الشيخ أحمد سعيد فرماوي
قال الشيخ أحمد سعيد فرماوى، من علماء وزارة الأوقاف، إن سورة يوسف فى القرآن الكريم تنفرد بخصائص بنائية وسردية تجعلها نموذجاً متكاملاً لإعجاز القصة؛ إذ توافرت لها كافة الأركان الفنية من وحدة البطل، وتسلسل الأحداث، والزمان، والمكان الذى اتخذ من أرض مصر المحروسة مسرحاً لجميع فصوله المشوقة.
وأوضح فرماوي، خلال لقائه ببرنامج" الكنز"، المذاع على قناة" الحدث اليوم": أن هذه السورة، التى تسرد أحداثاً ممتدة بسلاسة فى سياق واحد دون انقطاع، تأتى لتقدم للرأى العام الإسلامى والإنسانى ما هو أبعد من العِبرة التاريخية، متمثلة فى مقاصد استراتيجية ومنهاج عملى شامل.
مقصدان رئيسيان لسورة يوسف
ولفت إلى أن سورة يوسف نزلت لتحقيق مقصدين رئيسيين فى غاية الأهمية،المقصد الأول (التسرية والدعم النفسي)، حيث التسلية والمواساة لقلب الرسول محمد ﷺ وقلوب أصحابه من المهاجرين والأنصار الذين عانوا من بطش قريش، لتثبيت نفوسهم وتأكيد أن العاقبة للمتقين، والمقصد الثانى (المنهاج العملي) وتقديم نموذج تطبيقى متكامل لبناء المجتمع؛ حيث لا تقتصر السورة على الجانب الروحى، بل تقدم منهاجاً خلقياً، واجتماعياً، وسياسياً، واقتصادياً يغطى كافة المراحل العمرية للإنسان من الطفولة والشباب إلى الشيخوخة.
سبب نزول السورة والرد على المشككين
وأشار إلى أنه تعود أسباب نزول السورة إلى تنسيق جرى بين يهود المدينة ومشركى مكة؛ حيث حرض الأحبارُ كفارَ مكة على اختبار النبى وعجزه يسألونه: «أخبرنا عن قصة يوسف؟»، ظناً منهم أن أميته ﷺ ستمنعه من الإجابة، كونه لم يجلس يوماً إلى حبر يهودى أو عالم نصرانى، وعندما حاول المشركون التشكيك بادعاء أن غلاماً نصرانياً رومياً يدعى «بُجير» (أو جبر الرومي) كان يعمل حداداً فى مكة هو من يعلم النبى، جاء الرد القرآنى حاسماً: فـ«بجير» كان يتحدث الرومية ولا يفقه من العربية حرفاً، بينما جاءت السورة بقمة البيان العربى.
وفى سياق الإعجاز اللفظى، لفت إلى الحروف المقطعة فى أوائل السور مثل (أ ل ر)، موضحًا أنه من العجائب الرقمية واللغوية، أن علماء الدين لو جمعوا هذه الأحرف الـ 14 المقطعة فى القرآن دون تكرار، لتشكلت منها جملة بليغة: «نص حكيم قاطع له سر»، وهو ما يمثل تحدياً مستمراً للمشككين.
أوجه التشابه بين يوسف والنبي محمد ﷺ
وأكد أن القراءة التحليلية للسورة تظهر تفاصيل مذهلة من التشابه البنيوى بين مسيرة نبى الله يوسف، ومسيرة الرسول محمد ﷺ، وهى تفاصيل تفسر لماذا كانت السورة بلسماً لقلب النبى، أولاً تحقق الرؤى الصالحة، حيث بدأ الصديق حياته برؤية تحققت فى ختامها، وكذلك النبى ﷺ الذى بدأت نبوته بالرؤيا الصالحة التى كانت تأتى كفلق الصبح، وعلمياً مكث النبى 6 أشهر يرى هذه الرؤى من إجمالى 23 سنة للبعثة، وهو ما يفسر الحديث النبوى بأن الرؤية الصالحة جزء من 46 جزءاً من النبوة، وثانياً أذى الأقربين، حيث أوذى يوسف من إخوته الذين ألقوه فى البئر، بينما أوذى النبى ﷺ من عشيرته الأقربين فى قريش، ومن عمه «عبد العزى» (أبو لهب)، وثالثاً المؤامرة على القتل، حيث تمالأ إخوة يوسف على قتله وطرحه أرضاً، وتطابق ذلك مع ليلة هجرة النبى ﷺ عندما اجتمع رجال قريش حول بابه بنية قتله وتفريق دمه بين القبائل، ورابعاً العزل والحصار، حيث عانى يوسف من وطأة السجن والعزلة، بينما عانى النبى ﷺ وصحابته من حصار قريش الجائر فى «شِعب أبى طالب».
وشدد على أن سورة يوسف جاءت لتبرهن أن التاريخ الإيمانى يعيد نفسه؛ فالمعاناة التى يواجهها المصلحون من أقرب الناس إليهم ليست بدعاً من الأمر، وإنما هى ضريبة التمكين الاستراتيجى الذى ينتظر الصابرين، تماماً كما بدأت قصة يوسف بظُلمة البئر وانتهت بعرش مصر وإدارة خزائنها.
اقرأ ايضًا:
هل تجوز سجدة واحدة للسهو في الصلاة؟.. أمين الفتوى يجيب
هل تختلف عدة المرأة عند الخلع أو الطلاق؟.. أمينة الفتوى تجيب
الإفتاء تحذر من تهكير الحسابات الإلكترونية: الخصوصية محترمة شرعًا وقانونًا