إعلان

لماذا يتفوق اقتصاد اليابان على مصر رغم انخفاض قيمة الين أمام الجنيه؟

كتب : إبراهيم الهادي عيسى

02:11 م 28/10/2026

صندوق النقد الدولي

تابعنا على

كيف يمكن لاقتصاد اليابان الذي يبلغ حجمه نحو عشرة أضعاف الاقتصاد المصري أن تكون قيمة وحدته النقدية أقل من الجنيه؟ تكشف هذه المفارقة خطأ شائعًا في قراءة أسعار العملات، حسب خبيرين مصرفيين تحدث إليهما مصراوي، إذ يخلط البعض بين القيمة الاسمية لوحدة النقد وبين قوة الاقتصاد الذي تصدر عنه.

يشير الخبيران، أن عدد الوحدات النقدية التي يساويها الدولار أو الجنيه لا يكشف وحده حجم الإنتاج أو مستوى التكنولوجيا أو دخل المواطنين أو قدرة الدولة على المنافسة في الأسواق العالمية.

بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، في إصدار أبريل 2026 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي المتوقع لليابان نحو 4.38 تريليون دولار خلال 2026، مقابل نحو 429.65 مليار دولار لمصر، بينما بلغ نصيب الفرد من الناتج نحو 35.7 ألف دولار في اليابان مقابل 3.9 ألف دولار في مصر.

وفق صندوق النقد الدولي، تعني تلك التقديرات أن الاقتصاد الياباني أكبر بنحو عشرة أضعاف الاقتصاد المصري بالقيمة الدولارية.

الزئبق يتحول إلى ذهب.. هل تنتهي إمبراطورية المعدن الأصفر؟

لماذا يبدو الين أقل من الجنيه؟

تظهر المقارنة بين الجنيه والين أن سعر الوحدة النقدية لا يعكس ترتيب الاقتصادين، فوفقًا لأسعار الصرف بالبنك المركزي المصري، بلغ متوسط سعر الدولار بين البنوك العاملة في مصر 56.2 جنيه لكل دولار حتى كتابة هذه التقرير، بينما سجل سعر ين ياباني نحو 36 قرشا.

يقول هاني أبو الفتوح الخبير المصرفي، إن مقارنة عملة أخرى لاقتصاد قوي بالجنيه، لا تعني أن الجنيه أقوى اقتصاديًا منها، إذ إن المقارنة تتعلق بحجم الوحدة النقدية المتداولة، ولا تقيس ما ينتجه كل اقتصاد أو ما يستطيع المواطن شراءه من السلع والخدمات أو مدى استقرار العملة على المدى الطويل.

ويضيف أبو الفتوح لـ مصراوي، أن ترتيب العملات بحسب قيمة الوحدة النقدية لا يصلح لترتيب قوة الاقتصادات.

يشرح بنك التسويات الدولية، وهي المؤسسة الدولية المعنية بالتعاون بين البنوك المركزية ودعم الاستقرار النقدي والمالي، أن أسعار الصرف الاسمية تعبر عن سعر عملة مقابل أخرى، بينما تتطلب المقارنات الاقتصادية الأوسع النظر إلى مؤشرات أسعار الصرف الفعلية التي تقيس قيمة العملة أمام سلة من عملات الشركاء التجاريين.

بين الصمود والتآكل.. هل تهز حرب إيران عرش الدولار؟

لماذا لا تعني العملة المرتفعة اقتصادًا أقوى؟

يقول أحمد شوقي الخبير المصرفي، إن الخلط بين قيمة العملة وقوة الاقتصاد يرتبط بنظر البعض إلى سعر الصرف على أنه شهادة تقييم للدولة، في حين أن سعر الوحدة النقدية يتأثر أيضًا بالتاريخ النقدي وطريقة تحديد الوحدة الاسمية والسياسات الاقتصادية والنقدية.

ويضيف لـ مصراوي، أن قوة العملة أمام أخرى، لا يمكن من خلاله استنتاج قوة الاقتصاد أو ضعفه من عدد الوحدات النقدية التي يساويها الدولار وحده.

توضح المواد التعليمية الصادرة عن برنامج التثقيف الاقتصادي التابع للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في سانت لويس، ضمن مقال "هل الدولار القوي أفضل من الدولار الضعيف؟"، أن ارتفاع العملة أو انخفاضها ليست لهما نتيجة واحدة لجميع القطاعات، إذ إن العملة القوية قد تخفض تكلفة الواردات، بينما يمكن للعملة الأضعف دعم تنافسية بعض الصادرات، لكن أثر ذلك يعتمد على طبيعة الاقتصاد وهيكل تجارته.

يشير أبو الفتوح إلى أن المفارقة تظهر، على سبيل المثال، عند مقارنة الدينار الكويتي بالدولار الأمريكي، حيث إن ارتفاع القيمة الاسمية للدينار لا يعني أن الاقتصاد الكويتي أكبر من الاقتصاد الأمريكي، مثلما لا يعني انخفاض قيمة الين الاسمية أن الاقتصاد الياباني أقل تطورًا.

ويضيف شوقي، أن حجم الاقتصاد يقاس بالناتج المحلي، بينما تتطلب مقارنة مستويات المعيشة النظر إلى الدخل الحقيقي والأسعار المحلية وتوزيع الدخل، فضلًا عن الإنتاجية والخدمات المتاحة.

رقم صادم.. ما ترتيب مصر في قائمة أكثر الشعوب استهلاكا للحوم؟

هل تتعمد الدول إضعاف عملاتها لدعم الصادرات؟

يقرر أبو الفتوح: لا يمكن تفسير انخفاض الين، على سبيل المثال، بأنه نتيجة سياسة متعمدة ومستمرة لإضعاف العملة بهدف دعم الصادرات، مشيرًا إلى أن اليابان اتبعت خلال سنوات طويلة سياسات نقدية توسعية لمواجهة ضعف التضخم والانكماش وتحفيز النشاط الاقتصادي، لكن أثر هذه السياسات في سعر الصرف يتداخل مع عوامل أخرى، أبرزها الفروق في أسعار الفائدة وتوقعات المستثمرين وحركة رؤوس الأموال.

في دراسة بحثية نشرها بنك اليابان في ديسمبر 2024 بعنوان "السياسة النقدية غير التقليدية في اليابان وديناميكيات سعر الصرف"، درس الباحثون كوتا إيكاتاكي وتاكوچي كاواموتو وكينيتشي ساكورا أثر تغيرات السياسة النقدية اليابانية خلال نحو 25 عامًا.

وخلصت الدراسة إلى أن صدمات التيسير النقدي أدت في حالات عديدة إلى انخفاض الين أمام الدولار، وأن تغير توقعات الأسواق بشأن أسعار الصرف المستقبلية أسهم في تفسير جانب كبير من هذه الاستجابات.

وفي تقرير التوقعات الاقتصادية الصادر في يوليو 2026، أشار بنك اليابان إلى أن انخفاض الين يمثل أحد العوامل التي قد تدفع التضخم إلى مستويات أعلى من المستهدف خلال النصف الثاني من 2026، بجانب ارتفاع أسعار النفط وبعض مكونات أشباه الموصلات.

ويعلق شوقي أن هذا الاتجاه يوضح أن انخفاض العملة قد يمنح بعض المصدرين ميزة سعرية، لكنه قد يرفع في الوقت نفسه تكلفة الواردات ويزيد الضغوط على المستهلكين.

10 أسئلة اقتصادية.. "كرنك شات" ينجح في امتحان "مصراوي" بـ76/100

كوريا الجنوبية والصين.. لماذا لا يكفي سعر العملة للمقارنة؟

تظهر عملات مثل الوون الكوري واليوان الصيني أهمية الفصل بين القيمة الاسمية للوحدة النقدية والقدرة الإنتاجية للدولة، حيث إن عدد الوحدات التي يساويها الدولار من الوون لا يقيس وحده كفاءة الصناعات الكورية أو قدرتها على التصدير، مثلما لا يكشف سعر اليوان وحده حجم الاقتصاد الصيني أو دوره في التجارة العالمية.

يشير شوقي إلى ضرورة التمييز بين مختلف الحالات، مقررًا أن كل سعر اسمي منخفض ليس دليلًا على انخفاض قيمة العملة بالمعنى الاقتصادي، كما أن اختلاف نظام سعر الصرف والسياسة النقدية والتاريخ النقدي يجعل المقارنة بين الدول أكثر تعقيدًا من ترتيبها وفق سعر الدولار.

ويذكر بنك التسويات الدولية، في تحليله للعملات في التمويل الدولي، أن استخدام العملة على المستوى العالمي يرتبط بطبيعة المعاملات المالية والتجارية، وبالأسواق التي تسعّر فيها السلع والأصول والالتزامات، لذلك لا يتحدد الدور الدولي للعملة بحجم الاقتصاد وحده، ولا بقيمة الوحدة النقدية الاسمية.

خارج لعبة "الأموال الساخنة".. ماذا يريد المستثمر الأجنبي المباشر من مصر؟

انخفاض العملة.. متى يدعم الاقتصاد ومتى يتحول إلى عبء؟

يقول أبو الفتوح، إن انخفاض العملة يؤدي إلى زيادة القدرة السعرية للصادرات المحلية في الأسواق الخارجية، لكنه لا يضمن زيادة الصادرات تلقائيًا، إذ يتوقف ذلك على توافر الطاقة والعمالة والمواد الخام والقدرة الإنتاجية وعلى نسبة المكونات المستوردة في المنتجات المحلية.

ويضرب مثالًا: إذا كانت الصناعة تعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات مستوردة بالدولار، فإن ارتفاع تكلفة تلك المدخلات قد يقلص المكاسب الناتجة عن انخفاض العملة.

ويضيف أن التكلفة المحلية للواردات المقومة بالعملات الأجنبية ترتفع عند تراجع العملة المحلية، بما قد يضغط على أسعار الغذاء والطاقة والسلع الوسيطة، وينعكس على التضخم والقوة الشرائية للأسر، ولذلك قد يستفيد بعض المصدرين من انخفاض العملة، بينما تتحمل الشركات المستوردة والمستهلكون جانبًا من التكلفة.

تدعم دراسة صندوق النقد الدولي هذه الصورة المعقدة، ففي مقال بحثي نشره رودولفس بيمس وراشا موسى في يوليو 2023 بعنوان "الاقتصادات الناشئة تتحمل العبء الأكبر من قوة الدولار"، وجد الباحثان أن ارتفاع الدولار بنسبة 10% بفعل قوى الأسواق المالية العالمية يرتبط بانخفاض الناتج في الاقتصادات الناشئة بنحو 1.9% بعد عام، مع استمرار الأثر نحو عامين ونصف. وفي المقابل، بلغ الأثر السلبي الأقصى في الاقتصادات المتقدمة نحو 0.6% بعد ربع سنة، وتلاشى معظمه خلال عام.

وأشارت الدراسة إلى أن حجم التجارة الفعلي في الاقتصادات الناشئة يتأثر بدرجة أكبر، وأن الواردات تتراجع بمعدل يقارب ضعف تراجع الصادرات في السيناريو الذي فحصه الباحثان.

ربع مليون جنيه في ليلة.. كيف تحول قراء المآتم إلى نجوم شباك؟

مصر.. متى يصبح انخفاض الجنيه مشكلة اقتصادية فعلية؟

يقول أبو الفتوح: لا تكمن المشكلة في أن الجنيه أنه يساوي عددًا أقل أو أكبر من وحدات عملة أجنبية، بل في مدى استقرار قوته الشرائية وقدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي اللازم لتغطية الواردات والالتزامات الخارجية.

ويضيف أن ارتفاع أسعار السلع المستوردة نتيجة انخفاض الجنيه يمكن أن ينعكس على تكلفة الإنتاج والمعيشة، بينما يتوقف أثر انخفاض العملة على الصادرات على قدرة الشركات المحلية على زيادة الإنتاج وتلبية الطلب الخارجي.

تكشف تقديرات صندوق النقد الدولي في إصدار أبريل 2026 عن اختلاف واضح بين البلدين في الناتج الاسمي للفرد؛ إذ بلغ نحو 35.7 ألف دولار في اليابان، مقابل 3.9 ألف دولار في مصر.

وبحسب الإصدار نفسه، بلغ الناتج المحلي الإجمالي وفق تعادل القوة الشرائية نحو 7.26 تريليون دولار دولي في اليابان و2.57 تريليون دولار دولي في مصر، فيما بلغ نصيب الفرد وفق المقياس ذاته نحو 59.2 ألف دولار دولي في اليابان و23.3 ألف دولار دولي في مصر.

ويعلق شوقي بأن تقييم قوة الجنيه المصري يتطلب النظر إلى مجموعة من المؤشرات، تشمل التضخم وتطور سعر الصرف الحقيقي الفعال والصادرات والواردات والاستثمار الأجنبي المباشر وتحويلات العاملين بالخارج والاحتياطيات الأجنبية وخدمة الدين الخارجي.

السعودية تخفض سن ممارسة التجارة إلى 15 عامًا بشروط.. وماذا عن مصر؟

العملة مرآة للاقتصاد وليست مقياسًا لقوته

يقول أبو الفتوح إن القيمة الاسمية المنخفضة للعملة لا تعني أن الاقتصاد ضعيف، كما لا تعني القيمة الاسمية المرتفعة أن الدولة أكثر إنتاجية أو قدرة على المنافسة.

ويشير إلى أن القيمة الاسمية للوحدة النقدية تختلف عن التغير الفعلي في سعر الصرف، وكلاهما يختلف عن القوة الشرائية للمواطن.

ويقول أبو الفتوح إن التجربة اليابانية تبين أن الاقتصاد قد يحتفظ بقاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة رغم انخفاض عملته أمام الدولار، لكن ذلك لا يجعل انخفاض العملة ميزة مطلقة.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان