جريمة الـ14 دقيقة.. حكاية الزيارة الأخيرة للطبيب اليمني في الشقة رقم (6)

03:18 ص السبت 01 يونيو 2019
 جريمة الـ14 دقيقة.. حكاية الزيارة الأخيرة للطبيب اليمني في الشقة رقم (6)

المتهمون

كتب- محمد شعبان:

على مدار السنوات الماضية اعتاد الطبيب العجوز زيارة أرض المحروسة سنويا، يقضي أيامًا عدة ما بين السياحة والعلاج وشراء بعض الهدايا عائدا بعدها إلى بلده "اليمن السعيد" قبل أن يقرر الاستقرار تلك المرة على أرض مصر دون أن يدري بما سيلقاه.

منتصف أبريل الماضي حضر الطبيب اليمني نجيب محمد القاهرة عاقدا العزم على شراء محل سكن دائم له، أوقعته الظروف في طريق سمسار عقارات ويدعى "حسن" رافقه في رحلة البحث عن شقة تلبي احتياجاته وكان الاختيار على واحدة في برج سكني كائن بشارع حامد السيد بميدان الساعة في منطقة فيصل.

استقر الحال بصاحب الـ65 سنة في الشقة رقم (6) الواقعة في الطابق الثالث، أضحى جُل همه الانتهاء من أعمال التشطيب للإقامة فيها، فكان يتردد عليها بين حين وآخر إذ يقضي بعض الوقت لدى نجل شقيقه "نزار" الذي يقيم في الهرم، وتفكيره في شراء شقة ثانية بدافع الاستثمار.

وضع العجوز اليمني ثقته الكاملة في السمسار اعتبره أهل لها -دون دراية بما ستؤول إليه الأمور لاحقا- منحه نسخة من مفتاح الشقة "إنت اللي عارف العمال هنا أنا معرفش حد.. باشر انت كل حاجة والفلوس اللي تطلبها هتكون عندك فورا".

لم تمر كلمات الطبيب مرور الكرام على مسامع السمسار الثلاثيني، التقطتها أذناه بعناية بينما يوسوس له عدو بني آدم اللدود "الشيطان" بأن الفرصة سانحة للحصول على مبلغ مالي دون نقطة عرق لاسيما تقدم الضحية في العمر، فاتصل بصديق قديم من أرباب السوابق شهرته "الكومي" طالبه بسرعة الحضور "في مصلحة حلوة بس هتطلعها لوحدك".

منتصف ليل الأحد 19 مايو الماضي اكتظت المقاهي والكافيهات بزوارها لمشاهدة لقاء ذهاب بطولة الكونفدرالية الإفريقية بين فريقي الزمالك المصري ونهضة بركان المغربي -البطولة التي توج فيها الأبيض بللقب بركلات الترجيح في لقاء العودة- بدت الشوارع خالية من المارة، ما بين متابعين للمباراة المصيرية ومهتمين بإعداد وجبة السحور لكن البرج شاهق الارتفاع كان على موعد مع جريمة قتل.

منذ الصباح الباكر وحتى وقت الظهيرة لم تتوقف محاولات "نزار" للوصول إلى عمه، هاتفه مغلق، ليقرر التوجه إلى شقته إذ اشترى "مرتبة" للمبيت داخل مسكنه الجديد لحين شراء باقي المنقولات المنزلية، طرق الباب دون جدوى، ليقرر كسره بمساعدة الجيران فكانت الفاجعة حاضرة.

دقائق معدودة انتشرت معها سيارات الشرطة وسط نشاط ملحوظ لرجال البحث الجنائي بقسم شرطة بولاق الدكرور في الشارع الذي لا يتعدى عرضه 4 أمتار وسط تساؤلات قاطنيه "الساكن اليمني الجديد لاقوه مقتول" بينما فرض العميد شامل عزيز مأمور القسم طوقًا أمنيًا لتسهل مهمة المعاينة تزامنًا مع وصول النيابة العامة والمعمل الجنائي.

عُثر على جثة الدكتور نجيب موثوق اليدين والقدمين، ووجود شريط لاصق على فمه، يرتدي كامل ملابسه ولا توجد فيه إصابات ظاهرية مع سلامة منافذ الشقة، ما يشير إلى أن دخول الجناة بطريقة شرعية.

بالعودة إلى قسم شرطة بولاق الدكرور، وتحديدًا الطابق الثاني الخاص بوحدة المباحث، بدت الأجواء مختلفة مع توافد قيادات المديرية يترأسهم اللواء محمد الألفي نائب مدير مباحث الجيزة والعميد أسامة عبدالفتاح رئيس مباحث قطاع غرب الجيزة، تنفيذًا لتوجيهات اللواء رضا العمدة بتشكيل فريق بحث لما تمثله الواقعة من تعدٍ صارخ على النفس والمال.

اجتماع مغلق عقده المقدم محمد الجوهري رئيس مباحث بولاق الدكرور بمعاونيه لمناقشة الخطوط العريضة لخطة البحث والتي تركزت على حصر علاقات المجني عليه وخلافاته التي قد ترقى أن تكون دافعا لارتكاب الواقعة، وفحص العقار محل الحادث وقاطنيه والمترددين عليه علاوة على خطوط السير المحتملة للجناة من وإلى مسرح الجريمة وتنشيط المصادر السرية الموثوق بها للمساهمه في إجراءات البحث.

بالانتقال إلى مسرح الجريمة، عكف الرائد مجدي عوض والنقباء كريم عبد الرازق وأحمد مندور وأحمد أبو رحمة في فحص العقار، ومراجعة كاميرات المراقبة المطلة على الباب والتي رصدت دخول شخصين العقار محل سكن الضحية في تمام السادسة و6 دقائق غادرا بعد 14 دقيقة، لكن لم يتعرف عليهم أحد من الجيران.

بمرور 48 ساعة من عمل فريق البحث اتجهت أصابع الاتهام إلى سمسار له مشاهدات عدة مع المجني عليه ودائم الاتصال به فجاءت الانفراجة مع صباح اليوم الثالث لدى مناقشته إذ أقر بالتخطيط للجريمة بالاشتراك مع سمسار ثان و3 آخرين أدلى ببياناتهم جميعهم من محافظة المنيا.

أضحت المهمة أكثر سهولة مع تحديد المشتبه بهم، انطلقت مأموريات قاصدة محل إقامتهم والأماكن التي يترددون عليها، وتمكن الرائد مجدي عوض والنقيبيان كريم عبد الرازق وأحمد أبو رحمة معاونو المباحث من ضبطهم في 3 مناطق متفرقة بالجيزة، واقتيادهم إلى ديوان القسم للتحقيق.

وتبين أن المتهمين كل من: "حسن. أ" 35 سنة، سمسار، و"منصور. إ" 45 سنة حارس عقار مجاور للأول، المطلوب لتنفيذ حكم سنة "تبديد"، و"مصطفى. م" 30 سنة عامل وشهرته "الكومي" سبق اتهامه في 4 قضايا (اعتداء على منشأة – شروع في قتل – مشاجرة) وهارب من حكم بالحبس سنة، بالاشتراك مع "عزت. ر" 39 سنة، و"مرعي.م" 38 سنة، حارسا عقار بالطالبية، وبحيازتهم 37 ألف جنيه و6 آلاف ريال يمني.

بهدوء وثبات انفعالي شرح المتهم الأول خطته الشيطانية، وأنه سلم نسخة مفتاح الشقة للثاني لسرقتها في أثناء غياب المجني عليه إلا أنه تلاحظ وجود المجني عليه بصفة مستمرة فاتفق مع "الكومي" دون علم صديقه السمسار، والذي استعان بباقي المتهمين.

يوم الواقعة توجه المتهمون إلى العقار المقصود، وانتظر أحدهم بالأسفل لمراقبة الطريق، وصعد اثنان للشقة، وطرقا بابها، ولدى فتح المجني عليه دفعاه وقيداه واستوليا على المبلغ، وتركاه دون فك قيده أو نزع اللاصقة من على فمه مما أدى إلى اختناقه لتسدل مديرية أمن الجيزة الستار عن الجريمة التي كانت محل حديث أهالي المنطقة وسط تناول إعلامي من الجانب اليمني.

شقة الضحية

إعلان

إعلان

إعلان