قد لا تكون الطريقة التي يبدأ بها الإنسان صباحه مجرد تفصيل عابر في روتينه اليومي، بل قد تؤثر في مستوى انتباهه وشعوره بالراحة خلال الساعات التالية، فمع انتشار الهواتف الذكية، أصبح الاطلاع على الرسائل والأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي أول نشاط يمارسه كثيرون بمجرد الاستيقاظ، قبل أن يحصلوا على الوقت الكافي للتخلص من النعاس والاستعداد لمتطلبات اليوم.
ويثير هذا السلوك تساؤلات بشأن تأثير التعرض المبكر للمعلومات والتنبيهات في التركيز والحالة المزاجية، خاصة عندما يتضمن المحتوى أخبارا مزعجة أو رسائل مرتبطة بالعمل.
وفي هذا السياق، تنصح اختصاصية علم النفس بينا بيرسود، وفقا لإرشادات نشرتها كليفلاند كلينيك، بتجنب تفقد الهاتف مباشرة بعد الاستيقاظ، واستبدال هذه العادة بنشاط هادئ أو ممتع يساعد على بدء اليوم بصورة أكثر توازنا.
خمول النوم.. لماذا يحتاج الدماغ إلى وقت للاستيقاظ؟
لا يستعيد الدماغ كامل يقظته بالضرورة بمجرد فتح العينين، إذ يمر كثير من الأشخاص بحالة تُعرف باسم خمول النوم، تتسم بالنعاس المؤقت وبطء الاستجابة وضعف التركيز، وخلال هذه الفترة، قد يحتاج الإنسان إلى بعض الوقت حتى يتمكن من معالجة المعلومات واتخاذ القرارات بكفاءة أكبر.
وقد تكون هذه الحالة أكثر وضوحا لدى الأشخاص الذين لم يحصلوا على قسط كاف من النوم، ما يجعل الانتقال الفوري من الراحة إلى التعامل مع سيل من الرسائل والتنبيهات أمرا مرهقا بالنسبة إليهم.
وعندما يبدأ الصباح بقراءة الرسائل ومتابعة الأخبار والتنقل بين التطبيقات، يجد الشخص نفسه مطالبا بتقييم معلومات متعددة وتحديد ما يستحق الاهتمام أو الرد، وقد يؤدي ذلك إلى تشتيت الانتباه وزيادة الشعور بالضغط، خصوصا إذا ارتبطت المعلومات بمواعيد عاجلة أو مشكلات تحتاج إلى حلول سريعة.
لذلك، قد يكون منح النفس بضع دقائق للاستيقاظ تدريجيا، قبل الانشغال بالمحتوى الرقمي، وسيلة بسيطة لتسهيل الانتقال إلى أنشطة اليوم.
طبيعة المحتوى تحدد جانبا من التأثير
لا يرتبط تأثير الهاتف في بداية الصباح بمجرد استخدامه، بل يتأثر أيضا بنوعية المعلومات التي يتعرض لها الشخص وطريقة تفاعله معها، فقراءة رسالة مطمئنة أو مراجعة حالة الطقس لا تعادل بالضرورة متابعة أخبار مقلقة أو اكتشاف قائمة طويلة من المهام المؤجلة.
وتبرز عدة عوامل قد تجعل التصفح المبكر تجربة مرهقة لدى بعض الأشخاص:
الأخبار السلبية: قد يؤدي الاطلاع على أحداث مقلقة فور الاستيقاظ إلى إثارة مشاعر التوتر قبل بدء الأنشطة اليومية.
رسائل العمل: قد تخلق الرسائل المرتبطة بالمهام والمواعيد شعورا بالاستعجال، وتدفع الشخص إلى التفكير في مسؤولياته قبل أن يستعد لها.
التنقل المستمر بين التطبيقات: قد يؤدي الانتقال السريع من الرسائل إلى الأخبار ثم مواقع التواصل إلى توزيع الانتباه على موضوعات متعددة، بدلا من التركيز على نشاط واحد.
تراكم المعلومات: قد يزيد تدفق المحتوى من المطالب الذهنية التي يحاول الشخص التعامل معها في وقت قصير، خاصة عندما تكون قدرته على التركيز لم تستعد مستواها المعتاد بعد النوم.
ومع ذلك، لا يمكن افتراض أن هذه الآثار تحدث بالدرجة نفسها لدى الجميع؛ إذ تتباين الاستجابة بحسب عادات الاستخدام والحالة النفسية وطبيعة المحتوى الذي تتم متابعته.
هل توجد مدة محددة ينبغي انتظارها قبل استخدام الهاتف؟
قد يكون تأجيل تصفح الهاتف بعد الاستيقاظ خطوة مفيدة لبعض الأشخاص، لكن لا ينبغي التعامل مع أول 10 دقائق من الصباح باعتبارها حدا علميا ثابتا يفصل بين الاستخدام الضار والاستخدام الآمن.
فالمهم ليس الالتزام بمدة واحدة تناسب الجميع، وإنما ملاحظة أثر العادة في المزاج والانتباه، وتحديد ما إذا كان التصفح المبكر يسبب التشتت أو يدفع إلى الشعور بالضغط قبل بدء اليوم.
ويمكن لمن يلاحظ تأثره بالأخبار أو رسائل العمل أن يجرب تأجيل الاطلاع عليها حتى ينتهي من الاستعداد الصباحي، ثم يقارن شعوره وتركيزه بين الأيام التي يبدأ فيها بالهاتف وتلك التي يمنح فيها نفسه وقتا أطول قبل استخدامه.
عادات بسيطة لبداية صباح أكثر هدوءا
لا يتطلب تغيير هذه العادة التخلي عن الهاتف أو الامتناع عن استخدامه صباحا بصورة كاملة، بل يمكن البدء بتعديلات صغيرة تقلل من التعرض الفوري للتنبيهات والمعلومات.
ومن الخطوات التي يمكن تجربتها:
النهوض من السرير وفتح الستائر، مع منح الجسم بعض الوقت للانتقال من النوم إلى اليقظة.
غسل الوجه وشرب الماء، أو ممارسة بضع لحظات من التنفس الهادئ.
تحديد الأولويات الأساسية لليوم قبل فتح تطبيقات التواصل الاجتماعي.
كتم التنبيهات غير الضرورية، وتأجيل رسائل العمل والأخبار إلى ما بعد الاستعداد.
استخدام الهاتف لغرض محدد، مثل إيقاف المنبه أو مراجعة موعد، بدلا من الانتقال تلقائيا بين التطبيقات.
وقد يساعد الالتزام بروتين صباحي بسيط على تقليل المقاطعات غير الضرورية، كما يتيح للشخص فرصة تقييم ما إذا كان تأخير التصفح ينعكس إيجابيا على شعوره بالهدوء وقدرته على التركيز.
بداية اليوم لا تحتاج إلى سيل من المعلومات
في ظل الحضور المتزايد للهواتف الذكية في تفاصيل الحياة اليومية، قد يصبح فتح التطبيقات فور الاستيقاظ سلوكا تلقائيا لا ينتبه الشخص إلى أثره، لكن تخصيص وقت قصير للابتعاد عن التنبيهات يمنح الإنسان فرصة لبدء يومه وفق أولوياته، بدلا من الاستجابة الفورية لكل ما يظهر على الشاشة.
ولا يعني ذلك أن استخدام الهاتف صباحا ضار في جميع الحالات، بل إن الانتباه إلى طبيعة المحتوى وتوقيت متابعته ومدى تأثيره في الحالة النفسية يظل أمرا أساسيا، وقد يكون التغيير الأكثر فائدة هو الانتقال من الاستخدام التلقائي إلى الاستخدام الواعي، بحيث يصبح الهاتف أداة تخدم احتياجات الشخص، لا مصدرا إضافيا للتشتت والضغط منذ اللحظات الأولى من الصباح.
ماذا يحدث لجسمك عند تصفح الهاتف الذكي قبل النوم؟