مشمش أفندي (1)
كتبت- أسماء مرسي:
فيلم "مشمش أفندي" من الأعمال البارزة في تاريخ الرسوم المتحركة، إذ يمثل أول تجربة كرتونية مصرية أدت دورا مهما في تأسيس هذا الفن.
بداية أول بطل كرتوني عربي
وفقا لـ"bbc"، يعود ظهور أول فيلم رسوم متحركة قصير في العالم العربي إلى عام 1936، تحت عنوان "مفيش فايدة، مشمش أفندي"، وهو العمل الذي قد شهد الميلاد الفعلي لشخصية "مشمش أفندي"، قبل أن تتحول لاحقا إلى سلسلة أفلام قصيرة حققت حضورا لافتا في بدايات السينما المصرية.
عائلة فرنكل وبدايات الحلم
تعود جذور القصة إلى عائلة بيزاليل فرنكل وزوجته جينزا، اللذين غادرا روسيا عام 1905 واستقرا في مدينة يافا، قبل أن ينتقلا لاحقا إلى الإسكندرية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى هربا من الاضطرابات.
وفي مصر، استقرت العائلة لسنوات، حيث عمل بيزاليل في صناعة المفروشات وحصل على تقدير من اللجنة الزراعية الملكية المصرية، إضافة إلى عمله في التصوير الفوتوغرافي، وهو ما انعكس بشكل واضح على موهبة أبنائه الفنية، خاصة شلومو ودافيد وهرتشل، الذين عُرفوا لاحقا باسم "الإخوة فرنكل"، ولقّبوا بـ"والت ديزني مصر".
ميكي ماوس في مصر
شهدت مصر في عشرينيات القرن الماضي ازدهارا سينمائيا لافتا، وكانت من أوائل الدول العربية التي عرفت دور العرض واستوديوهات التصوير، خاصة في القاهرة والإسكندرية.
وفي عام 1928، ظهر فيلم "ستيمبوت ويلي" الذي قدّم شخصية "ميكي ماوس"، وهو من أوائل أفلام الرسوم المتحركة الناطقة، وقد شكل عرضه في مصر نقطة تحول في تفكير الإخوة فرنكل، بعدما ألهمهم فكرة إنتاج شخصية كرتونية مصرية.
ومن هنا، بدأت محاولاتهم داخل ورشة والدهم في الإسكندرية، والتي تحولت إلى أول استوديو بدائي للرسوم المتحركة في المنطقة، لتبدأ أولى الخطوات نحو ولادة "مشمش أفندي".
من "مفيش فايدة" إلى مشمش أفندي
بدأت التجارب الأولى بشخصيات بسيطة، من بينها قرد يُدعى "ماركو"، لكنها لم تحقق النجاح المطلوب.
وخلال محاولاتهم للبحث عن دعم مالي، توجه الإخوة إلى طلعت باشا حرب، مؤسس بنك مصر، الذي رفض تمويل المشروع قائلا عبارته الشهيرة: "مفيش فايدة".
هذه العبارة تحولت لاحقا إلى عنوان أول فيلم لهم: "مفيش فايدة، مشمش أفندي"، ومنها انطلقت الشخصية التي ستصبح لاحقا علامة بارزة في تاريخ الكرتون المصري.
ملامح شخصية مشمش أفندي
ظهر مشمش كشخصية مصرية شعبية، شاب يرتدي طربوشا ويتحدث باللهجة العامية، مستوحى من روح الكاريكاتير الشعبي في ثلاثينيات القرن الماضي.
ومع تطور الأعمال، أصبحت الشخصية محور سلسلة أفلام اجتماعية وتوعوية، وشاركتها البطولة شخصية "بهية"، قبل أن يتحول "مشمش" تدريجيا إلى النجم الأساسي للسلسلة.
نجاح مشمش وانتشاره
حققت أفلام "مشمش أفندي" انتشارا ملحوظا في مصر، وقدمت محتوى يجمع بين الترفيه والتوعية، مثل فيلم "مفيش مخ" الذي تناول سلوكيات المرور، وفيلم "مشمش أفندي في الدفاع الوطني" الذي دعم جهود الحرب خلال الحرب العالمية الثانية.
كما ظهر "مشمش" إضافة إلى عدد من نجوم العصر مثل صباح وتحية كاريوكا، ما برز شعبيته ومكانته كأحد أوائل نجوم الرسوم المتحركة في العالم العربي.
من النجاح إلى التحديات
انتقل الإخوة فرنكل لاحقا إلى القاهرة، حيث واصلوا تطوير أعمالهم، وتمكن شلومو من ابتكار آلة عرض متنقلة ساهمت في نشر الأفلام على نطاق أوسع.
لكن مع أحداث عام 1948 وما تبعها من تغيرات سياسية، غادرت العائلة مصر إلى فرنسا، لتبدأ مرحلة جديدة أكثر صعوبة.
تجربة "ميميش" في فرنسا
في فرنسا، حاول الإخوة تقديم نسخة جديدة من الشخصية تحت اسم "ميميش"، مع تعديلات بسيطة على الشكل واللغة، لكن المشروع لم يحقق النجاح نفسه.
كما قدموا لاحقا مشروع فيلم ملون جديد ببطولة شخصية "جيني"، إلا أنه لم يُعرض رغم الانتهاء منه، لتتوقف بذلك مسيرتهم الفنية تدريجيا.
توثيق تاريخ مشمش أفندي
بعد وفاة الإخوة فرنكل، عُثر على أرشيف كامل لأعمالهم داخل قبو منزل العائلة في فرنسا على يد حفيد شلومو، حيث وُجدت بكرات أفلام ورسومات ووثائق نادرة توثق تاريخ "مشمش أفندي".
وقد تم لاحقا ترميم هذه المواد في فرنسا، لتكشف عن قيمة فنية وتاريخية كبيرة لأحد أقدم تجارب الرسوم المتحركة في العالم العربي.
اقرأ أيضًا:
من ميكي ماوس إلى سنو وايت.. أشهر شخصيات الرسوم المتحركة على مر العصور