تتسبب تجارة السجائر المهربة في خسائر اقتصادية وصحية واسعة، وتسهم في زيادة انتشار التدخين بين الفئات الأقل دخلا والقُصّر، وتحرم الحكومات من مليارات الدولارات من الإيرادات الضريبية، فضلا عن ارتباطها بأنشطة الجريمة المنظمة وغسل الأموال، في الوقت الذي قد تحقق فيه صناعة التبغ مكاسب من استمرار هذه التجارة غير المشروعة.
ووفقا لموقع Expose Tobacco، فإن نحو 98% من السجائر المتداولة في الأسواق غير المشروعة صنعت في الأصل بواسطة شركات تبغ قانونية، قبل أن يتحول مسارها خلال مراحل التوزيع والإمداد إلى قنوات البيع غير القانونية.
ما تجارة التبغ غير المشروعة؟
تشمل تجارة التبغ غير المشروعة تصنيع منتجات التبغ أو توزيعها أو بيعها بالمخالفة للقوانين، سواء من خلال التهريب أو التزوير أو التهرب من الضرائب والرسوم المستحقة.
وهناك اختلاف بين السجائر المهربة والمقلدة؛ فالسجائر المقلدة تحمل شعارات وعلامات تجارية مزيفة تحاكي منتجات الشركات الأصلية، بينما قد تكون السجائر المهربة مصنعة بالفعل بواسطة شركات حقيقية، لكنها تحول إلى قنوات بيع غير قانونية في مرحلة ما من سلسلة الإمداد.
وتشير بيانات "أطلس التبغ"، في ملف التجارة غير المشروعة، إلى أن الجزء الأكبر من السجائر المتداولة في السوق السوداء يأتي من منتجات شركات تصنيع مشروعة، وهو ما يسلط الضوء على تعقيدات تتبع مسارات هذه التجارة ومراقبة سلاسل التوريد.

كيف تؤثر السجائر المهربة على صحة المجتمع؟
تتمثل إحدى أبرز مخاطر تجارة السجائر غير المشروعة في انخفاض أسعار المنتجات المتداولة في السوق السوداء، إذ قد تكون أرخص بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالسجائر المباعة عبر القنوات القانونية.
ويسهم انخفاض الأسعار في تسهيل حصول الفئات الأقل دخلا والقصر على منتجات التبغ، ما يزيد احتمالات بدء التدخين والاستمرار فيه، خاصة مع تراجع الحواجز السعرية التي تحد من استهلاك السجائر.
كما تسمح المنتجات المهربة والمقلدة بتجاوز عدد من إجراءات مكافحة التدخين، مثل التغليف الموحد والتحذيرات الصحية المطبوعة على العبوات والقيود القانونية المفروضة على بيع التبغ لمن هم دون السن المسموح بها.
وفي هذا السياق، أشار تقرير عن التجارة العالمية غير المشروعة للسجائر صدر عام 2009 إلى أن القضاء على هذه التجارة كان من الممكن أن يسهم في إنقاذ نحو 164 ألف حياة سنويا حول العالم بحلول عام 2030، وفق التقديرات الواردة فيه.
خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات
لا تتوقف تداعيات تجارة السجائر المهربة عند الأضرار الصحية، إذ تتسبب أيضا في خسائر مالية كبيرة للحكومات نتيجة عدم تحصيل الضرائب والرسوم المفروضة على المنتجات التي يجري تداولها خارج القنوات القانونية.
وقدر التقرير الخسائر الضريبية العالمية الناجمة عن التجارة غير المشروعة لمنتجات التبغ بنحو 40.5 مليار دولار.
وأشار التقرير نفسه إلى أن القضاء على هذه التجارة كان يمكن أن يتيح للحكومات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تحصيل أكثر من 18 مليار دولار إضافية من الضرائب، بينما كان من الممكن أن تصل الإيرادات الإضافية في البلدان مرتفعة الدخل إلى 13 مليار دولار.
وتحرم هذه الممارسات الحكومات من موارد مالية يمكن توجيهها إلى الخدمات العامة، بما فيها الرعاية الصحية والتعليم ومشروعات التنمية، فضلا عن زيادة الأعباء الاقتصادية الناتجة عن الأمراض المرتبطة بالتدخين.
علاقة تجارة التبغ بالجريمة المنظمة وغسل الأموال
وتتجاوز مخاطر تجارة السجائر المهربة الجوانب الصحية والاقتصادية، فقد تسهم في تعزيز أنشطة الجريمة المنظمة والفساد وغسل الأموال، وقد تمتد بعض عائداتها إلى تمويل أنشطة إرهابية.
وتناولت دراسة منشورة عام 2011 في مجلة "Tobacco Control" بعنوان "Cigarette smuggling and funding of rebel groups in Africa"، دور تهريب السجائر في مساعدة جماعات متمردة بأفريقيا على تمويل أنشطتها.
كما حذر تقرير مجموعة العمل المالي FATF الصادر عام 2012 بعنوان "Illicit Tobacco Trade" من أن عائدات الاتجار غير المشروع بمنتجات التبغ قد تستخدم في تمويل أنشطة إجرامية أخرى، بما فيها الإرهاب.
كيف تستفيد شركات التبغ من التجارة غير المشروعة؟
رغم إدانة شركات التبغ علنا لعمليات التهريب والتجارة غير القانونية، فإن دراسات وتقارير تناولت علاقة بعض الشركات بهذه التجارة تشير إلى وجود مكاسب تجارية واستراتيجية محتملة للصناعة من استمرار انتشار المنتجات غير المشروعة.
ومن بين هذه المكاسب زيادة انتشار العلامات التجارية والوصول إلى أسواق جديدة وتوسيع قاعدة المستهلكين، خاصة أن انخفاض أسعار السجائر المهربة يجعلها أكثر قدرة على جذب المدخنين الجدد وتشجيع المدخنين الحاليين على الاستمرار.
كما يمكن أن تساعد المنتجات المهربة في التعريف بعلامات تجارية داخل أسواق لم تكن متاحة فيها بصورة رسمية، وهو ما قد يمهد لدخول الشركات إليها لاحقا.
وتناولت دراسة منشورة عام 2004 في مجلة "Tobacco Control" بعنوان "Cigarette smuggling in the former Soviet Union"، اتهامات باستخدام شركة "بريتيش أمريكان توباكو" لمنتجات مهربة للمساعدة في دخول أسواق الاتحاد السوفيتي السابق عقب انهياره عام 1991.
ومن أوجه الاستفادة الأخرى إمكانية توظيف ملف مكافحة التهريب لتعزيز علاقات شركات التبغ مع الحكومات والجهات المعنية بإنفاذ القانون، من خلال تقديم التبرعات أو برامج التدريب أو مبادرات التعاون.
واستشهد التقرير بتقديم شركة "فيليب موريس إنترناشونال" تدريبات لأكثر من 6 آلاف مسؤول في أكثر من 20 دولة أوروبية عام 2019، ضمن جهود قالت الشركة إنها تستهدف مكافحة التجارة غير المشروعة.
ويرى منتقدو هذه الشراكات أن مشاركة شركات التبغ في جهود مكافحة التهريب قد تمنحها فرصا للتأثير في السياسات والقرارات التنظيمية، وتقديم نفسها باعتبارها طرفا أساسيا في مواجهة المشكلة، رغم الاتهامات التي أثيرت بشأن دور الصناعة في انتشار التجارة غير القانونية.
هل تستخدم شركات التبغ التهريب لمعارضة زيادة الضرائب؟
من بين النقاط المثيرة للجدل اعتماد شركات التبغ على مخاطر التهريب باعتبارها حجة لمعارضة بعض سياسات مكافحة التدخين، مثل التغليف الموحد ورفع الضرائب على السجائر.
وتزعم شركات في صناعة التبغ أن تشديد إجراءات التغليف أو زيادة الأسعار قد يؤدي إلى اتساع السوق السوداء، لكن دراسات وتجارب في بريطانيا وأستراليا لم تجد دليلا على أن تطبيق التغليف الموحد أدى إلى زيادة تهريب السجائر.
كما خلص تقرير البنك الدولي "مواجهة تجارة التبغ غير المشروعة.. مراجعة عالمية لتجارب الدول" إلى أن ارتفاع الضرائب والأسعار لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة التهريب، مشيرا إلى أن الدول التي تفرض ضرائب وأسعارا أعلى على منتجات التبغ تميل في كثير من الحالات إلى امتلاك أسواق أصغر للسجائر غير المشروعة.
وتتعارض هذه النتائج مع الادعاء بأن زيادة الضرائب تؤدي بالضرورة إلى تفاقم التجارة غير القانونية، وتؤكد أهمية عدم استخدام التهريب ذريعة للتراجع عن السياسات الصحية الهادفة إلى الحد من التدخين.
كيف يمكن القضاء على تجارة السجائر المهربة؟
تتطلب مواجهة تجارة التبغ غير المشروعة تعاونا دوليا وتنسيقا بين الجهات الحكومية والأمنية والرقابية، إلى جانب إحكام الرقابة على مراحل تصنيع المنتجات وتوزيعها وبيعها.
وأطلقت منظمة الصحة العالمية بروتوكول القضاء على الاتجار غير المشروع بمنتجات التبغ، الذي يستهدف تأمين سلاسل الإمداد ومنع تسرب المنتجات إلى الأسواق السوداء.
ويعد تطبيق أنظمة مستقلة للتتبع والتعقب من الإجراءات المهمة لتحقيق هذا الهدف، إذ تتيح مراقبة حركة منتجات التبغ عبر مراحل التصنيع والتوزيع وصولا إلى المستهلك، بما يساعد على كشف مسارات التهريب ومصادر المنتجات غير القانونية.
ويشدد البروتوكول على أهمية استقلال أنظمة التتبع عن صناعة التبغ، إلى جانب التعاون بين الدول والقطاعات المعنية، لضمان عدم استغلال جهود مكافحة التهريب لتحقيق مصالح تجارية أو التأثير في السياسات الصحية.
اقرأ أيضا:
زيادة وصلت لـ10 جنيهات.. ارتفاع أسعار سجائر ميريت ومارلبورو وإل آند إم
دراسة تكشف دور السجائر الإلكترونية في الإقلاع عن التدخين دون دعم متخصص