s
صنع الله إبراهيم.. الرجل الذي قال لا!

صنع الله إبراهيم.. الرجل الذي قال لا!

خيري حسن
09:00 م السبت 13 يناير 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

وصلت ذات يوم إلى شارع صغير، يقترب من شارع جسر السويس شرق القاهرة، ويمتد حتى نهاية حي مصر الجديدة. ترجّلت مسافة ليست قليلة حتى وصلت إلى العنوان الذي كنت وقتهاـ كان ذلك في نهاية عام 2008ـ في طريقي إليه.

الجو حار، والشارع هادئ إلى حد الملل، والعمارات قديمة بعض الشيء، والرصيف يميناً ويساراً يعاني الإهمال الحكومي غير المبرر. والمارةـ ربما من شدة الحرـ عيونهم تائهة، وأجسادهم واهنة، ووجوههم عابسة. أمام العمارة 8 التي تأخذ ناصية شارعين، وجدت زميلي المصورـ حيث كنا في طريقنا لإجراء حوار صحفي مع الكاتب الروائي القدير صنع الله إبراهيم- يقف في انتظاري، ويتصبب عرقاً، وينظر لي بعيون يتطاير منها الغضب.

رد على سلامي، بصعوبة شديدة، وهو يقول: "ألم يجد الأستاذ صنع الله مكانا قريبا من هذا يسكن فيه"؟!

قلت دون أن أعلق على سؤاله: اتفضل.. الأستاذ فى انتظارنا.

دخلنا العمارة ذات المدخل الصغير. ثم هز رأسه، وهو يقول: "العمارة أيضا بدون أسانسير، وحسب العنوان، هو يسكن في الدور السادس.. أليس كذلك؟

قلت: هذا صحيح. عاد للخلف وألقى بظهره للحائط وهو ينظر لي، ثم نظر للسلم المظلم، ونظر للشارع من مدخل العمارة، وأنا أكتم بداخلي ضحكة لو أطلقتها لتحول زميلي من حالة الغضب إلى حالة التهور.

قلت: اتفضل، وأشرت للسلم، وبدأنا رحلة الصعود. عند الدور الثاني قلت له: نحن الآن يا صديقي في طريقنا إلى كاتب قدير، له إبداعه الرائع في كتابة الرواية، فهو صاحب أسلوب متميز في الحكي والسرد، وتتشابك أعماله مع سيرته الحياتية وتاريخ مصر السياسي، وحصلت روايته، (شرف) التي صدرت عام 1981 على ثالث أفضل رواية عربية، حسب تصنيف اتحاد الكتاب العرب.

كنت أتحدث وزميلي يواصل الاستماع لي في محاولة منى لينسى صعوبة الصعود على السلالم التي لم يتعود عليها، فهو ابن طبقة لا تسكن في عمارات بدون أسانسير.

أنا أتكلم وهو يهز رأسه.

قلت أيضاً: لقد دفع هذا الكاتب من عمره خمس سنوات بعدما اعتقل عام 1959 في ظل حملة شرسة قادها نظام الرئيس عبدالناصر ضد اليسار، وقضى سنوات الاعتقال في سجن الواحات الرهيب الذي عرف عنه تميز حراسه من رجال الأمن بالشراسة والعنف والتعذيب المميت وقتها. وواصلنا رحلة الصعود حتى وصلنا إلى الشقة. على بابها ملصق مكتوب عليه القدس لنا. وبجواره ملصق آخر لحركة كفاية ذائعة الصيت، قبل ثورة 25 يناير.

بعد دقائق فتح لنا الأستاذ. ارتاح زميلي على أقرب كرسي، وطلب كوب ماء، قبل أن يبدأ عمله. في هذا اللقاء تحدثنا عن مجمل الأوضاع السياسية في مصر مع قرب انتهاء عصر وزمن الرئيس الأسبق مبارك، هذا النظام الذي هاجمه صنع الله بشدة، وكان من المثقفين القلائل الذين وقفوا ضده وهاجموه بكل قوة. ويكفيه فقط أنه وقف ذات يوم من عام 2003 أمام وسائل الإعلام في احتفالية كبرى أقامتها وزارة الثقافة، بعدما تم منحه جائزة الرواية العربية الأولى، والتي كانت تقدر قيمتها المالية بـ100 ألف جنيه، ليقول للنظام المصري المتمثل في وزارة الثقافة.. لا!

يومها بعدما صعد ليتسلم الجائزة والقاعة تستعد للتصفيق له، وجدوه يقف وهو يشعر بنفسه وبذاته وبقوته، ويأخذ مكانه في مواجهة من في الاحتفالية، ويقول لهم وللتاريخ:

"في هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وتقتل النساء الحوامل والأطفال، وتشرد الآلاف، وتنفذ بدقة ومنهجية واضحة خطة لإبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه، لكن العواصم العربية تستقبل زعماء إسرائيل بالأحضان. فعلى بعد خطوات من هنا يقيم السفير الإسرائيلي في طمأنينة، وعلى بعد خطوات أخرى يحتل السفير الأمريكي حيا بأكمله، بينما ينتشر جنوده في كل ركن من أركان الوطن الذي كان عربيًا".

هنا ارتبكت القاعة ومن فيها، فواصل هو كلمته قائلاً: "ولا يراودني شك في أن كل مصري هنا يدرك حجم الكارثة المحيطة بوطننا، وهى لا تقتصر على التهديد العسكري الإسرائيلي الفعلي لحدودنا الشرقية، ولا على الإملاءات الأمريكية، وعلى العجز الذي يتبدى في سياسة حكومتنا الخارجية، إنما تمتد إلى كل مناحي حياتنا. لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم، لدينا فقط مهرجانات وصندوق أكاذيب. لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو عدل، تفشى الفساد والنهب، ومن يعترض يتعرض للامتهان والضرب والتعذيب. انتزعت القلة المستغلة الروح منا. الواقع مرعب. وفى ظل هذا الواقع، لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت. لا يستطيع أن يتخلى عن مسئوليته. لن أطالبكم بإصدار بيان يستنكر ويشجب، فلم يعد هذا يجدي، لن أطالبكم بشيء، فأنتم أدرى مني بما يجب عمله"، وقبل أن ينتهي من كلمته الغاضبة، والصارخة، والشارحة لحال المواطن العربي والمصري، قال للحضور في القاعة، وكان يتقدمهم فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق: " كل ما أستطيعه هو أن أشكر مرة أخرى أساتذتي الأجلاء الذين شرفوني باختياري للجائزة، وأعلن اعتذاري عن عدم قبولها، لأنها صادرة عن حكومة لا تملك- في نظري- مصداقية منحها". وقتها ضجت القاعة بالتصفيق له، وخرج من الاحتفال وهو في قمة السعادة.

عدت من الاحتفالية ومن كلماته التي مازالت محفورة بسطورها ومعانيها في صدارة المشهد الثقافي المصري والعربي، كوثيقة رفض لكل ما هو ضد كرامة الإنسان العربي، في أن يكون إنساناً يستحق أن يعيش بكرامة وإنسانية، دون قهر أو خوف أو جوع أو مرض. وقتها كان الأستاذ يتحدث عن فلسطين التي ضاعت، والأمة العربية التي يتحكم في مصائرها حكام وزعماء باعوا القضية، وأهانوا شعوبهم، وقتلوا فينا الأمل، وزرعوا بيننا الفتن، وتركوا لصوص الأوطان وتجار الدم يدهسون الحق والعدل والأمن بأحذيتهم الثقيلة، دون رادع، من أي حكومة من حكومات الهوان العربي التي تحكمنا.

قلت له وأنا أستعد لمغادرة شقته المتواضعة التي نجلس فيها، هل وافقت زوجتك بسهولة يا أستاذ على رفضك جائزة مالية ضخمة، كالتي رفضتها؟!

ضحك وهو يودعني، وقال: من حيث المبدأ، لم يكن بوسع أحد أن يجعلني أقبل ما لا أريد قبوله. ورغم ذلك قالت لي زوجتي وقتها عندماً علمت منى أنني في طريقي لاتخاذ قرار الرفض: "أنا عارفة إنك جدع وهترفضها".. قالتها وهى تضحك وتشعر بالفعل أنني سأفعل هذا!

كان يتكلم ونحن نقترب من باب الشقة ليودعني، وكنت أنا أضحك بشدة وكان زميلي المصور في حالة دهشة ولسان حاله يسأل: كيف يرفض هذا الرجل جائزة بهذه القيمة هكذا بسهولة؟!

على باب الشقة وقف في وداعنا، وتركنا ليعود إلى عالمه الإبداعي الذي يحبه، والذي يتسق فيه مع نفسه دون زيف أو خوف أو كذب على نفسه أو على قارئه. بدأنا أنا وزميلي المصور النزول على سلالم العمارة وعندما خرجنا، تركني وتحرك هو في طريق، وأنا في طريق آخر لكن قبل أن نبتعد عن بعضنا وجدته يقول بصوت مسموع لكل من في الشارع: "هو فيه.. حد عاقل يرفض جائزة 100 ألف جنيه؟!".. ثم أطلق قدميه للريح وهو يشير بيديه بعلامة الرفض والغضب من موقف صنع الله إبراهيم. وأنا أضحك على حاله وحالي وحال الكثيرين مثلنا، الذين يتوهمون أنهم عقلاء، في زمن غاب فيه العقل والمنطق، وحضر (صندوق الأكاذيب) الذي نعيش فيه ليلاً ونهاراً.

إعلان

إعلان

إعلان