من قلب النيران إلى لحظات التبريد، يواجه رجال الحماية المدنية أخطارا لا تتوقف بانطفاء الحريق، وفي الفترة الأخيرة، تحولت بعض المهام إلى نهايات دامية فقدت خلالها الشرطة رجالا كانوا يؤدون واجبهم.
لم تبدأ الحكاية لحظة اشتعال النار، ولم تنته عندما خمدت ألسنة اللهب، ففي كل حريق، هناك رجال يدخلون إلى المكان في الوقت الذي يحاول فيه الآخرون الابتعاد عنه، يحملون معداتهم ويتقدمون وسط الدخان والحرارة، بحثًا عن عالق أو محاولة لمنع امتداد النيران إلى عقار مجاور.
رجال الحماية المدنية يعرفون أن السيطرة على الحريق ليست نهاية المهمة، فبعد إخماد النيران تبدأ مرحلة التبريد، وهي المرحلة التي يجري خلالها التأكد من عدم وجود بؤر مشتعلة أو مصادر حرارة يمكن أن تعيد اشتعال المكان.
وفي هذه اللحظات تحديدًا، وقعت بعض أكثر الوقائع قسوة في سجل رجال الشرطة خلال الفترة الأخيرة، ولعل آخرها في حلوان، عندما كان أمين الشرطة شعبان محمد عبد الفتاح، أحد رجال الحماية المدنية بجنوب القاهرة، يؤدي مهامه داخل شقة سكنية اندلع بها حريق.
شاركت القوات في محاصرة النيران والسيطرة عليها، وبعد انحسارها بدأت أعمال التبريد للتأكد من انتهاء الخطر، وظل شعبان في موقعه، يشارك زملاءه في استكمال المهمة، لكن الخطر الذي لم يظهر في ألسنة اللهب جاء من أعلى.
انهار سقف الشقة بشكل مفاجئ فوقه، وتحولت اللحظات التالية من محاولة منع عودة الحريق إلى محاولة إنقاذ أحد رجالها، فأسرع زملاؤه للبحث عنه وانتشاله من أسفل الأنقاض، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بالإصابات التي لحقت به. لم تكن تلك الواقعة الوحيدة التي حملت معها الحرائق أسماء من رجال الشرطة.
حريق ضخم داخل جراج بالعجمي
قبل أسابيع قليلة من حادث منشأة ناصر، ودعت الحماية المدنية معاون الشرطة أحمد رضا البحيري، الذي استشهد خلال مشاركته في إطفاء حريق ضخم داخل جراج سيارات بمنطقة العجمي في الإسكندرية.
وأصيب البحيري بحالة اختناق شديدة أثناء أداء مهمته داخل موقع الحريق، ورغم نقله إلى المستشفى فإن محاولات إنقاذه لم تنجح، ليرحل وهو في الثالثة والعشرين من عمره بعد أن أدى واجبه حتى النهاية.
حريق منشأة ناصر.. فقدان مدير الحماية المدنية وضابط
في نهاية يونيو 2026، شهدت منطقة منشأة ناصر حريقًا ضخمًا استدعى مشاركة قوات الحماية المدنية للتعامل معه والسيطرة على النيران ومنع امتدادها إلى العقارات المجاورة.
كان اللواء الدكتور محمد محمود محمد الشربيني، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، موجودًا في موقع الحادث، يشرف ميدانيًا على جهود القوات ويتابع تنفيذ خطة التعامل مع الحريق.
ظل في موقع الحادث أثناء عمليات السيطرة، قبل أن يتعرض للإصابة ويُنقل لتلقي العلاج، لكنه فارق الحياة متأثرًا بإصابته، وفي الحادث ذاته، فارق الحياة النقيب عبد الرحمن خالد محمد يوسف العدوي، الضابط بمديرية أمن القاهرة.
حادث واحد ترك اسمين من رجال الشرطة في سجل الشهداء، بعدما كان وجودهما في موقع الحريق جزءًا من أداء واجبهما في التعامل مع النيران وتأمين المكان.
أسماء الشهداء تتحول إلى قرارات رسمية
بعد وفاة اللواء محمد محمود محمد الشربيني، صدر قرار بترقية اسمه استثنائيا إلى رتبة لواء مساعد وزير الداخلية، اعتبارا من الأول من يوليو 2026، ونشر القرار في الجريدة الرسمية.
كما صدر قرار وزارة الداخلية رقم 1326 لسنة 2026 بشأن احتساب وفاة النقيب عبد الرحمن خالد محمد يوسف العدوي، الذي توفي في 30 يونيو 2026، ضمن حالات الاستشهاد الواردة بقانون هيئة الشرطة، بعد الاطلاع على رأي لجنة فحص حالات الاستشهاد من أعضاء هيئة الشرطة وموافقة المجلس الأعلى للشرطة.
ونص القرار على اعتبار وفاته نتيجة عمليات أمنية وبسببها، وترقية اسمه استثنائيًا إلى رتبة رائد اعتبارًا من تاريخ استشهاده.