لا تفلس الدول بسبب نقص الموارد أو غياب الثروات، وإنما قد تقودها سياسات اقتصادية ومالية خاطئة إلى ذلك، وتكشف تجارب الأرجنتين وسريلانكا ولبنان وزيمبابوي أن الأزمات تنشأ من تداخل اختلالات الموازنة والسياسة النقدية وسعر الصرف والاعتماد على التمويل الخارجي، مع تأجيل الإصلاحات الضرورية.
في تقرير "موجات الديون العالمية: الأسباب والنتائج"، رصد البنك الدولي أربع موجات رئيسية لتراكم الديون خلال العقود الخمسة الماضية، انتهت الموجات الثلاث الأولى بأزمات مالية في عدد من الاقتصادات الناشئة والنامية، بينما شهدت الموجة الرابعة، التي بدأت في 2010، ارتفاع إجمالي ديون هذه الاقتصادات بنحو 54 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، لتصل إلى 168% بنهاية 2018، وهو مستوى قياسي آنذاك.
اقتراض الدولة لتمويل نفقاتها بدل زيادة مواردها
تتحول السياسة المالية إلى مصدر خطر عندما تستمر الحكومة في الإنفاق بأكثر من إيراداتها، ويوضح صندوق النقد الدولي أن استدامة الدين ترتبط بأربعة عوامل رئيسية، هي: الرصيد الأولي للموازنة، ومعدل النمو الحقيقي، وسعر الفائدة الحقيقي، وحجم الدين القائم، ويؤدي استمرار العجز الأولي مع ارتفاع تكلفة الاقتراض وتباطؤ النمو إلى زيادة صعوبة تثبيت الدين.
وتقدم الأرجنتين نموذجًا لهذه الاختلالات، إذ خلص التقييم المستقل لصندوق النقد الدولي إلى أن السياسة المالية لم تكن متوافقة بصورة كافية مع متطلبات استمرار نظام ربط البيزو بالدولار، بينما تزايدت أعباء الدين وتراجعت ثقة الأسواق، حتى دخلت البلاد في التعثر السيادي في ديسمبر 2001، بعد ثلاث سنوات متتالية من الركود.
اقرأ أيضًا:
الزئبق يتحول إلى ذهب.. هل تنتهي إمبراطورية المعدن الأصفر؟
تمويل عجز الموازنة بطباعة النقود
يصبح تمويل الإنفاق الحكومي عبر التوسع النقدي خطرًا عندما يتحول إلى بديل مستمر عن الإيرادات والتمويل المستدام، لا سيما إذا لم يقابله نمو الإنتاج، ما يؤدي إلى زيادة المعروض النقدي وتصاعد التضخم وتراجع الثقة في العملة.
وتقدم زيمبابوي واحدة من أكثر الحالات توثيقًا، إذ يوضح بحث لصندوق النقد الدولي بعنوان "التمويل النقدي: لا تقترب أم تعامل بحذر؟" أن عجز الموازنة في البلاد تراوح بين 25% و45% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2005-2008، في ظل محدودية التمويل الخارجي، ما دفع الحكومة إلى الاعتماد على البنك المركزي لتغطية احتياجاتها المالية.
ومع التوسع في التمويل النقدي، قفز التضخم الشهري في نوفمبر 2008 إلى نحو 79.6 مليار في المئة، وفق تقدير الدراسة، وأصبحت الأسعار تتضاعف كل 24.7 ساعة تقريبًا.
وبحسب تقرير آخر للصندوق، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 14% خلال 2008، بعد تراجع تراكمي بلغ 40% خلال الفترة 2000-2007، بينما بلغت الأنشطة شبه المالية التي نفذها البنك المركزي نحو 1.1 مليار دولار بما يعادل 36% من الناتج المحلي في 2008.
وقد أدى تمويل العجز خارج الأطر النقدية والمالية المستدامة إلى الانتهاء بانهيار العملة والاقتصاد في زيمبابوي.
اقرأ أيضًا:
لماذا يغامر الأثرياء في البورصة بينما يكتفي آخرون بادخار الذهب؟
تثبيت سعر الصرف عند مستوى لا يعكس حقيقة الاقتصاد
قد يتحول تثبيت سعر الصرف إلى مصدر أزمة عندما لا يتوافق السعر الرسمي مع أساسيات الاقتصاد وقدرته على توليد النقد الأجنبي، فتضطر الدولة أو البنك المركزي إلى التدخل المتواصل للحفاظ عليه، بما يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات وزيادة الضغوط على ميزان المدفوعات.
وتوثق تجربة الأرجنتين هذه المخاطر، إذ ربطت البلاد البيزو بالدولار بنسبة واحد إلى واحد منذ 1991، لكن انخفاض قيمة العملة وارتفاع الدولار أضعفا القدرة التنافسية للاقتصاد الأرجنتيني، بينما أصبحت كلفة الحفاظ على نظام الربط أكثر صعوبة مع استمرار الركود وتراجع التمويل الخارجي.
وخلص التقييم المستقل لصندوق النقد الدولي إلى أن الأزمة انتهت بتعثر الأرجنتين في ديسمبر 2001، ثم التخلي عن نظام قابلية تحويل البيزو إلى الدولار في يناير 2002.
وتكرر جانب من هذه الاختلالات في سريلانكا، إذ أشار صندوق النقد الدولي إلى أن سعر الصرف ظل مثبتًا فعليًا منذ أبريل 2021 رغم تراجع موارد النقد الأجنبي، وانخفضت الاحتياطيات الدولية القابلة للاستخدام من 7.6 مليار دولار بنهاية 2019 إلى 1.6 مليار دولار بنهاية 2021، بما يقل عن تغطية شهر واحد من الواردات، قبل تعثر سداد خدمة الدين الخارجي في أبريل 2022.
اقرأ أيضًا:
مزحة إيلون ماسك تخلق عملة "ريجريتامين" الرقمية لتقفز 1200% في 24 ساعة
الاقتراض بالعملات الأجنبية دون موارد تصديرية كافية
تزداد مخاطر التعثر عندما تعتمد الدولة على الاقتراض بالدولار أو العملات الأجنبية، بينما تظل قدرتها على توليد هذه العملات محدودة، لأن انخفاض العملة المحلية يرفع القيمة المحلية للالتزامات الخارجية دون أن يزيد الموارد الفعلية المتاحة للسداد.
ويوضح صندوق النقد الدولي في إطار تحليل استدامة الدين أن الالتزامات المقومة بالعملات الأجنبية تتأثر مباشرة بتغيرات سعر الصرف، وأن إعادة تقييمها عند انخفاض العملة قد تؤدي إلى قفزات في رصيد الدين وأعباء خدمته.
وتقدم سريلانكا مثالًا واضحًا، إذ فقدت البلاد إمكانية الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية منذ ربيع 2020، بينما استمرت في سداد سنداتها الخارجية رغم تراجع موارد النقد الأجنبي وارتفاع الالتزامات المستحقة، ما ساهم في استنزاف احتياطياتها القابلة للاستخدام إلى 1.6 مليار دولار بنهاية 2021.
ومع نفاد الموارد، علقت الحكومة خدمة الدين الخارجي في 12 أبريل 2022، وأعلنت حالة التعثر في سنداتها السيادية الدولية في 18 مايو من العام نفسه.
اقرأ أيضًا:
حسن هيكل يعود لإثارة الجدل: "لا حل إلا المقايضة الكبرى".. واقتصاديون يحذرون
تخفيض الضرائب دون تعويض الإيرادات
قد تتحول التخفيضات الضريبية إلى عامل يفاقم الأزمة المالية عندما تنفذ دون دراسة أثرها على موارد الموازنة أو دون توفير مصادر دخل بديلة، لا سيما في الاقتصادات التي تعاني بالفعل ضعف الحصيلة الضريبية وارتفاع الدين.
وتقدم سريلانكا دليلًا رقميًا على ذلك، فبعد تغيير الحكومة في أواخر 2019، أقرت السلطات تخفيضات واسعة في ضرائب الدخل والقيمة المضافة، وقدر صندوق النقد الدولي خسائر الإيرادات الناتجة عنها بأكثر من 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي تقرير تشخيص الحوكمة الصادر في 2023، أوضح صندوق النقد أن متوسط الإيرادات الضريبية في سريلانكا بلغ نحو 11% من الناتج خلال الفترة 2007-2019، قبل أن تهبط نسبة الضرائب إلى الناتج إلى 7.5% عقب تطبيق التخفيضات، بينما بلغ متوسطها نحو 15% في مجموعات الدول المقارنة.
جاء هذا التراجع بالتزامن مع جائحة كورونا وانهيار إيرادات السياحة وفقدان القدرة على الوصول إلى أسواق التمويل الدولية، ما ترك الحكومة بإيرادات محدودة وهوامش مالية ضعيفة لمواجهة التزاماتها الخارجية.
اقرأ أيضًا:
البنك الدولي يتوقع قفزة الذهب إلى متوسط 4600 دولار للأوقية خلال 2026
الاعتماد على مصدر واحد للنقد الأجنبي
تتعرض الدول المعتمدة على تصدير سلعة واحدة أو مجموعة محدودة من السلع لمخاطر مالية أكبر، لأن تراجع الأسعار العالمية يقلص الإيرادات العامة وتدفقات النقد الأجنبي، بينما تظل النفقات الحكومية والتزامات الدين قائمة
وفي تقرير نشره البنك الدولي في أكتوبر 2026 بعنوان "ارتفاع الديون وتقلص الهوامش المالية: التحدي المالي أمام الدول المصدرة للسلع الأساسية"، أشار إلى أن متوسط نسبة الدين الحكومي في الاقتصادات الناشئة والنامية المصدرة للسلع الأساسية اقترب من الضعف منذ 2010، وأن نحو 16% من هذه الاقتصادات أصبحت في حالة ضائقة ديون، ترتفع النسبة إلى أكثر من 22% لدى مصدري المنتجات الزراعية.
وأوضح التقرير أن مصدري المنتجات الزراعية يتحملون عبئًا أكبر من فوائد الدين مقارنة بمستوردي السلع الأساسية، رغم انخفاض نسب الدين لديهم في بعض الحالات.
التضخم يلتهم الرواتب.. كيف تعالج الأسر المصرية "عجز الدخل الشهري"؟
تأجيل الاعتراف بالخسائر وإعادة هيكلة الديون
من السياسات التي تضاعف تكلفة الأزمات استمرار الحكومات والبنوك المركزية في تأجيل الاعتراف بالخسائر المالية أو استخدام عمليات تمويل معقدة للحفاظ على استقرار ظاهري، بدلًا من معالجة العجز وإعادة هيكلة الالتزامات عندما تصبح غير قابلة للاستدامة.
يقدم لبنان نموذجًا، إذ يوضح تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2023 أن البلاد عانت على مدار سنوات اختلالات مالية وخارجية واسعة، واعتمدت على تدفقات الودائع الخارجية وسندات اليوروبوند لتمويل احتياجاتها، قبل أن تتراجع التدفقات ويزداد اعتماد الحكومة على المصرف المركزي.
وذكر التقرير أن حصة مصرف لبنان من الدين الحكومي ارتفعت من 23% في 2012 إلى 52% في 2019، كما لجأ المصرف منذ 2015 إلى عمليات هندسة مالية اجتذبت تدفقات من خلال تقديم أسعار فائدة مرتفعة وغير مستدامة على ودائعه، ما زاد تعرض البنوك لمخاطر العملات الأجنبية تجاه المصرف المركزي.
ومع انعكاس تدفقات الودائع وتزايد خروج رؤوس الأموال، انكسرت آلية تثبيت سعر الصرف، وأعلن لبنان في مارس 2020 عدم سداد سندات دولية بقيمة 1.2 مليار دولار.
ويشير الصندوق إلى أن ضعف السياسات وتأخر الإصلاحات والجمود السياسي ساهمت في إطالة الأزمة وتفاقمها.
وخلصت دراسة لصندوق النقد الدولي بعنوان "تكاليف التعثر السيادي: إستراتيجيات إعادة الهيكلة وضغوط البنوك وقنوات انتقال تدفقات رأس المال والائتمان" إلى أن إعادة هيكلة الدين بعد وقوع التعثر ترتبط بانخفاضات أكبر في الائتمان المصرفي وارتفاع أسعار الفائدة على الإقراض وزيادة احتمالات حدوث أزمة مصرفية، مقارنة بإعادة الهيكلة الاستباقية قبل توقف الدولة عن السداد.
وأظهر التقييم اللاحق لبرنامج اليونان لعام 2010 أن التأخر في إعادة هيكلة الدين كان أحد أوجه القصور الرئيسية في تصميم البرنامج.