من ضابط إلى "أخطر إرهابي مطلوب".. "مصراوي" يتتبع خطوات هشام عشماوي

02:46 م السبت 18 نوفمبر 2017
من ضابط إلى "أخطر إرهابي مطلوب".. "مصراوي" يتتبع خطوات هشام عشماوي

كتبت: مها صلاح الدين ومارينا ميلاد

ارتدى زيه العسكري "الكاكي"، وقف يراقب موكب محمد إبراهيم وزير الداخلية السابق، وهو يخرج يوميًا من بيته الموجود بمنطقة مدينة نصر، الذي كان قريبًا جدًا من منزله هو أيضًا، ليضع خطة اغتياله.

كان ذلك في سبتمبر 2013، وكانت هذه أولى عملياته مع جماعة "أنصار بيت المقدس"، لكن منفذ العملية، ضغط على زر التفجير قبل الموعد المحدد بثوان، فشلت العملية، وبعد يوم واحد، داهمت قوات الأمن منزله، وضبطت الأوراق والأدلة التي تثبت تورطه في محاولة الاغتيال، والزي العسكري الذي كان يستخدمه، وقتها أُعلن رسميًا وللمرة الأولى أن أحد مخططي العملية هو هشام علي عشماوي، الضابط السابق بسلاح الصاعقة.

كان يسمع الأغاني، يشاهد مباريات كرة القدم، ويقرأ الكتب. كان زوجًا وأبًا يعيش حياة مستقرة، كان ضابطًا مميزًا لسنوات. وفجأةً تحول هشام عشماوي "38 سنة"، إلى شخص متشدد دينيًا، ثم إلى "أخطر إرهابي مطلوب في مصر"، يُذكر اسمه في العمليات الإرهابية الكبرى، آخرها الهجوم على مأمورية الأمن الوطني قُبيل مداهمة بؤرة مسلحة عند الكيلو 135 في طريق الواحات، أكتوبر الماضي.

قبل التحول.. الضابط المتلزم الذي يخشاه المهربون

"البحث وراء هشام عشماوي أشبه بالبحث عن سراب"، هكذا قال خالد المصري، أحد المحامين في قضية "أنصار بيت المقدس" عند سؤاله عن المتهم الهارب الذي تضاربت المعلومات واختلفت الروايات حول حياته وسبب تحوله، واتفقت أحاديث المقربين واعترافات المتهمين، الذين كانت لهم صلة به، على غموضه.

اشتركت شخصية هشام في ثنائية معاكسة لبعضها، وهى الانطواء وحب القيادة في نفس الوقت، كان جريئًا وعصبيًا لدرجة ملحوظة. ورغم ذلك شهد له من رافقوه خلال دراسته في الكلية الحربية، التي تخرج فيها عام 2000، بأنه كان ملتزمًا، فيقول أحمد صقر، المساعد السابق لرئيس جهاز تنمية سيناء، الذي أعد بحثًا عنه: «كان ضابطًا نابهًا يحل فى المقدمة دائمًا، بدءًا من فرقة الصاعقة الأساسية فى الكلية الحربية حتى فرق التدريب الاحترافي في الولايات المتحدة الأمريكية (سيل)، التي لا يحصل عليها سوى الضباط المميزين".

تنقل في خدمته بين أماكن عدة، لكن سيناء كانت المحطة الأطول. عرفه البدو جيدًا، منهم "علي حيده"، أحد كبار بدو سيوة الذي يقول عنه: "كان خبيرًا في الدروب الصحراوية والمهربون يخافونه".

يتحدث حيده بلغة واثقة ناتجة – حسبما يزعم – عن معرفة كبيرة بعشماوي: "كان بارعا في ضبط المهربين وقبض على بعضهم أحياء، وللعلم هذا إنجاز كبير".

مشادة بينه وبين خطيب مسجد في معسكره التدريبي لأن الأخير أخطأ في ترتيل القرآن، جعلت المخابرات الحربية تلاحظ التزامه الديني، وهكذا زملاؤه، حسب التحريات.

بالتزامن مع تلك الواقعة، كان عشماوي حريصا على إيقاظ زملائه، ومنهم سعيد إسماعيل، لأداء صلاة الفجر، ويتحدث معهم عن ضرورة عدم تقبلهم الأوامر دون اقتناع، إلى أن تطور الأمر ليصل إلى انتقاد الحكومة، ثم مشاجرة مع اثنين منهم، قائلًا: "لازم تتحركوا لنصرة دينكم.. لا تكونوا سلبيين.. والنصرة لن تكون إلا بالقوة"، هكذا يقول سعيد لوكالة "رويترز".

التحول.. الضابط المفصول يقتل زملاءه

قبل هذا بسنوات قليلة، تزوج هشام من نسرين حسن سيد علي عام 2003 عندما كان برتبة ملازم، وكان ذلك بترشيح من والدته غالية علي عبدالمجيد، التي كانت تعمل في إحدى المدارس، وكانت نسرين طالبة في المرحلة الثانوية بنفس المدرسة، أُعجبت بها وقتها، لكنها انتظرت حتى انتهت نسرين من عامها الرابع بكلية الآداب جامعة عين شمس، ليتقدم لها هشام رسميًا، لم يعقدا خطبة، إنما انعقد قرانهم ثم الزواج بعد 6 أشهر.

سارت حياتهما مستقرة، أنجبا ولدين، وعكفت نسرين بعد زواجهما على إنهاء رسالة الماجستير، كان موضوعها "السنة والشيعة"، وبالفعل حصلت على درجة الماجستير بكلية البنات جامعة عين شمس عام 2010، وعملت مدرسا مساعدا بها.

صمم هشام أن ترتدي نسرين النقاب، لكنها تقول في شهادتها أمام النيابة "إن ذلك لم يكن بوازع ديني".

في العام 2010 انقلبت حياة هشام تماما. توفى والده، ولم يستطع رؤيته وقتها أو أثناء مرضه بسبب خدمته في سيناء، أُصيب باكتئاب، دخل بسببه مستشفى المعادي العسكري لمدة عام، وأكد المشرف على حالته عدم قدرته على ممارسة عمله، وفُصِل من الجيش في 2012، حسب رواية زوجته.

تملكه الشعور بالفراغ، وفكر في العمل بالاستيراد والتصدير رغم عدم خبرته حتى لا تشعر زوجته بأنه أصبح عاطلًا، لكنها عارضته، وتوقعت فشله: "كان يعطيني راتبه بالكامل لأنظم صرفه".

لاحظت نسرين أنه بدأ يواظب على الصلوات في المسجد وليس في البيت كعادته، ويقضي وقته بين قراءة كتب الفقة لابن تيمية، وتصفح المواقع الإلكترونية الإسلامية، ومشاهدة العمليات العسكرية للجيش الأمريكي في العراق، حتى وصل به الأمر أنه أصبح يُطرب لتسجيلات القيادي في تنظيم القاعدة أبومصعب الزرقاوي.

ومع اندلاع ثورة يناير، كان هشام سعيدًا برحيل الرئيس الأسبق حسني مبارك، وبدعم الجيش للمتظاهرين، لكنها في نظره "ثورة بلا معالم وليس لها قائد".

"الناس بتضحك على نفسها في موضوع الديموقراطية"، هكذا برر رأيه لزوجته، فلا خيار في نظره سوى تطبيق الشريعة الإسلامية، التي لا تأتي بتطبيق نموذج الديموقراطية الغربي، لهذا أيد هشام المرشح الإسلامي حازم صلاح أبوإسماعيل رئيسًا، لأنه – حسبما وصفه - "أكثر المتحمسين لتطبيق الشريعة"، في حين عارض جماعة الإخوان، وقال عنهم: "بتوع مصالحتهم وبوشين"، ومع ذلك رفض عزل محمد مرسي.

لم يكترث هشام باعتصام رابعة، لأقتناعه أنهم لن يغيروا شيئا حتى لو اعتصموا 20 عاما، ورغم ذلك، قرر اصطحاب زوجته وأولاده في أول أيام العيد للصلاة هناك، وهى المرة الوحيدة التي ذهب فيها، وكانت قبل الفض بـ 4 أيام – هكذا زعمت زوجته.

وفي يوم، بينما انشغلت نسرين بالعزومة التي كانت تعدها لعائلتها، جاء لهشام ضيف غريب، لم تكن تعرفه، اصطحبه - دون أن يعرفه لهم - إلى شقة مغلقة في الطابق الثالث من بيتهم، كان يسكنها شقيقه حسام قبل سفره إلى السعودية، ومرت ساعة، وغادر هشام والضيف دون إبلاغ أحد.

تغير هشام تمامًا بعد هذا اللقاء. ويرجح أحمد حلمي، أحد محامين قضية "أنصار بيت المقدس"، في حديثه لنا، أن يكون هذا الضيف هو توفيق فريج، القيادي في تنظيم "بيت المقدس"، الذي جاء لتجنيد هشام لحاجتهم إليه لتطوير عملياتهم، لذلك استعانوا معه بالضابط السابق عماد عبدالحميد، أقرب أصدقائه، والاحتمال الأقرب أن يكون عماد هو من تعرف إليهم أولًا، ثم جَند هشام بحكم علاقتهما.

صبيحة يوم محاولة اغتيال وزير الداخلية، الذي جاء بعد هذا اللقاء بأيام، اختفى هشام وقال لزوجته إنه سيسافر الإسكندرية، ووفقًا لحديثها "لا تعرف عنه شيئا بعد ذلك".

لكن المحامي أحمد حلمي، وهو مختص في القضايا الجهادية، يقول "من واقع الحالات المشابهة، يجب أن يكون هشام انفصل عن زوجته – سواء رسميًا أو لا – بالتراضي، وأمن مصدر دخل لأولاده.

بعد 3 أشهر، ظهر اسم عشماوي في الهجمات الإرهابية ضمن عمليات تنظيم «أنصار بيت المقدس»، وأشهرها استهداف مديرية أمن الدقهلية في ديسمبر 2013، التي أسفرت عن مقتل 14 وإصابة العشرات، ثم مذبحة كمين الفرافرة في يوليو 2014 التي استشهد فيها 28 مجندًا في القوات المسلحة، وأحالته فيها المحكمة العسكرية غيابيًا للمفتي مع 13 متهما.

علي حيدة، كبير إحدى قبائل البدو، الذي كان قريبًا من هشام، يقول: "اتجه إلى طريق آخر، ومن كانوا أصدقاءه أصبحوا أعداءه، وجاءتنا في 2014 إخبارية من الكتيبة 61 أن هذا الرجل أصبح ضد القوات المسلحة ومطلوب حال وجوده في مصر".

بعد التحول.. عشماوي "قائدًا"

كانت عملية استهداف كمين الفرافرة نقطة انطلاق عشماوي في الصحراء الغربية، البداية بتشكيل خلية الوادي الجديد، حمل وقتها اسم "شريف" أو "أبومهند"، وشكل مجلس شورى له كان أبزر عناصره: أشرف الغربالي، وصديقه عماد عبدالحميد، الذي تولى مسؤولية التنظيم عسكريًا.

وضع خطته بإحكام، نشر قواته في 4 مناطق: "المنظقة المركزية، الصحراء الغربية، الإسماعيلية، والشرقية"، اختار شادي المنيعي ليقود مجموعة شمال سيناء، التي ضمت 34 شخصا، أشبعهم الأخير بالأفكار المعادية لمؤسسات الدولة، ولقنهم مهارة تخطيط العمليات، وبعد إتمام عمليات التأهيل، وظفهم المنيعي بعناية داخل مجموعات لرصد تحركات أفراد الجيش، وتصنيع المتفجرات، واختيرت مجموعة أخرى منوطة بالتنفيذ، خصص لهم مجموعة مهمتها التمريض، وشخص واحد مهمته توفير سيارات غير مرخصة لتكون تحت يديهم لتنفيذ العمليات، كان المنيعي مجرد منفذ لخطة محكمة وضعها هشام.

في الجهة الأخرى، كانت المزارع ملاذا آمنا لتدريب عناصر الخلية وتخزين الأسلحة، وأسند عشماوي لأحد أعضاء التنظيم، يدعى عمر سلمان مهمة تلقينهم دروسًا حول فرضية الجهاد ضد السلطة بداخلها، أما صبري النخلاوي فكانت مهمته تسهيل عملية تسلل عناصر التنظيم إلى الحدود الليبية لتلقي تدريبات متقدمة، ومن ثم العودة مدججين بالذخائر والأسلحة.

التحرك من وإلى ليبيا، وفقًا لعلي حيدة، كبير إحدى قبائل بدو سيوة، ليس أمرًا صعبًا على من يدرك جيدًا طرق السير في الصحراء، وهو ما يتقنه عشماوي، باستخدام الأقمار الصناعية والإحداثيات، فالمسافة من واحة سيوة إلى أول قرية في الأراضي الليبية وهى "واحة جغبوب" 90 كيلومترا في خط مستقيم.

كان يتولى تدريبهم بنفسه بين كهوف جبال جمادة، في الصحراء الليبية، وأسند لرفيقه عماد عبدالحميد تلك المهمة، إذا تعذر وجوده، بعد أن فرض قوانينه الصارمة على كل من في المعسكر.

استخدام الهواتف محظور، كما هو محظور استخدام الأسماء الحقيقية، لا يتبادل الحديث اثنان على حده داخل المعسكر، كانت هذه هي تعليمات القائد الفطن بدروب الصحراء، وفقا لاعترافات المتهم محمد سالم خليل، والمعروف باسمه الحركي "عمر"، في تحقيقات النيابة عن عشماوي.

لا ينسى "عمر" لحظة إصابة العقل المدبر في فخذه الأيمن أثناء تنفيذهم عملية الهجوم على كمين الفرافرة، حينها فر الكثير من زملائه إلى ليبيا، بينما اختبأ البعض الآخر داخل جبال العين السخنة، رصدتهم الطائرات الحربية، ونجحت في إصابة 7 منهم، بينما نجح 3 في الاحتماء بالكهوف.

هدأت الأجواء مجددا، قبل أن تتكرر هجمات الطائرات في مواقيت متفرقة، حاولوا التواصل مع عشماوي، إلا أن الرد جاء محبطا "اتصرفوا وامشوا بمعرفتكم"، وفوجئوا فيما بعد بوصول دليل بدوي ساعدهم على الخروج والسير نحو معسكرات الإسماعيلية، تكررت المحادثات الهاتفية بين عشماوي وأفراد تنظيمه، ردد عليهم بعبارات لائمة: "أنا مش شامم ريحة دم.. انتو مش بتشتغلوا ليه؟"، ما جعلهم يهمون بتنفيذ إحدى العمليات الكبرى في الصعيد، هكذا يقول خليل.

عشماوي مطلوب للقتل

بايعت جماعة أنصار بيت المقدس تنظيم «داعش» في نوفمبر 2014. وقتها انشق عنها هشام وأسسس تنظيما جديدا يسمى "المرابطون" من ليبيا موالي لتنظيم القاعدة، أعلن عنه في مقطع صوتي في يوليو 2015.

وفي رسالته الصوتية، دعا هشام إلى الجهاد: “أناشد أهلي وإخواني المسلمين، هبوا لنصرة دينكم وللدفاع عن دمائكم وأعراضكم وأموالكم، هبوا في وجه عدوكم ولا تخافوه وخافوا الله إن كنتم مؤمنين“، وكما هو متوقع، كان لتنظيم "داعش" رد فعل، فأصدر بيانًا يبيح دم هشام لارتداده عنها.

لا وجود لأسرته.. "لا تسألوا عنهم"

منازل عشماوي الثلاثة أشبه بغرف عمليات عسكرية، تتناثر فيها العبوات الناسفة، وأظرف الأعيرة النارية الفارغة، وغيرها ممتلئة أكلها الصدأ، عشرات الهواتف المحمولة والخطوط الهاتفية، شارات تحمل عبارات جهادية، وزي عسكري مموه كامل، كان يستغله وقت الحاجة.

عند تفتيش منزل عائلته، الذي كان يسكنه، في شارع علي عشماوي بمدينة نصر، وجدت قوات الأمن أجهزة لاسلكية، وحوالات بريدية بعملات أجنبية، وخرائط تفصيلية وكروكية لمنشآت استهدفت بعمليات إرهابية بالفعل، وخرائط لسيناء محدد بها نقاط تمركز عناصر الجيش الثاني الميداني، وتذاكر سفر ذهاب وعودة لتركيا بتاريخ 27 أبريل 2013 إلى 16 مايو 2013، يجاورها حزمة أوراق تحتوي على فتاوى تبيح جواز العمليات الاستشهادية.

المنزل المكون من 3 طوابق، والواقع في شارع هادئ، يحمل اسم والد هشام عشماوي، "علي عشماوي"، يبدو الآن شبه مهجور، انتزعت أخشاب نوافذه، بوابته الرئيسية مغلقة بقفل حديدي كبير، وعلى جانبه الآخر بوابة خشبية لزاوية صغيرة تحمل اسم "مسجد المغفرة"، يعكف على فتحها بأياد مرتعشة؛ رجل في عقده السابع؛ فقط في مواقيت الصلاة، منذ تسلم مفاتيحها من صديقه والد هشام، الذي كان يعمل مدرسا للغة الفرنسية، قبل أن يفارق الحياة في عام 2010.

كان خارجًا للتو من المسجد بعد انتهاء صلاة الظهر، ولم يمانع الحاج حمدي أن يحكي ما يعرفه عن عائلة هشام: "والدته ملت مداهمة قوات الأمن للمنزل فتركته منذ 3 سنوات، ولا أحد يعلم أين استقرت أو حتى مكان أشقائه سوى شقيقه الأكبر الذي يعيش في السعودية"، وقبل أن ينسج العجوز بقية خيوط الحكاية، اندفع أحد المارة نحونا ومنعه من استكمال حديثه، وطلبنا بالانصراف.

لم تكن هذه المحاولة الوحيدة لمقابلة الحاج حمدي، فبعد بضعة أيام كررنا الزيارة، ولكن هذه المرة كان في بيته المقابل لعمارة عشماوي، وبعد أن أطل علينا من الشرفة ووعدنا بالنزول، امتد انتظاره إلى أكثر من نصف ساعة، ارتفعت خلالها وتيرة المناقشات بينه ومن معه بالمنزل، حتى خرجت إلينا سيدة ثلاثينية، قائلة: "الحاج حمدي تعبان ومش هيقدر يقابل حد"، وظلت تترقب مغادرتنا من خلف الشرفة.

مكان آخر غير متوقع، استغله هشام لإخفاء صدريات بها خلايا شمسية، وبعض الإصدارات الجهادية، وكتاب صادر عن وزارة الدفاع تحت عنوان "المهارات الأساسية والتكتيكات الصغرى للقتال في المدن"، وخناجر وقفازات سوداء، وهو منزل أهل زوجته بالحي الثامن بمدينة نصر، وهناك كانت الرحلة التالية.

لم تقو ساعات الذروة على خرق السكون المحيط بمساكن أطلس، لم تختلف هيئات المارة من الملتحي والمنتقبات التي تشابهت مع المنزل الأول، زاد عليهم وجوه تحمل ملامح أسيوية في هيئات أكثر تشدد.

وأخيرا، وصلنا للعقار 54، عمارة مكونة من 6 طوابق، وبعد دق الجرس، خرجت إلينا إحدى ساكنات الطابق الأرضي: "أنتوا طالعين عند مين"، لم تتذكر للحظات من هي نسرين ومن هم ذويها، ولكنها سرعان ما شهقت قائلة: "دول كانوا في الدور الأخير، بس دول مشيوا من زمان، انتو متعرفوش إيه إللي حصل؟".

وقع أقدام تتسارع على سلالم البناية، كتائب عساكر الأمن المركزي انتشرت في كل مكان، كسروا الباب واقتحموا الشقة، قبضوا على نسرين ووالديها وأخوتها، مشاهد عايشتها الجارة، ومن بعدها لم تشاهد نسرين أو أحد من ذويها مجددًا.

ظلت الشقة مغلقة منذ عدة سنوات، ولكن قبيل ذلك لم يخالط سكانها جيران العمارة، لم يعرفوا عنهم سوى أن ابنتهم منتقبة، وأن زوجها ضابط الجيش السابق متورط بعدد من العمليات الإرهابية.

هنا توجهنا نحو محل عملها في كلية البنات بمصر الجديدة، حاولوا زملائها بقسم اللغة العربية تجاهل الأسئلة، حتى اصطنع البعض أنه لا يتذكرها، ولكن مع إلحاحنا كباحثين في حاجة إليها للاستفسار عن معلومات خاصة برسالتها، نصحنا بعضهم بالابتعاد عنها واختيار أي أستاذ آخر، ولكن وصفها عدد منهم بـ"الخلوقة والمتعاونة"، لكنها لم يكن لديها أي أصدقاء.

وبالرغم من هيئتها المنتقبة، لم يبد عليها مظاهر التشدد، ولكن شقيقتها الكبرى "علا"، الأستاذة بالكلية نفسها، كانت أكثر حدة، وغلبت عليها مواقفها السياسية حتى أنها شاركت في اعتصام رابعة العدوية، وفجأة اختفتا الأختان، الأولى تقدمت بأجازة رعاية طفل منذ عام 2011، تجددها كل عام عبر مكتب محاماه، لم يوافق الموظفون على الإفصاح عن اسمه، والثانية فصلت من الكلية بعد أن تغيبت لأكثر من عام، ولم تول اهتمامًا لكافة الإنذارات التي أرسلت لها.

انقطعت أخبارهن، وأغلقت هواتفهن، لا أحد يعلم عنهن سوى أن زوج نسرين، ضابط معارض ولديه مشكلات مع الدولة. في حين أن البعض يرجح أن يكون الأختان خارج البلاد، وهو ما نفاه مصدر أمني، أكد لنا أنه "لا يوجد ثمة بيانات داخل مصلحة الجوازات تقول أن نسرين غادرت مصر بطريقة شرعية".

أما المنزل الثالث الذي استخدمه هشام كأحد الأوكار، كان أكثر غرابة من السابقين، حيث إنه شقة داخل مساكن الضباط بمنطقة 6 أكتوبر، يحاوطها نقاط التمركز الأمنية، تنظم حتى عدد راكبي الحافلات العامة، ورغم ذلك كان لديه من الجرأة الكافية ليخفي بداخلها صندوق كرتوني به بعض الأدوات التي تستخدم في صنع الدوائر الكهربائية، وحوالات مالية بإسم عمادعبد الحميد بعملات أجنبية، تجاورها حزمة أوراق بعنوان "الولاء والبراء" تحث على السمع والطاعة لأوامر التنظيم، وكان هشام قد أعطى لعماد هذه الشقة ليتزوج بها، وفقا لزوجة هشام.

وفي أجواء خريفية وغيوم كثيفة، دخلنا إلى هذه المساكن، كانت بناياتها موحدة التصميم، يعكف عسكري أمن مركزي واحد على حراسة كل مربع منها، وفي البناية رقم (273 أ)، بدت الشقة 32 في الطابق الثاني، مهجورة ومغلقة منذ سنوات، لا أحد من السكان يعرف عنها شيء.

اتُهم هشام في جرائم – لم يعلن مسؤوليته عنها - كاغتيال النائب العام هشام بركات في يونيو 2015، اختفت أخباره منذ ذلك الوقت لفترة طويلة، حتى عاد اسمه ليتردد في يونيو 2017، عندما ظهر المتحدث باسم الجيش الليبي، العقيد أحمد المسماري، متحدثًا عنه: «إن ضابطًا مصريًا سابقًا يقود حاليًا جماعة متشددة في مدينة درنة شمال شرقي ليبيا، فى الهجوم الإرهابى بالمنيا في مصر، الذي أسفر عن مقتل 29 قبطيًا".

ومرة أخرى عقب حادث الواحات، الشهر الماضي، يقول المحامي أحمد حلمي، ويتفق معه الخبير الأمني، خالد عكاشة، "المعلومات المتوفرة تشير إلى أنه في ليبيا حاليًا، مصاب، ولا ينفذ أي عمليات لكنه العقل المدبر لعملية الواحات، مستعينا بخطة "كمين وغارة" التي تدرب عليها أثناء خدمته بالقوات المسلحة، لكن من نفذها هو عماد عبدالحميد الذي قتل في ضربة الجيش الأخيرة"، وهو ما ذكره بيان جماعة مجهولة أطلقت على نفسها "أنصار الإسلام"، تبنت العملية.

لكنه لم يظهر، لم يعلن عن نفسه مجددًا بعد 2015، ربما يكون في ليبيا أو مكان آخر، وربما جاء إلى مصر بطريقة ما، ربما يكون على صلة بزوجته وأولاده ووالدته وأشقائه الأربعة، وربما قرر أن يبتعد ويتحمل النتائج وحده، الاحتمالات كثيرة، ولكن الحقيقة المؤكدة أن هشام عشماوي، المطلوب أمنيًا منذ 4 سنوات، لا يزال حرًا، يخطط لعمليته المقبلة.

-استندت القصة إلى وثائق حصل عليها "مصراوي"، من تحريات وتحقيقات النيابة العسكرية ونيابة أمن الدولة العليا وشهادات المتهمين في قضية "أنصار بيت المقدس 1، 3"، وشهادة زوجة هشام عشماوي، إلى جانب أحاديث مع المحامين في القضيتين، ولقاءات ميدانية شملت جيرانه والمقربين منه.

إعلان

الأخبار المتعلقة

إعلان

إعلان