الإرث الذي تركه حمدي قنديل للأجيال القادمة

محمود الورداني

الإرث الذي تركه حمدي قنديل للأجيال القادمة

محمود الورداني
09:00 م الخميس 08 نوفمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

عاش حمدي قنديل (1936- 2018) اثنين وثمانين عامًا وترك سيرة نبيلة ومحترمة. لم يتوقف عن العمل والتأثير والإضافة إلا بسبب مرض عصف به خلال الشهور الأخيرة، وعلى الرغم من أن حالته كانت تستلزم "غسيلًا كلويًا دائمًا"، إلا أن وقوعه أكثر من مرة وإصابته بكسور وهو في هذه السن عجّل بنهايته.

لست من المغرمين بكتابة المراثي والنواح على الراحلين، كما أن حمدي قنديل تحديدًا لا ينبغي أن نذرف الدموع عليه، فقد عاش وفيا لأفكاره وقناعاته ولم يلعب على الحبال في واحدة من أكثر المهن خطورة وتأثيرا على الجماهير، كما أنها مهنة شهدت كثيرا ممن أدمنوا اللعب على الحبل والتقلب بين النظم والدول والرؤساء، وهي مهنة الإعلام بالغة الخطورة.

لم يهن أو ينحني، وعاش طويلا كما يريد، مخلصا للحقيقة كما يراها.

ولأنه رجل لا يعرف أنصاف الحلول ولا التنازلات، فإن برامجه المؤثرة التي كان يشاهدها الملايين في كل أرجاء الوطن العربي كثيرا ما أوقفت بقرارات فوقية مثل برنامجه "رئيس التحرير"، وبعده "قلم رصاص" الذي أوقف أيضا بسبب جرأته وعدم سكوته عن الحق.

على أي حال، ترك الرجل إرثًا لا يبليه الزمن، للأجيال القادمة من المصريين وخصوصا الإعلاميين منهم، وهو كتابه "عشت مرتين" الذي صدرت منه ثلاث طبعات عام 2014 عن دار الشروق. الكتاب سيرة ذاتية في نحو 600 صفحة من القطع الكبير يحكي فيها بصراحة مطلقة كل ما جرى في رحلته الصعبة. علاقته بالساسة والحكام والمثقفين والمفكرين، والتجارب التي خاضها منذ تأسيسه لأول قسم أخبار بالتليفزيون المصري في الستينيات، وكان يتسلق السقالات في طريقه إلى مكتبه لأن المبنى كان في طور الإنشاء.

شارك قنديل أيضا في تأسيس القمر الصناعي العربي، إلى جانب تأسيس قنوات عربية عديدة. ويختتم سيرته الذاتية الحافلة برواية جانب من الدور الذي لعبه في التمهيد لثورة 25 يناير من خلال ما قام به في الجمعية الوطنية للتغيير التي كان متحدثا رسميا لها، ثم دوره بعد الثورة واختياره الوقوف ضد الفريق شفيق الذي كان نجاحه يعني لديه عودة مبارك وهزيمة الثورة، لذلك أيّد مرسي بشروط معلنة في مؤتمر صحفي، وعندما ظهرت حقيقة حكم الإخوان المسلمين، سارع بإعلان انسحابه من تأييد مرسي بكل الوسائل الممكنة.

من جانب آخر، يكشف قنديل في سيرته الذاتية عن جانب ربما ليس معروفا للجميع، وهو عمله في الصحافة سنوات طويلة منذ كان طالبا في كلية الطب في خمسينيات القرن الماضي، ولأنه يهوى الصحافة منذ الصغر تم اختياره لعمل مجلة مطبوعة لكلية الطب، وبرفقته زميله في الكلية وصديق عمره الصحفي الكبير الآن محمد العزبي. تولت مطابع أخبار اليوم طباعتها، وأفرد مصطفى أمين بنفسه مكانا خاصا بالدار لتجهيز المجلة وإعدادها للطبع في خريف عام 1955.

بالطبع لمصطفى أمين نظرة خاصة وقدرة مذهلة على اكتشاف المواهب فوثّق علاقته بقنديل والعزبي. أما المجلة فقد قام عميد الكلية بمصادرتها بعد الطبع لنقدها الجريء وخصوصا في الموضوعات السياسية التي طرحتها.

تطور عشق الزميلين قنديل والعزبي للصحافة إلى مغادرة كلية الطب وهما في السنة الثانية، وهو تصرف مجنون تماما رغم معارضة أسرة كل منهما بطبيعة الحال. وأثناء دراستهما، قام مصطفى أمين بتعيين قنديل في مجلة آخر ساعة التي كان يرأس تحريرها محمد حسنين هيكل، لكن قنديل لم يلتق به قط فقد كان محررا لباب أسبوعي صغير هو بريد القراء، ثم ترقى ليحرر باب الأبراج!

عمل أيضا في مجلة التحرير التي أسسها النظام الجديد، والتحق في الوقت نفسه بكلية الآداب قسم الصحافة أثناء عمله، كما سافر إلى سوريا ليعمل هناك في الصحافة قبل أن يلتحق بالتليفزيون ويؤسس أول قسم للأخبار..

هذا هو حمدي قنديل في بواكير حياته، أما باقي سيرته فهي الإرث الذي تركه للأجيال القادمة.

وداعا لقامة كبيرة أضاءت حياتنا ..وداعا لحمدي قنديل.

إعلان

إعلان

إعلان