قرية أوروبية تتحول إلى مملكة ليوم واحد وتمنح زوارها تأشيرات وعملة خاصة
كتب : أحمد الضبع
احتفال
في تقليد سنوي غير مألوف، تتحول إحدى قرى جنوب شرق إستونيا ليوم واحد إلى "مملكة" رمزية، في احتفال يجمع بين الأزياء التقليدية والموسيقى والرقص، ويمنح الزوار تأشيرات دخول بدلا من تذاكر الحضور، إلى جانب استخدام عملة خاصة وتنظيم عرض عسكري رمزي.
وتستضيف قرية ميكيتاماي احتفالات "يوم مملكة سيتو"، التي تجمع أفراد مجتمع "سيتو" العرقي، في محاولة للحفاظ على ثقافتهم ولغتهم وتقاليدهم التي تواجه خطر الاندثار، بحسب وكالة "أسوشيتد برس".
مملكة بلا حدود.. حكاية بدأت قبل أكثر من 30 عاما
تعود فكرة الاحتفال إلى عام 1994، بعدما وجد أبناء مجتمع "سيتو" أنفسهم موزعين بين جانبي الحدود الإستونية الروسية، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي.
وأصبح أفراد المجتمع المقيمون على جانبي الحدود بحاجة إلى تأشيرات لعبور الحدود وزيارة أقاربهم أو الوصول إلى مقابر عائلاتهم، قبل أن يتحول هذا الواقع إلى جزء رمزي من الاحتفال السنوي.
ويبلغ عدد المتحدثين بلغة "سيتو" بضعة آلاف فقط ممن يستخدمونها في حياتهم اليومية، رغم أن نحو 25 ألف شخص في إستونيا أفادوا في تعداد عام 2021 بأنهم قادرون على التحدث بها.
أزياء فضية تكشف تفاصيل حياة أصحابها
وتتحول شوارع القرية الهادئة خلال الاحتفال إلى مشهد مختلف، حيث يرتدي الرجال والنساء الأزياء التقليدية الملونة، فيما تتزين النساء بسلاسل وقطع نقدية فضية تتدلى حول أعناقهن وتصدر أصواتا أثناء الحركة والرقص.
وتقول إحدى المقولات المحلية إنك "تسمع امرأة من سيتو قبل أن تراها"، بسبب صوت السلاسل والعملات الفضية التي ترتديها.
وكانت هذه الملابس ترتدى بشكل يومي قبل نحو قرن، لكنها أصبحت في الوقت الحالي مرتبطة بالمناسبات والاحتفالات الخاصة.
وتوضح الناشطة الثقافية بيريت تورم كريس أن ملابس "سيتو" تحمل الكثير من المعلومات عن صاحبتها، إذ يمكن من خلالها معرفة ما إذا كانت متزوجة أو عزباء، وما إذا كانت متجهة إلى الكنيسة أو السوق أو إحدى المناسبات.
انتخابات لاختيار زعيم المملكة
ولا تكتفي الاحتفالات بالأزياء والرقص، إذ يشهد "يوم المملكة" انتخاب قائد جديد لمجتمع سيتو، يحمل لقب "أوليمسوتسكا"، وينظر إليه باعتباره ممثلا للمجتمع ورسولا للإله "بيكو" في الموروث الشعبي المحلي.
ويعود "بيكو" إلى المعتقدات القديمة لدى مجتمع سيتو، الذي يجمع بين التقاليد المسيحية الأرثوذكسية وبعض عناصر الأساطير السابقة للمسيحية.
وخلال الاحتفال، يعلن المرشحون برامجهم أمام أبناء المجتمع وهم يقفون فوق جذوع الأشجار، قبل أن يصطف المشاركون خلف المرشح الذي يختارونه، ممسكين بخيوط تمتد لمئات الأمتار.
وفي احتفال هذا العام، حصلت صانعة الأزياء الشعبية إنجريت كالا على أطول طابور من المؤيدين، لتعلن ممثلة جديدة لمجتمع سيتو.
وقالت كالا إن أولوياتها تتمثل في الترويج لثقافة سيتو والحفاظ على لغتها، مؤكدة رغبتها في إظهار المهارات والحرف المختلفة التي يمتلكها أبناء المجتمع.
أغنية عمرها أكثر من ألف عام
وتحتل الموسيقى مكانة أساسية في الاحتفال، خصوصا تقليد الغناء الجماعي المعروف باسم "ليلو"، الذي يعتقد أن عمره يتجاوز ألف عام، وأدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي.
ويبدأ الغناء عادة بصوت امرأة تؤدي السطر الأول، قبل أن تنضم إليها مجموعة من المغنيات في نهايته، لتتشابك الأصوات في أداء جماعي مميز.
وتحمل كلمات أغاني "ليلو" موضوعات وأساطير تناقلتها الأجيال شفهيا، وكانت الأغاني قديما ترافق مختلف تفاصيل الحياة اليومية، من العمل والطقوس إلى الاحتفالات والمناسبات.
وتقول الباحثة في غناء "ليلو" ماري بالوليل إن هذه الأغاني تحمل معلومات كثيرة عن العالم الذي نشأت فيه، وتكشف كيف كان الناس يفكرون وما الذي كان مهما بالنسبة إليهم وما المعتقدات التي آمنوا بها.
معركة الحفاظ على لغة مهددة
ورغم استمرار تقاليد مجتمع سيتو، يواجه أفراده تحديا كبيرا في الحفاظ على لغتهم، التي تعتبرها إستونيا لهجة من اللهجات الإستونية، بينما يرى أبناء المجتمع أنها لغة مستقلة لها نطقها وقواعدها ومفرداتها الخاصة.
وتوجد في منطقة "سيتوما" مجموعة لرياض الأطفال يتحدث أفرادها اللغة، إلى جانب صحيفة تصدر بها، كما ترجمت إليها بعض الكتب، من بينها رواية "الأمير الصغير".
لكن اللغة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على انتقالها داخل الأسرة، وهو ما يجعل استخدامها في المنزل عاملا حاسما في استمرارها بين الأجيال الجديدة.
وتقول إنجريت كالا إن تعليم اللغة في المدرسة وحده لا يكفي إذا لم يكن الأطفال يسمعونها ويتحدثون بها داخل منازلهم.
أما ماريا جرونبرج، البالغة من العمر 23 عاما، فقد تعلمت لغة سيتو من خلال الاستماع إلى أغاني "ليلو" ومحاولة ترديدها منذ طفولتها، قبل أن تصبح قائدة لجوقة الشباب.
وتقول جرونبرج إنها تأمل في أن تتمكن الأجيال المختلفة من الحفاظ على الأغاني واللغة، وأن تثبت للشباب أن ثقافة سيتو ليست حكرا على كبار السن، وإنما يمكن للجميع المشاركة فيها والحفاظ عليها.
اقرأ أيضا:
التوتر قد يعيد تنشيط الهربس.. كيف يؤثر الضغط النفسي على المناعة؟
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News
اعرف برجك من تاريخ ميلادك