بعد سنوات طويلة من التدهور البيئي، بدأت غابات متنزه يلوستون الوطني بالولايات المتحدة تشهد تحولا لافتا، مع ظهور مؤشرات على استعادة أشجار الحور الرجراج قدرتها على النمو والتكاثر، في تطور يعيد تسليط الضوء على الدور الذي تؤديه الحيوانات المفترسة في حماية التوازن الطبيعي.
وكشفت دراسة علمية حديثة عن انتشار نموات جديدة من هذه الأشجار في عدد من مناطق المتنزه، حيث تمكنت بعض النباتات من الوصول إلى أحجام وارتفاعات لم ترصد في مواقع البحث منذ أربعينات القرن الماضي، وهو ما يرجح ارتباطه بعودة الذئاب الرمادية إلى المنطقة قبل نحو ثلاثة عقود، بحسب sciencedirect.
اختفاء الذئاب فتح الباب أمام تدهور الغابات
ولفهم ما يحدث حاليا في يلوستون، تعود القصة إلى ثلاثينات القرن الماضي، عندما اختفت الذئاب الرمادية من المنطقة بحلول عام 1930، نتيجة حملات الصيد والبرامج التي استهدفت القضاء عليها، إلى جانب تراجع موائلها الطبيعية.
ومع غياب هذا المفترس من السلسلة الغذائية، شهدت أعداد الأيائل ارتفاعا كبيرا، حتى وصلت إلى نحو 18 ألف حيوان خلال ذروة انتشارها داخل المتنزه.
وأدى هذا الارتفاع إلى زيادة الضغط على النباتات والأشجار الصغيرة، إذ اعتمدت الأيائل على التغذي على الأوراق والأغصان واللحاء، ما تسبب في إعاقة نمو أشجار الحور الرجراج ومنع أعداد كبيرة منها من الوصول إلى مرحلة النضج.
وبمرور السنوات، تراجعت قدرة الغابات على تجديد نفسها، وأصبحت الأشجار القديمة تهيمن على مساحات واسعة، دون ظهور أجيال جديدة كافية لتعويض الأشجار التي تموت.
عودة الذئاب تحمل مؤشرات على تغير المشهد
بدأت ملامح التغيير تظهر بعد إعادة إدخال الذئاب الرمادية إلى متنزه يلوستون عام 1995، عندما أُطلق 14 ذئبا في المنطقة ضمن جهود استعادة التوازن البيئي.
وساعدت عودة هذه الحيوانات المفترسة على تغيير طبيعة العلاقة بين الكائنات داخل المتنزه، مع تراجع أعداد الأيائل بصورة كبيرة مقارنة بمستوياتها السابقة، إذ تشير التقديرات إلى وصولها حاليا إلى نحو ألفي أيل.
ولم يقتصر تأثير هذا التغير على أعداد الحيوانات، بل امتد إلى الغطاء النباتي، حيث أصبحت بعض المناطق توفر ظروفا أفضل لنمو الأشجار الصغيرة بعيدا عن ضغط الرعي السابق.
دراسة تكشف عودة نمو الأشجار بعد عقود
وللتحقق من حجم التغير الذي شهدته الغابات، أجرى فريق بحثي بقيادة لوك بينتر، عالم البيئة بجامعة ولاية أوريجون، دراسة ميدانية جديدة أعادت تقييم ثلاث مناطق سبق فحصها عام 2012.
وشمل العمل البحثي 87 تجمعا من أشجار الحور الرجراج، بهدف مقارنة حالة النباتات ورصد مدى قدرتها على النمو خلال السنوات الماضية.
وأظهرت النتائج أن نحو ثلث المواقع المدروسة شهد ظهور أشجار صغيرة وطويلة موزعة على مساحات مختلفة، بينما سجل ثلث آخر مجموعات نباتية تمكنت من الوصول إلى ارتفاعات أكبر.
ومن أبرز المؤشرات التي وثقها الباحثون ظهور أشجار تجاوز قطر جذوعها 5 سنتيمترات عند مستوى الصدر، وهي أحجام لم تكن قد سجلت في مواقع الدراسة منذ أربعينات القرن العشرين.
وأشار بينتر إلى أن الفريق لاحظ نموا جديدا وواضحا لأشجار الحور الرجراج الصغيرة، مؤكدا أن هذه المشاهدات تمثل تطورا لم يسبق رصده في المواقع التي شملتها الأبحاث.
تحديات جديدة تهدد استمرار التعافي
وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية، لا تزال عملية استعادة الغابات تواجه مجموعة من التحديات، إذ قد تؤثر زيادة أعداد البيسون الأمريكي في بعض مناطق يلوستون على النباتات الصغيرة، نتيجة اعتماد هذه الحيوانات على الرعي في غذائها.
كما لاحظ الباحثون مؤشرات محتملة على ارتفاع أعداد الدببة وأسود الجبال، لكنهم لم يتمكنوا من تحديد الأسباب المؤكدة وراء هذه التغيرات حتى الآن.
كيف تعيد المفترسات التوازن إلى الطبيعة؟
تسلط تجربة يلوستون الضوء على ظاهرة بيئية تعرف باسم التأثير المتسلسل في السلسلة الغذائية، وهي عملية تنتقل خلالها آثار التغير في أعداد نوع معين من الكائنات إلى مستويات أخرى داخل النظام البيئي.
فوجود الذئاب لا يرتبط فقط بافتراس الأيائل والحد من أعدادها، بل يمكن أن ينعكس أيضا على الغطاء النباتي، من خلال تقليل الضغوط التي تتعرض لها الأشجار والنباتات الصغيرة، وإتاحة فرص أكبر أمامها للنمو والتجدد.
وتقدم النتائج الجديدة مثالا على مدى الترابط بين الكائنات الحية داخل البيئات الطبيعية، وكيف يمكن للتغير في وجود أحد المفترسات الرئيسية أن يترك آثارا تمتد إلى الغابات والنباتات.
اقرأ ايضًا: