ورد سؤال إلى لجنة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، من سائل يقول:" ما حكم الصلاة على الجنازة عند القبر بعد الدفن؛ حيث توفي شابٌّ في حادثٍ أليم، ولم يتمكَّن المشيّعون من الصلاة عليه قبل دفنه؛ نظرًا للازدحام الشديد، والخوف من إحداث مشكلات، فدفنوه بعد غسله وتكفينه ولم يصلوا عليه، فصلَّى عليه بعض الناس عند المقبرة، فهل تكفي هذه الصلاة في إسقاط صلاة الجنازة في حقِّ المشيِّعين؟ وهل هناك إثمٌ عليهم في دفنه من غير صلاة عليه؟
وأجاب عن ذلك الدكتور شوقي علام، مفتي الجمهورية السابق، موضحًا الرأي الشرعي في تلك المسألة.
وقال المفتي السابق، أن الشرع الشريف حث على صلاة الجنازة ورتَّب عليها الأجر والثواب، وجعلها من حقِّ المسلم على أخيه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ شَهِدَ الجَنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّي فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنْ شَهِدَ حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ»، قيل: وما القيراطان؟ قال: «مِثْلُ الجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْنِ» متفق عليه.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبعٍ ونهانا عن سبعٍ، وذكر منها "اتباع الجنازة" متفق عليه.
حكم صلاة الجنازة
وأضاف مفتي الجمهورية السابق، في فتوى منشورة عبر البوابة الرسمية لدار الإفتاء المصرية: أن العلماءُ قد أجمع على أنَّ صلاة الجنازة على الميت فرض كفاية؛ إذا قام بها البعض يسقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم بها أحدٌ أثِمَ الجميع.
حكم الصلاة على الجنازة عند القبر بعد الدفن
وأوضح الدكتور شوقي علام، أن الفقهاء نص على مشروعية صلاة الجنازة على من دُفِنَ ولم يُصلَّ عليه، ما لم يمض عليه زمن يُظَنُّ معه تغيُّر جسده، وأنَّ هذا يُسْقِط الفرضَ الكفائي لصلاة الجنازة، والأصلُ في ذلك فِعْلُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن امرأة -أو رجلًا- كانت تَقُمُّ المسجد -ولا أراه إلا امرأة-، فذكر حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهَا" رواه البخاري؛ فإن جازت الصلاة لمن صُلِّيَ عليه؛ جازت لمن لم يُصَلَّ عليه من باب أولى.
قال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (1/ 315): [ولو دُفِنَ بعد الغسل قبل الصلاة عليه: صُلِّيَ عليه في القبر، ما لم يعلم أنه تفرَّق، وفي "الأمالي" عن أبي يوسف أنه قال: يصلَّى عليه إلى ثلاثة أيام، هكذا ذكر ابن رستم عن محمد، أما قبل مضي ثلاثة أيام: فلِـمَا روينا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قبر تلك المرأة، فلما جازت الصلاة على القبر بعد ما صُلِّي على الميت مرةً؛ فلأن تجوز في موضعٍ لم يُصَلَّ عليه أصلًا أوْلَى، وأما بعد الثلاثة أيام لا يُصَلَّى؛ لأن الصلاة مشروعة على البدن، وبعد مضي الثلاث ينشقُّ ويتفرق فلا يبقى البدن، وهذا لأن في المدة القليلة لا يتفرق، وفي الكثيرة يتفرق، فجعلت الثلاث في حد الكثرة؛ لأنها جمع والجمع ثبت بالكثرة، ولأن العبرة للمعتاد، والغالب في العادة أن بمضي الثلاث يتفسخ ويتفرق أعضاؤه، والصحيح أنَّ هذا ليس بتقدير لازم؛ لأنه يختلف باختلاف الأوقات في الحر والبرد، وباختلاف حال الميت في السِّمَنِ والهُزَال، وباختلاف الأمكنة فيحكم فيه غالب الرأي وأكبر الظن] اهـ.
الإثم المترتب على دفن الميت من غير صلاة عليه بدون عذر
وبين المفتي السابق، أن صلاةُ الجنازة على القبر حال عدم الصلاة على الميت قبل ذلك وإن كانت تسقط فرضها؛ إلَّا أنَّه يترتب على دفن الميت من غير صلاةٍ عليه إثمٌ عظيم وتقصير في الحق الواجب للمسلم على أخيه المسلم، ما لم يكن هناك عذرٌ، فلو وُجِدَ العُذرُ سَقَطَ الاثم وارتَفَعَ الحرج.
قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (2/ 69، ط. دار المعرفة): [وإن دُفن قبل الصلاة عليها صُلِّيَ في القبر عليها، إنما لا يُخرج من القبر؛ لأنه قد سُلم إلى الله تعالى وخرج من أيديهم؛ جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنْزلٍ مِنْ مَنَازِلِ الْآخِرَةِ»، ولكنهم لم يؤدوا حقه بالصلاة عليه] اهـ.
اقرأ ايضًا:
من "دكاكين السلفية".. أمين الفتوى يحذر من منصة "دار الإفتاء الإلكترونية"
ما حكم التنازل عن تخصيص قطعة أرض بمقابل مالي؟.. المفتي يوضح
هل من مات مضربًا عن الطعام شهيد؟.. عالم أزهري يرد