إعلان

فائدة مرتفعة وديون متضخمة.. كيف تنقل أمريكا عدوى اقتصادها إلى العالم؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

04:50 م 07/10/2026 تعديل في 05:06 م

البنك الفيدرالي الأمريكي

تابعنا على

"ماذا يحدث للعالم إذا ظل الاقتصاد الأمريكي قويًا بما يكفي لإبقاء التضخم والفائدة مرتفعين وضعيفًا بما يكفي لسحب الطلب من الأسواق؟"، هذه معضلة تتشكل في الاقتصاد الأكبر عالميًا خلال 2026، حيث نمو متوقع عند 2.2%، لكنه مصحوب بتضخم أعلى من مستهدف الاحتياطي الفيدرالي وبطالة تتجه نحو 4.5% وعوائد لسندات الخزانة لأجل 10 سنوات عند نحو 4% أو أكثر، بينما يتجاوز متوسط الدين الحكومي لدول مجموعة السبع 120% من الناتج المحلي.

ولم يعد الدين الأمريكي مجرد مشكلة مالية لواشنطن، بل أصبح جزءًا من معادلة تسعير الأموال في العالم كله، إذ إن كل ارتفاع في عوائد الخزانة الأمريكية يرفع سقف العائد المطلوب من أصول وأسواق ودول أخرى حول العالم.

10 أسباب تدفع عوائد السندات الأمريكية لقمة تاريخية منذ 2004 عند 6%

الفيدرالي أمام "فخ التضخم"

يواجه الاحتياطي الفيدرالي معركة غير عادية، فالتضخم لم يعد ناتجًا فقط عن زيادة الطلب، وإنما تدفعه أيضًا أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية والتعريفات التجارية.
وتقول مؤسسة كونفرنس بورد، وهي مؤسسة بحثية واقتصادية عالمية متخصصة في التوقعات والبيانات الاقتصادية، في تقريرها "التوقعات الاقتصادية للولايات المتحدة: تشديد الفيدرالي سيعمق تراجع استهلاك الأسر"، إن تضخم أغسطس جاء أعلى من المتوقع، بالتزامن مع عودة ارتفاع أسعار الطاقة بسبب التوترات في الشرق الأوسط وتهديدات طرق الشحن، وهو ما يرفع تكاليف النقل والإنتاج قبل أن ينتقل إلى أسعار المستهلك.

وفي سبتمبر 2026، توقعت المؤسسة 3 زيادات متتالية للفائدة في سبتمبر وأكتوبر وديسمبر لمواجهة عودة الضغوط التضخمية، في وقت بدأت فيه الأسر الأمريكية بالفعل تقليص الإنفاق على المشتريات غير الضرورية مع تراجع نمو الدخل الحقيقي.

"ركود تضخمي خفيف" يضرب المستهلك

تتوقع "آر إس إم"، وهي شبكة عالمية لخدمات التدقيق والاستشارات والضرائب، في تقرير "التوقعات الاقتصادية العالمية لعام 2026" الصادر في ديسمبر 2025، أن ينمو الاقتصاد الأمريكي بنسبة 2.2% في 2026، مع انخفاض احتمال الركود خلال 12 شهرًا إلى 30% من 40% سابقًا.
لكن المؤسسة تتوقع في الوقت نفسه بقاء التضخم أعلى من هدف الفيدرالي البالغ 2%، مع وصول مؤشر أسعار المستهلك إلى 3% أو أكثر، ومتوسط تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي عند 2.7%، وارتفاع البطالة إلى 4.5%.
وتصف "آر إس إم" المشهد بأنه "ركود تضخمي خفيف"، فالأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من المستوى المستهدف، بينما يتباطأ نمو الأجور الحقيقية وتتراجع القدرة الشرائية.

ماذا يعني استبعاد فوتسي بورصة مصر من قائمة المراقبة وإبقاء تصنيفها سوقا ناشئة؟

التعريفات.. نار واشنطن تعود إلى جيوب الأمريكيين

يشير معهد ستانفورد لأبحاث السياسة الاقتصادية، في تقرير "الاقتصاد الأمريكي في 2026: ما الذي يجب مراقبته؟"، إلى ارتفاع معدل التعريفة الفعلي في الولايات المتحدة من 2.1% إلى نحو 11.7% بحلول يناير 2026.
والأخطر أن أكثر من 50% من تكلفة التعريفات قد تنتقل إلى المستهلكين، بينما قدرت مؤسسة جولدمان ساكس، وفق ما أورده معهد ستانفورد، أن النظام التعريفي يمكن أن يضيف نحو نقطة مئوية كاملة إلى التضخم خلال الفترة من النصف الثاني من 2025 إلى النصف الأول من 2026 مقارنة بالسيناريو البديل.

البنك الدولي: مصر تخسر عقول الذكاء الاصطناعي لصالح الخليج والغرب

سوق العمل يرسل أول إنذار

ويشير معهد ستانفورد لأبحاث السياسة الاقتصادية إلى ارتفاع معدل البطالة من 4.1% إلى 4.4% خلال 2025، مع تباطؤ خلق الوظائف، بينما تصف الوضع بأنه سوق عمل قائم على "توظيف منخفض وتسريح منخفض"، أما "آر إس إم" فتتوقع تباطؤ خلق الوظائف إلى نحو 50 ألف وظيفة شهريًا وارتفاع البطالة إلى 4.5%.
وفي الربع الثالث من 2025، بلغ متوسط نمو الوظائف نحو 29 ألف وظيفة شهريًا فقط، وفق "آر إس إم"، وهو مستوى ترى المؤسسة أنه قد لا يكون كافيًا للحفاظ على استقرار سوق العمل.

مصر تضم 289 شركة للذكاء الاصطناعي.. وخريجو التكنولوجيا لا يتجاوزون 3% من خريجي الجامعات

الدين الأمريكي.. القنبلة التي تكبر مع الفائدة

يعد التضخم الأزمة الآنية، إلا أن الدين هو الأزمة التي تتراكم بصمت، وبلغ العجز الأمريكي 6.2% من الناتج في 2023، و6.3% في 2024، و6% في 2025، مع توقع تراجعه إلى نحو 5.5% في 2026، وفق معهد ستانفورد لأبحاث السياسة الاقتصادية.
وتشير "ستانفورد" إلى أن الاقتصاد الأمريكي يتحرك في منطقة أصبحت فيها أسعار الفائدة والنمو أقرب إلى بعضهما، بعدما كانت خدمة الدين أكثر سهولة عندما كانت تكلفة الاقتراض أقل بكثير من معدل النمو، والنتيجة أن الفائدة المرتفعة لا تحارب التضخم فقط، بل تضاعف تكلفة الدين الذي تستخدمه الحكومة لتمويل عجزها.

تنتقل الأزمة من واشنطن إلى الأسواق العالمية، فوفق معهد لوي، وهو مركز أبحاث أسترالي مستقل متخصص في القضايا الاقتصادية والإستراتيجية والسياسة الدولية، ارتفعت عوائد سندات الحكومة لأجل 10 سنوات بأكثر من 100 نقطة أساس خلال عام في الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وفرنسا وكوريا الجنوبية وإيطاليا، بينما ارتفعت بأكثر من 60 نقطة أساس في أستراليا وألمانيا ومنطقة اليورو، وتجاوز متوسط عائد سندات حكومات مجموعة السبع لأجل 10 سنوات 4% للمرة الأولى منذ 2007.

ويشير معهد لوي إلى أن متوسط الدين الحكومي في دول مجموعة السبع يتجاوز 120% من الناتج المحلي ويتجه صعودًا، بينما أصبحت الحكومة الأمريكية تدفع سنويًا فوائد على الدين القائم تفوق إنفاقها على الدفاع، وهنا تظهر قوة ما يعرف بـ"حراس السندات"، أي المستثمرين الذين يستطيعون دفع عوائد الاقتراض إلى مستويات أعلى إذا رأوا أن السياسة المالية غير مستدامة.

الذكاء الاصطناعي.. آخر محركات الإنقاذ

يتوقع "آر إس إم" أن تظل استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وشبكات الطاقة المرتبطة بها محركًا رئيسيًا للنمو لمدة عام آخر على الأقل، وتشير معهد ستانفورد لأبحاث السياسة الاقتصادية إلى تقدير مؤسسة جولدمان ساكس بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يخلق 8 تريليونات دولار من القيمة للشركات الأمريكية من خلال مكاسب الإنتاجية.
وشهدت الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ارتفاعات كبيرة في التقييمات، بينما لم تتحول الإيرادات المرتبطة بهذه التكنولوجيا بالسرعة نفسها، ما يثير مخاوف من فقاعة أصول، وتقدر "ستانفورد" أن تصحيح سوق الأسهم قد يمحو نحو 100 مليار دولار من أثر الثروة على الاقتصاد، بما يعادل 0.4% من نمو الناتج المحلي.
يرسم "آر إس إم" سيناريو هبوطيًا باحتمال 30% إذا استمرت الخلافات السياسية والتجارية، وفي هذا السيناريو يمكن أن ينخفض النمو إلى أقل من 1%، ويرتفع التضخم إلى 3.5% أو أكثر، بينما يعود الفيدرالي إلى رفع الفائدة إلى 4% أو أكثر، وترتفع البطالة إلى 5% أو أكثر.

الصدمة العالمية تبدأ من سعر المال

لا يحتاج الاقتصاد الأمريكي الدخول في ركود عميق حتى يتضرر العالم، ويكفي أن تظل الفائدة مرتفعة والعوائد الأمريكية فوق 4% لفترة طويلة حتى ترتفع تكلفة التمويل عالميًا وتتراجع جاذبية بعض الأصول في الأسواق الناشئة وتزداد الضغوط على الحكومات والشركات المثقلة بالديون، كما أن تباطؤ المستهلك الأمريكي يعني انخفاض الطلب على صادرات شركائه التجاريين، بينما تؤدي التعريفات إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد ورفع تكاليف الإنتاج.
وهكذا تنتقل الصدمة الأمريكية عبر أربع قنوات رئيسية: الدولار، والسندات، والتجارة، والأسواق المالية.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان