجع دور الدولة في تخطيط التنمية العمرانية، مبينًا أن استمرار ذلك الخلل يرفع الأسعار مع زيادة ضغوط الأسر.

ويضيف لـ"مصراوي" أن الحصول على مقبرة جديدة سيتحول إلى عبء اقتصادي مثل أسواق الإسكان والأراضي بالسنوات الماضية، حتى لآخر خدمة يحتاجها الإنسان بحياته.

بينما يرى الخبير القانوني أشرف شرف أن أزمة إنشاء مقابر جديدة بالقرى الريفية تستدعي تدخلًا تشريعيًا في ظل تزايد شكاوى المواطنين من صعوبة توفير أماكن دفن جديدة للأسر والعائلات.

"شرف" يقول لـ"مصراوي" إن الأهالي اعتادوا منذ عقود إنشاء المقابر بمحاذاة الأراضي الزراعية أو عليها، وهو ما يضع المواطنين حاليًا في مواجهة قوانين حماية الرقعة الزراعية.

الخبير القانوني يوضح أن بناء المقابر لا يخضع حتى الآن لإطار تشريعي متكامل أو آليات لتخصيص الأراضي اللازمة لها، وهو ما يؤدي إلى اختلاف الأوضاع من منطقة لأخرى وظهور أزمات بعدد من القرى لا سيما التي لا تمتلك ظهيرًا صحراويًا.

وحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجل عدد الوفيات في 2024 نحو 610 آلاف حالة وفاة، مقارنة بـ583 ألفًا في 2023، بزيادة قدرها 27 ألف متوفى.



أما محمد حسن (31 عامًا) فيشير إلى "تساهل" إجراءات بناء المقابر بقريته، مشيرًا إلى أن الإدارة الزراعية أو الوحدة المحلية لا تتخذ إجراءات ضد البناء باعتباره احترامًا لحرمة الموتى، حسبما يقول لـ"مصراوي".

"محمد" يقطن قرية ميت الفرماوي التابعة لميت غمر، وهي البلدة الملاصقة لقرية "ماجد"، بينما يقول الأخير إن بعض القرى تشهد تساهلًا يسمح باستمرار البناء، بينما يشير إلى أن الأمر يرتبط بموقف مسئولي الزراعة بكل قرية.

"ماجد" يضيف أن الوحدة المحلية بقريته لا تحرر محاضر ضد أصحاب المقابر الجديدة إلا بعد محاضر الإدارة الزراعية، بينما يذكر أنه أحجم عن البناء بسبب خوفه التعرض لملاحقات قانونية قد تعوقه، خاصة مع كثرة سفره للخارج.

المقابر.. أصبحت جريمة وعبئًا اقتصاديًا

يذكر "ماجد" أن الأهالي قبل 15 عامًا كانوا يبنون بسهولة على أجزاء من الأراضي الزراعية بينما تحرر المحاضر بشأن البناء ثم تنتهي دون تعقيدات طالما أن الغرض إنشاء مقابر.

ويضيف إلى أن أحدًا لا يبني مقبرة إلا عند الحاجة الفعلية إليها، بخلاف المباني السكنية أو التجارية التي قد تُنشأ بغرض الاستثمار أو الربح، مشيرًا إلى اضطرار كثير من الأسر إلى الاعتماد على مقابر الصدقة بسبب عدم قدرتها على توفير مقابر خاصة.

الدكتور حازم حسانين يقول إن التعامل مع ملف المقابر في الريف يجب أن يشمله تخطيط مستنير، عبر تخصيص أراضٍ للمقابر ضمن مخططات التنمية المحلية، كما تُخصّص أراضٍ للمدارس والوحدات الصحية ومحطات الصرف الصحي.

ويضيف أن إدراج احتياجات القرى من المقابر ضمن مشروعات التطوير الريفي، مثل "حياة كريمة" قد يخفف الضغوط على الأراضي الزراعية ويحد من ارتفاع الأسعار ويمنع تحول المقبرة من خدمة أساسية إلى أصل نادر مرتفع التكلفة.

أما الخبير القانوني أشرف شرف يقول إن البرلمان والحكومة مطالبان بدراسة ملف المقابر في الأرياف بشمولية، إذ لا يقتصر التعامل معه على المنع أو توقيع العقوبات، وإنما بتوفير بدائل عملية تمكن المواطنين من إنشاء المقابر في أماكن مخططة.

ترغب الحاجة آمال في إنشاء 6 عيون داخل مقبرتها التي تجاهد لإنشائها، منها 4 عيون للعائلة وعينان للصدقة، "مش عاوزة أتبهدل بعد ما أموت" تقول، ولكنها تخشى أن يسبق القلم قبل إدراكها أمنيتها الأخيرة.

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان