إعلان

إماطة الأذى عن الطريق: الأخلاق الإسلاميَّة والنظافة العامَّة

كتب : مصراوي

06:57 م 29/09/2026

دكتور هشام السيد

تابعنا على

بقلم: أ.د/ هشام السيد عطية الجنايني

عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية

عندما هممتُ بالكتابة حول هذا العنوان، تذكَّرتُ أنَّني قد قرأتُ قديمًا عن طرق المسلمين وشوارعهم في الماضي، في الأندلس وغيرها، أنَّها كانت تشتمل على شبكات صرفٍ صحيٍّ، وتتميَّز بنظافةٍ منقطعة النظير، وقد بلغت من الرُّقيِّ والنظافة والجمال حدًّا جعلها مليئةً بالأشجار ذات الرَّائحة العطرة، وكانت نفقاتُها من أموال الأوقاف؛ حتَّى يشعر المارُّ بها بالرَّاحة النفسيَّة إلى جانب الرَّاحة البصريَّة. بينما كانت دول أوروبا، في الوقت نفسه وفي عصورها الوسطى، تصنع لأغنيائها أحذيةً ذات كعوبٍ عاليةٍ حتَّى إذا مشوا في الطُّرقات لا تصيبهم النَّجاسات التي تملأ الشَّوارع؛ بسبب قضاء بعض النَّاس حوائجهم في الطُّرقات العامَّة!

ثمَّ انتقلتُ بالذَّاكرة إلى العهد القريب، عهد الطُّفولة في الرِّيف المصريِّ، فأتذكَّر الطُّرقات النَّظيفة، رغم أنَّ طبيعتَها ترابيَّةٌ، وأتذكَّر توجُّه الأبناء والأمَّهات، ممَّن لا يملكون القدرَ الكافي من التَّعليم، إلى الحفاظ على الطُّرقات ونظافتها، والحفاظ على حقِّ الجوار، وإزالة كلِّ ما يؤذي النَّاسَ.

فهل كان هذا التَّوجيه نابعًا من الأخلاق التي تربَّوا عليها، أم من شيوع النَّظافة العامَّة في المجتمعات، أم من الاثنين معًا؟

إنَّ من الأخلاق الإسلاميَّة إزالةَ الأذى عن الطَّريق، وليس هذا مجرَّد سلوكٍ حضاريٍّ مستحسنٍ، ولا عادةً اجتماعيَّةً يتواصى بها النَّاس ثمَّ يختلفون في الأخذ بها وتركها، وإنَّما هو، في ميزان الإسلام، خلقٌ يتقرَّب به المسلمُ إلى الله تعالى، وشعبةٌ من شعب الإيمان، وصورةٌ من صور الإحسان إلى الخلق.

وقد جاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم ليجعل هذا المعنى واضحًا في نفوس أصحابه، فقال: «الإيمانُ بضعٌ وسَبعونَ - أو بضعٌ وسِتُّونَ - شُعبةً، فأفضَلُها قَولُ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وأدناها إماطةُ الأذى عَنِ الطَّريقِ، والحَياءُ شُعبةٌ مِنَ الإيمانِ» [رواه مسلم في صحيحه، ح: (35)]. وما أعظمَ هذا الحديثَ في دلالته! فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يجعل الإيمانَ كلماتٍ تُقال باللِّسان، ولا عباداتٍ تُؤدَّى في المساجد فحسب، وإنَّما جعله منظومةً متكاملةً تمتدُّ آثارُها إلى حياة الإنسان كلِّها؛ من أعماق القلب، إلى حركة اللِّسان، إلى سلوك الجوارح، حتَّى يصلَ أثرُ الإيمان إلى الطَّريق الذي يسلكه النَّاسُ.
وهنا تظهر عظمةُ التَّربية الإسلاميَّة؛ إذ إنَّها لا تربِّي الإنسانَ على أن يسأل: ماذا سأحصل أنا؟ وإنَّما تربِّيه أيضًا على أن يسأل: ماذا يمكن أن أقدِّم لغيري؟ ومن ذا الذي قد يتأذَّى بفعلي؟

وهذا هو الفارقُ بين الإنسان الذي يعيش لنفسه، والإنسان الذي يعيش في مجتمعٍ.

فالمسلم حين يلقي شيئًا في الطَّريق لا ينبغي أن ينظرَ إلى المكان على أنَّه ليس ملكَه، بل عليه أن يدرك أنَّ الطَّريقَ ملكٌ مشتركٌ للنَّاس، وحقٌّ مشاعٌ بينهم، وأنَّ من حقِّ المارِّ أن يجد طريقَه آمنًا نظيفًا، لا يؤذيه فيه أيُّ أذًى. لذا نجد في الإسلام نهيًا صريحًا عن تلويث الأماكن التي ينتفع بها النَّاس؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتَّقوا اللَّعَّانَينِ»، قالوا: وما اللَّعَّانانِ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: «الذي يَتَخَلَّى في طَريقِ النَّاسِ أو في ظِلِّهم» [رواه مسلم في صحيحه، ح: (269)].

والتَّأمُّل في هذا الحديث يكشف عن دقَّة التَّشريع الإسلاميِّ في حفظ المرافق العامَّة؛ فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم ينهَ فقط عن الاعتداء المباشر على الإنسان، وإنَّما نهى كذلك عن الفعل الذي يجعل المكانَ الذي ينتفع به النَّاس مصدرًا للأذى والقذارة.

وفي مشهدٍ آخر ورد في السُّنَّة النبويَّة المطهَّرة، نجد أنَّ رفعَ الأذى من طريق المسلمين سببٌ لدخول الجنَّة؛ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لقد رَأيتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ؛ في شَجَرةٍ قَطَعَها مِن ظَهرِ الطَّريقِ، كانَت تُؤذي النَّاسَ» [رواه مسلم في صحيحه، ح: (1914)].

تأمَّلوا هذا المشهدَ النبويَّ العجيب! رجلٌ يزيل شجرةً مؤذيةً من طريق النَّاس، فيكون ذلك سببًا من أسباب دخوله الجنَّة.

فالطَّريقُ في التَّصوُّر الإسلاميِّ ليس مجرَّد مساحةٍ بين البيوت، ولا ممرًّا تعبره الأقدام والسَّيَّارات، وإنَّما هو مرفقٌ من مرافق الحياة، وحقٌّ من حقوق النَّاس، ومسؤوليَّةٌ أخلاقيَّةٌ مشتركةٌ.

ومن هنا نفهم لماذا كان المسلمون الأوائل شديدي الحساسيَّة تجاه الأذى الذي يمكن أن يصيب غيرَهم؛ فقد كان الواحدُ منهم يرى الشَّيءَ المؤذيَ في الطَّريق فيزيله، لا لأنَّه يخشى دفع غرامةٍ ماليَّةٍ، ولا لأنَّ هناك كاميرات مراقبة، ولا لأنَّ أحدًا سيكتب عنه منشورًا يشكره، وإنَّما لأنَّه تربَّى على أنَّ الله يراه، وأنَّ إحسانَه إلى النَّاس محفوظٌ عند الله، وأنَّ العملَ الذي يراه النَّاس صغيرًا قد يكون عند الله كبيرًا.

إنَّ الأخلاقَ الإسلاميَّة لا تقف عند حدود ألَّا تؤذي، وإنَّما ترتقي بالإنسان إلى مقام أن ينفع.

إنَّنا في حاجةٍ إلى أن نُعيدَ للنَّظافة معناها التَّربويَّ قبل أن نجعلها شعارًا إداريًّا. نحتاج أن نعلِّم أبناءَنا أنَّ الورقةَ التي يسقطونها في الشَّارع ليست مجرَّد ورقةٍ، وإنَّما هي اختبارٌ صغيرٌ للأخلاق، وأنَّ العبوةَ التي يلقونها من نافذة السَّيَّارة ليست مجرَّد مخلَّفاتٍ، وإنَّما هي رسالةٌ عن مستوى إحساسهم بالآخرين، وأنَّ الطَّريقَ الذي نمشي فيه جميعًا ليس ملكًا لأحدٍ منَّا وحده، وإنَّما هو حقٌّ لنا جميعًا، ومسؤوليَّةٌ علينا جميعًا.

ولذلك فإنَّ السُّؤالَ الذي طرحناه في بداية المقال: هل كان ذلك نابعًا من الأخلاق أم من شيوع النَّظافة العامَّة؟
والجوابُ، في تقديري، أنَّ الأخلاقَ هي التي تصنع السُّلوك، والسُّلوكُ إذا استقرَّ في المجتمع تحوَّل إلى ثقافةٍ عامَّةٍ؛ فحين يتربَّى الأبُ على ألَّا يؤذي الطَّريقَ، يرى الابنُ ذلك أمام عينيه، وحين يرى الابنُ أباه يرفع الأذى عن الطَّريق، يتعلَّم أنَّ هذا أمرٌ طبيعيٌّ من مقتضيات الإنسانيَّة والدِّين.

وهكذا تنتقل الأخلاقُ من جيلٍ إلى جيلٍ، لا بالمواعظ وحدها، وإنَّما بالقدوة والممارسة اليوميَّة.

اقرأ ايضًا:

الإفتاء توضح 5 شروط يجب الالتزام بها عند تقديم النصيحة

لا اريد الزواج مطلقا.. ما حكم الشرع؟.. أمين الفتوى يجيب

هل يجوز استخدام الموسيقى في البرامج الدينية؟.. أمين الفتوى يرد



Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك