s
أن تعيش لتروي.. وهكذا فعلها "ماركيز"

أن تعيش لتروي.. وهكذا فعلها "ماركيز"

د. هشام عطية عبد المقصود
09:00 م الجمعة 12 يناير 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تلك الأشياء التي نحملها معنا وتمضى لمحة كأنها محطات أعمارنا الأثيرة، بكل ما تحمله حينها من فتوحات البهجة ونتوءات ألم أو حزن، هكذا تتشكل ساحة الذكريات وسردها، وهكذا يمضي معنا جابرييل جارسيا ماركيز أديب نوبل الأشهر في رواياته لما رأى.

ليس الكتاب ولا السيرة جديدة، لكنها تزهو متجددة في كل مرة قراءة لتدهش وتطوى المسافات بين القارات، فتقرب البشر من جوهر واحد، يكمن في تلك التفاصيل التي تجمعنا وإن اختلفت لغات أو ألوان أو تعددت أفكار ومذاهب، إذ تمتد نحو الزمان الذي منحنا تواجدا أولا عند آدم وحواء الأقدمين.

المضي قراءًة في حديقة ماركيز يُفتح ورود الصباح ويطلع معه قمر المساء صافيًا، لن يدهشك بالأعاجيب ولن يتعمد الوقوف عند اللقطات التي تصر بعض المذكرات المقلدة أن تتأنى عندها تدليلًا على الصراحة واستجلابا للدهشة الخالية من عمق، كما أنه يبتعد كلية عن الاستغراق في نثر فلسفة يقطرها افتعالا كأنه فوق جبال الأوليمب يستغرق في تأملات محيطة كهالات الدخان. نص له زهوه المتفرد، أضافت له ترجمة صالح علماني سحرا أخاذا بصفاء اللغة، حتى ليبدو النص رغم تاريخ نشره الذي مضت عليه سنوات طويلة عند صدوره من دار المدى متجددا نابضا.

يظهر ماركيز هنا في سيرته الأخاذة شغوفا، تلقائيا كراوٍ شعبي، يطلق في أرواحنا أشياءً ربما نعرفها واستمعنا إليها ذات مساء بعيد، هنا تستعاد في سياق آخر بعذوبة جمة، يحكى عن ارتحالات البشر الذين مر بهم وعاش معهم، والأماكن التي حطوا على أرضها وأمسيات الشاي، والراحلين، حكايات تمتد لتشكل مساحة التقاء، مع حكايات ألفناها في أزمان عرفناها هنا، حتى لتكاد تقول ما أبعد الجغرافيا وما أقرب البشر، مشاهد السعي، وقوافل المرتحلين وراء أحلامهم البسيطة، حكايات عن الإنسان في كل العالم.

أيضا براعة وصفه لمحطات القطارات ودلالتها بالنسبة لفلاحي القرى، وكيف كانوا يؤرخون أوقاتهم بصفير القطار الوحيد عند مروره بينما يعملون في الحقول المترامية، وصفه لظلال الإنارة الشاحبة في المساء، والأسر الممتدة داخل البيت الواحد، الذي يتسع براحا للجميع، ثم الحظائر الريفية والتي تجمع كل الطيور والحيوانات في ألفة وتناغم عجيب، وسرد أمسيات البهجة الليلية، بالتحلق حول ما تيسر من طعام.

في "عشت لأروي" دلالة واضحة على أن الذكريات هي ما يبقى، ذكريات الأماكن، والبشر، واللافتات .. السطور الغائرة التي قرأناها، ثم كل ذلك الحس الملحمي لحياة البشر صعودا لا ينقطع عنه منزلقات هبوط، رحابة في الرؤية، وتشبثا باللحظات الجميلة، حيث يستبقيها ماركيز عبر ذوات مختلفة، يمنح لكل منهم أن يحكى العالم كما عاشه، بخبرة مختلفة وبمذاق منفرد.

يحكى ماركيز في سيرته العذبة، عن بعض الخادمات والمساعدات المنزليات في بيت جده القديم، وكيف صنعوا لطفولته بحضورهم البسيط شيئا صار عميقا في روح هذا الروائي المتفرد: " أعتقد أن علاقتي بهن هي الأصل في خيط تواصل سرى أظن أنني أمتلكه مع النساء، أتاح لي على امتداد حياتي الشعور بالراحة والأمان بينهن.. ويمكن أن تكون قد أتت من هناك أيضا قناعاتي بأنهن عماد حماية العالم، بينما نشيع نحن الرجال فيه الفوضى بهمجيتنا التاريخية".

ويروي مسترخيا عن سحر الخرافات والأساطير لدى الأطفال والكبار في ليل الريف قبل دخول الكهرباء، وحيث يصبح الترجل في القرية مساء رحلة أسطورية، يعود منها ممسوسا بهواجس شتى، ثم سهراته مصغيا لحكايات الأعمام والأخوال عن العفاريت التي تسكن الدور البعيدة المغلقة ذات الصرير، ذلك الذي لا يظهر سوى ليلًا، ويكتمل التشويق بحكاية الرجل الذي قابلهم وطلب منهم أن يحملوا أشياءه واختفى.

ويحكى عن جده فيقول:" وكان معروفًا للجميع وهو يكبر أن غدر السنين الذي بدأ يقلقه.. كانت علاقة زواجه من النوع الذكوري في مجتمع أمومي، حيث الرجل هو الملك المطلق في بيته ولكن من تحكمه هي المرأة".

يبرع في التقاط اللقطات الفذة في بعض ما عاشه ليرويه: "لم أستطع قط تجاوز الخوف من البقاء وحيدا ولاسيما في الظلام، ففي الليل تتجسد أشباح ونذر الجدة، حتى الآن وأنا في السبعين، الرعب من الليل، ليالي أرقى التي تساوى أرق العالم كله".

ولا ينسى فيما رأى ما أسماه "الذكرى الأكثر تأثيرا في حقبة طفولتي، وهى المرور السريع العابر لنائب مدير شركة الموز، في سيارته الفخمة المكشوفة وإلى جانبه امرأة، ذات شعر ذهبي طويل، متروك للريح، وكلب حراسة ألماني جالس كملك في مقعد الشرف، كانوا رؤية سريعة عابرة، من عالم ناء بعيد الاحتمال ومحظور علينا، نحن البشر الفانين".

ولا يختفي التأثير الثقافي العربي المبكر في أدب ماركيز: "قرأت أول كتاب كان في خزانة قديمة، وقد مرت عدة سنوات قبل أن أعرف أن الكتاب هو (ألف ليلة وليلة)".

هامش

هكذا تحدث باولو كويليو في "مكتوب": يستطيع مدرب الحيوانات في السيرك السيطرة على الفيل الضخم بخدعة بسيطة، فعندما يكون الحيوان صغيرا، يربط إحدى أرجله في جذع شجرة ضخمة ويحاول الفيل التخلص من القيد فلا يستطيع، وشيئا فشيئا يعتاد فكرة استحالة التخلص من قيده، وحين يصبح فيلا كبيرا ضخما، لن يكون مطلوبا سوى ربطه بخيط رفيع حول رجله ووصله بشجرة صغيرة، ومستسلما، لن يحاول أبدا أن يخلص نفسه".

إعلان

إعلان

إعلان