لم يكن الصياد الأردني مروان شريم يتوقع أن تقوده رحلة صيد عادية في خليج العقبة إلى اكتشاف ذي أهمية علمية، فبدلا من السمكة التي كان يستهدفها، اصطادت سنارته نوعا نادرا من أسماك الراي، ليتحول الصيد لاحقا إلى أول تسجيل موثق لظهور "الراي اللاسع المحيطي" في البحر الأحمر.
وكان شريم قد توجه إلى مياه الخليج بحثا عن سمكة أبو سيف، المعروفة عالميا باسم سوردفيش، والتي تعيش عادة في المياه العميقة، إلا أن الطعم جذب سمكة أخرى كانت تتحرك في مستوى أقرب إلى سطح البحر، وعندما تمكن من إخراجها، لاحظ اختلافها عن الأنواع التي اعتاد التعامل معها.
صورة على مواقع التواصل تكشف أهمية الصيد
ولم تتوقف قصة السمكة عند رحلة الصيد، إذ نشر شريم صورا ومقطعا لها عبر حسابه على إنستجرام، وهو ما لفت انتباه الباحثة أشلي مكايفر، مديرة إدارة حماية البيئة واستعادة النظم البيئية بشركة البحر الأحمر الدولية في منطقة حناك بالسعودية.
وبعد التواصل مع الصياد، بدأت عملية فحص وتوثيق العينة، وصولا إلى إدراج الاكتشاف في دراسة علمية نشرت حديثا في دورية فرونتيرز إن فيش ساينس (Frontiers in Fish Science)، بمشاركة شريم ضمن الفريق البحثي.
سمكة ذات مظهر لافت وموطن مختلف
النوع الذي عثر عليه ينتمي إلى الراي اللاسع المحيطي، واسمه العلمي "بتيروبلاتيترايجون فيولاسيا"، وينتشر في مناطق من المحيطات الأطلسي والهندي والهادي، كما سجل وجوده في البحر المتوسط.
وتحمل السمكة أسماء شعبية متعددة في المناطق التي تظهر فيها، من بينها سمكة الشيطان وغراب البحر، في إشارة إلى ملامحها غير المألوفة.
كما تختلف عن العديد من أنواع الراي في طبيعة موطنها، فبدلا من الارتباط بالمياه الساحلية الضحلة، يمكن العثور عليها في مناطق أكثر بعدا عن الشاطئ.
وتتميز بجسم مفلطح عريض، مع لون داكن يتدرج بين البني الأرجواني والأسود، إضافة إلى شكل مميز للزعانف الصدرية ورأس قصير ومستدير، كما توجد صفوف من التكوينات الجلدية الصغيرة على منتصف الجسم، بينما يغيب عن الجزء السفلي اللون الفاتح الذي يظهر لدى أنواع عديدة من أسماك الراي.
كيف وصلت إلى خليج العقبة؟
يمثل ظهور هذا النوع في خليج العقبة لغزا علميا أكثر منه اكتشافا تجاريا، فالسمكة لا تعد من الأنواع الأساسية في المصايد، وغالبا ما تكون جزءا من الصيد العرضي الذي لا يستهدفه الصيادون.
وتطرح الدراسة عدة تساؤلات بشأن وجودها في المنطقة، أبرزها ما إذا كانت السمكة قد وصلت إلى البحر الأحمر حديثا، أو أنها تعيش فيه منذ فترة دون أن يلاحظها الباحثون والصيادون.
ويضع الباحثون احتمالين رئيسيين لمسار وصولها، الأول يتمثل في انتقالها من المحيط الهندي عبر باب المندب باتجاه شمال البحر الأحمر وصولا إلى خليج العقبة، أما الاحتمال الآخر فيرتبط بانتقالها عبر قناة السويس من البحر المتوسط جنوبا إلى البحر الأحمر، في إطار ما يعرف علميا بـ"الهجرة اللسبسية"، وهي حركة الأنواع البحرية بين البحرين عبر القناة.
وتبدو فرضية الانتقال من المحيط الهندي أكثر ترجيحا وفق الدراسة، خاصة مع وجود النوع في بحر العرب ومناطق من غرب المحيط الهندي، لكن الباحثين يشيرون إلى أن تحديد طريق وصول السمكة بشكل نهائي يحتاج إلى تحليلات وراثية أو بيانات ناتجة عن عمليات تتبع.
ظروف خليج العقبة قد تسمح ببقائها
بحثت الدراسة كذلك في الظروف البيئية لخليج العقبة، وما إذا كانت مناسبة لاستقرار هذا النوع.
وتتراوح حرارة سطح المياه في الخليج بين نحو 21 درجة مئوية في الشتاء و27 درجة في الصيف، وهي ضمن المجال الحراري الذي أظهرت دراسات سابقة قدرة السمكة على تحمله، والمقدر بنحو 13 إلى 27 درجة مئوية.
كما تؤدي حركة الرياح في الجزء الشرقي من الخليج إلى صعود المياه من الأعماق، الأمر الذي يمكن أن يعزز الإنتاجية البحرية وتوافر العوالق النباتية، وهي عوامل قد تساعد في توفير بيئة مناسبة للنوع.
أما الملوحة، فتظل من النقاط التي تحتاج إلى مزيد من البحث، إذ تتراوح في خليج العقبة بين 40.3 و40.8 وحدة ملوحة، وهي أعلى من المستويات التي ارتبط بها وجود النوع في بعض الدراسات السابقة.
لكن تسجيل السمكة في شرق البحر المتوسط، حيث تصل الملوحة إلى مستويات تتراوح بين 38 و39، قد يشير إلى أن قدرتها على تحمل الملوحة أكبر مما كان معروفا سابقا.
اكتشاف واحد أم وجود غير مكتشف؟
لا يستطيع الباحثون حتى الآن الجزم بأن العينة التي اصطادها شريم تمثل أول سمكة من هذا النوع تصل إلى البحر الأحمر، فقد تكون هناك عينات أخرى ظهرت في مصايد المنطقة ولم يجر التعرف إليها أو توثيقها.
وتزداد احتمالية هذا السيناريو لأن الراي اللاسع المحيطي قد يقع ضمن المصيد العرضي للصيادين، ما يعني أن بعض العينات ربما أُعيدت إلى البحر قبل أن تخضع للفحص.
ولهذا يرى الباحثون أن تسجيل العينة في خليج العقبة ينبغي أن يكون نقطة بداية لمزيد من عمليات الرصد، بهدف معرفة ما إذا كان النوع موجودا بصورة مستقرة في البحر الأحمر، وما إذا كانت له جماعة متكاثرة في المنطقة.
اقرأ أيضا:
أفعى غريبة بذيل يشبه العنكبوت.. حيلة مذهلة لاصطياد الطيور
قرى حول العالم اختار سكانها العيش داخل الكهوف.. كيف تبدو حياتهم؟