ياسين "سجين سياسي": اللي عاش عمره "سجن وضرب" صعب يتعود على الحياة الطبيعية

08:41 م الثلاثاء 26 يوليو 2016
ياسين "سجين سياسي": اللي عاش عمره "سجن وضرب" صعب يتعود على الحياة الطبيعية

ياسين محمد

كتبت- إشراق أحمد:

بعد يومين من إتمامه 21 عاما، وبينما يجلس مع رفاق عنبر الدواعي الأمنية بسجن طرة، التفت ياسين محمد لفعل غريب؛ يهمس السجان من "نضارة" الزنزانة –شباك- لأحد المحتجزين مثله في "أحداث الشورى" فيلتفت أحمد عبد الرحمن "نوبي"، ويخبر جمع بينهم "ياسين"، أن يستعدوا للرحيل، دارت برأس الأخير كافة الاحتمالات، ليس بينها مغادرة السجن نهائيا، وعلى أبواب مبنى الإدارة، والليل يخيم المكان، أخذ يتقدم مع أخرين، حتى خطت قدمه خارج حدود السجن، فاستدار فجأة عائدا للداخل، لولا أن تداركته الأيدي لتعيده. لم يستوعب الشاب أنه بين المفرج عنهم، وهو على ذمة قضية أخرى.. وكذلك باتت حياة "ياسين" على خط فاصل بين "الحبسة"، وما خارجها، لا يُمهَل فرصة لأخذ النفس، والتأقلم مع أي من الحياتين.

"من الكتمة للهوا".. كان وصف "ياسين" للخروج بغتة من سجن طره، يوم 23 سبتمبر 2015، ليس تعبيرا فقط عن اللحظة، التي جاءت بعد يقين البقاء بالسجن لثلاث سنوات، بل عن مرات ثلاث سابقة، سيق بها إلى الحبس كرها، دون سابق إنذار، ليخرج منه كذلك، حتى صار لقب "سجين سياسي" رغم صغر عمره، أقرب إلى سيرته، من طالب ثانوي، لم يمنح الفرصة لإنهاء تلك المرحلة المتوقف عندها منذ سنوات.

407 يوم قضاها "ياسين" بين سجن طنطا الذي يصفه "بالسلخانة"، وسجن طره، حيث قضى عام قبل الإفراج عنه، مع مَن جاءت أسمائهم بقائمة العفو الرئاسي سبتمبر 2015. تهم عديدة وجهت إليه، غير أن السبب الرئيس في القبض عليه كان لمشاركته في وقفات احتجاجية. هذه التهمة التي ظلت تطارده، فالحياة خلف أربعة جدران صماء لم تتوقف بصدد تلك الأيام، إذ بات الشاب العشريني على أعتاب تنفيذ حكم بخمس سنوات سجن، إثر القبض عليه أثناء مشاركته بالتظاهرات الرافضة لاتفاقية ترسيم الحدود وتسليم جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية.
1
عرف "ياسين" معنى السجن، بينما لم يتجاوز السادسة عشر عاما، حين أبصر أمين شرطة ينهال ضربا في الشارع على طفل لا يبلغ عشرة أعوام، اندفع حينها ابن المرحلة الثانوية، ليذود عن الصغير، وسرعان ما تطور الأمر بدخوله المؤسسة العقابية "معملوش محضر لكن قعدوني شوية في مكتب رئيسة المؤسسة.. مكملتش شهر".

كان ذلك قبل نحو خمسة أشهر من ثورة 25 يناير 2011، حين ذاق "ياسين" لأول مرة معنى الإهانة "أكلت علقة من اتنين ظباط كانوا بيحققوا معايا.. ضرب بغباء"، عرف معنى قتل السجن للمشاعر "من اللحظة دي بقى عندي برود من الضرب" لكنه أدرك كذلك كيف تصنع القضبان أفكار مغايرة، فمنذ تلك اللحظة لم تعد الحكايات عن القبضة الأمنية، وفساد النظام مجرد روايات مسموعة، بل حقيقة رأتها عيناه، وتألم لها جسده، لذا حينما خرجت الدعوات للثورة، كان ابن المرحلة الثانوية حاضرا، وكذلك كل مرة يتم الدعوة بها للاحتجاج ضد السياسات إزاء السجناء والمعتقلين.

2

يأتي "الحبس" للشاب العشريني من حيث لا يحتسب، لا يدري لهذا سببا أو جرما، سوى إيمانه بالثورة "مش متعود أشوف ظلم أو غلط واسكت حتى لو كان رد الفعل غلط"، فكانت محاولة تخليص الفتيات المشاركات بالوقفة الاحتجاجية ضد قانون التظاهر في 26 نوفمبر2013، من أيدي الأمن المنهال عليهم بالضرب، السبب في القبض علي "ياسين"، ليرفق اسمه ضمن 25 متهم بقضية أحداث مجلس الشورى، فيما كان وقوفه يوم 8 يناير 2014 بعد المشاركة في وقفة لا يتجاوز عدد المتواجدين بها 20 شخص، وبينما يتناول "شربة عدس" حسب قوله، قرب تمثال طلعت حرب السبب في اتهامه بالقضية الحاملة رقم 324 لسنة 2014 جنح قصر النيل.

3

9 أيام بسجن مزرعة طره، رأى بها "ياسين" ما يسمعه عن سجن "الناس التقال"، من معاملة فندقية، "المراتب مركات"، كل شيء متوفر، ومساعد وزير الداخلية يطل عليهم كل صباح لمعرفة احتياجاتهم، أيام ظلت فقط للتندر عند "ياسين" ورفاقه، قبل أن يلقى الأسوأ بعد نحو شهرين من إخلاء سبيله على ذمة قضية الشورى.
ضرب، صعق بالكهرباء، تجريد من الملابس، اعتداء جسدي، تعصيب العين لساعات طوال، تقييد الأيدي بحبال السيارات البلاستيكية "القفيز" حتى تدمي، الترك أسفل السلم عرايا، الترحيل لسجن لا يرى الشمس، في غرفة خالية إلا من إناء لقضاء الحاجة، و3 أرغفة خبز وحلاوة وجبن يقتاتها جميع من بالغرفة.. ما تعرض له "ياسين" و11 آخرين، منذ القبض عليهم 8 يناير 2014 وطيلة 42 يوم قضاها متنقلا بين نقطة شرطة التحرير، قسم الدرب الأحمر، وقصر النيل، ومعقل التعذيب في قسم عابدين، وسجن طنطا، كان كفيل لترك "كوابيس" تؤرق منام الشاب بعد خروجه في فبراير 2014.
4
تقلص الفارق الزمني بين احتجاز وآخر، من عامين بين "الحبسة" الأولى والثانية، إلى ستة أشهر. كان ينتظر "ياسين" بانقضائها مصير السجن للمرة الخامسة في عمره "عليا جلسة إعادة إجراءات على حكم بسنتين سجن وسنتين مراقبة في قضية طلعت حرب" يقول "ياسين" بابتسامة حزينة، وقد تأجلت الجلسة لثلاثة مرات، وفي الأخيرة جاء تأييد الحكم غيابي يوم 26 إبريل 2016، إذ كان الشاب يقضي اليوم الثاني له بقسم العجوزة بين المحتجزين في "يوم الأرض"، فرغم تجاوز نصف العام على بقاءه خارج حدود الزنزانة، غير أنه لازالت هناك غصة بنفسه "طول ما أنا جوه السجن بتعود، لكن تخرجني وتدخلني من جديد تاني ده الأصعب".

سجن، إخلاء سبيل، حكم غيابي، هروب... كذلك تتلخص حياة "ياسين" منذ 2013. بسجن طره تحقيق، كانت الفترة الأطول لـه مع السجن. استقبال الهواء بعد عام لم يكن هين؛ دوخة، رعشة، خطوات متعثرة "كنا زي أطفال لسه بنتعلم المشي.. كنا حاسين أننا بنحلم"، اختلف الحال بعد مغادرة زنازين محدودة الأمتار، البراح بها مقيد في ساعة إلا ربع باليوم، لرؤية السماء ونور الشمس إن لم تُمنع، والدعوات فيها تكثر صيفا، رغبةً في حلول الشتاء رغم قسوته، فقط أملا بالنجاة مما تحمله الكتمة من أمراض تزيد المعاناة.

شبران وقبضة، وأحيان نادرة ثلاثة أشبار، هي المساحة التي اعتاد "ياسين" عليها بالسجن، غير أن غرفته كانت أكثر ضيقا على نفسه في أول ليلة له بالمنزل، لم يستطع النوم إلا حين هيأ فرشته كما الحبس "شيلت المرتبة من على السرير وحطيتها على الأرض"، وإلى الآن لا يأتيه النوم إلا على هذا الوضع، حتى أنه أخرج السرير عن غرفته نهائيا.
تبدلت الموازين؛ الحياة الطبيعية صارت "عالم جديد"، يلزم التكيف معه، وانحصرت الأمور بين "الميري والملكي" كما يصف "ياسين"، فأدرك أن عليه خلق مزيج خاص "مكنتش عايز أوضتي تبقى ميري زي السجن، ولا طبيعية عشان مش عارف اتعامل معاها"، فامتنع عن فتح خزانة الملابس، وجعل الحقائب "عصفورة" كما يفعل السجناء مع أشيائهم بوضعها في حقيبة، معلقة بحبل أو مسمار، لتتدلى فوق الفرشة، فيما أحضر دهان "إسبراي" بكافة الألوان، وطلى حيطان حجرته بشكل يتيح الإضاءة الطبيعية "خليتها تنور بشكل خفيف".
5
ما لبث "ياسين" أن يصدق بوجوده خارج السجن "بجري براحتي وافتح باب الأوضة واخرج منها براحتي واقفل الباب تاني من غير ما حد يضربني ويقفله غصب عني وبشوف الشمس كتير" حتى أخبره المحامي بعد أسبوع بوجود حكم عليه بقضية "طلعت حرب"، لم يكن يعلم الشاب، بالنطق بالحكم غيابيا فترة سجنه، وقع الخبر كالصاعقة، ليدخل في حالة مختلفة عرفها بـ"المطارد": "كنت بحس أني متراقب، طول الوقت حاسس أن في حد هيجي يقفشني.. عايش بطلع في أوقات معينة، الحركة والكلام بحدود. مش خوف لكن مبحبش اتغفل".

عقب نحو شهرين من القلق زالت تلك الحالة بعض الشيء، بتقديمه "معارضة" على الحكم "بقيت عارف حجم المشكلة وده اريح"، لكن ظلت هناك حاجة في نفس "ياسين"، يجلس بحجرته وحيدا يرسم "مكنتش حاسس بفرحة الخروج"، يخشى التعامل مع الناس، يستيقظ كل يوم، يجلس لثواني يحملق بغرفته ويتساءل "أنا في السجن ولا البيت؟".

رغم ذلك لم يتوقف "ياسين" عن الحركة كعادته، ومحاولة تغيير الأمور؛ يذهب إلى القاهرة، حيث يحب أن يتواجد، يسعى إلى العودة للدراسة، يجد عملا بمحل للأثاث والانتيكات، وكان سببا في تهوين الحال عليه كثيرا كما يقول، يواصل فعل ما يحب من العمل، السفر، تعلم الجديد، فكان لا يذهب إلى منزله إلا "لما يكبس عليا النوم"، لا يترك لنفسه فرصة للتفكير، قرر "أني عاوز بس انبسط"، لكنه في الوقت ذاته ترك متنفسا عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، مساحة يتحدث بها بصوت عالي مع نفسه، عله يعيد ترتيب أفكاره من ناحية، وينقل بها كذلك معاناة الكثير مثله، ممن سيِقوا إلى السجون، وتنهال عليهم الأسئلة عما مروا به.

6

"أنا عارف إنكم بتشوفونا مبسوطين وبنضحك، وفيه مننا اللي بيشتغل واللي بيدرس وناجح، لكن كلنا بنكدب علي نفسنا وتعبانين وعجزنا فعلا في أفكارنا البريئة وخايفين من العالم والناس بس مش قادرين نحكي معاكم، مش قادرين نقول أحنا تعبنا علشان المبدأ صعب تغييره، كلامي مش معناه إننا مكسورين ومش قادرين لكن المعني الحقيقي في الرحمة" كانت تلك إحدى الكلمات التي وجهها "ياسين" لأصدقائه، وجميع مَن لديه معرفة بأحد السجناء السياسيين والمعتقلين.

لا تغيب تفاصيل السجن عن "ياسين"، لا يخشاه لكنه لا يحب تذكر أيامه، تنسدل منه لماما رغم محاولته تناسيها، فيحتفظ بتكوينات السجن الأول في المؤسسة العقابية، علاقته بذلك الصغير صاحب المشكلة، نزلاء المؤسسة العقابية مثل ابن الست سنوات المصاب بقدمه "كنت أنا وواحد تاني بنغير له على الجرح"، وذلك المقيم بالمكان فقط لاشتغال عمه به. ذلك الوقت الذي أبصر به طباع السجّانين "اللي ماسك العنبر كان شايف نفسه لكنه مش شرير"، ولم يستسلم منذ هذا وإلى الآن لمثل الصور الذهنية، عن الجنائيين أو السجانين.

رغم ما عاناه "ياسين" غير أنه في يونيو 2014، عاش أقسى اللحظات خارج السجن، حين جاءه هاتف من المحامي، بينما بطريقه لحضور جلسة قضية "الشورى"، أخبره أنه حكم عليه بالسجن 15 عاما، أغلق الشاب الهاتف في وجه محاميه، غير مصدق أن مظاهرة سلمية تؤدي لهذا الحكم "مرت السنين قدام عيني"، ولم يستوعب إلا بعدما انهالت عليه الاتصالات تنصحه بالاختفاء عن الأنظار "معرفتش أعمل إيه روحت جبت نضارة شمس ولبستها" يقول الشاب مبتسما، عن عدم إدراكه لتطور الأمور، التي كان من المفترض انتهائها بحفظ القضية.

ولأن طابع الشاب العشريني التمرد، كان يرسم صورة أفضل للأشياء مهما بلغت سوءاتها، فطيلة أكثر من 365 يوم داخل طره "كنت فاكر أني هخرج هلاقي في عربيات بتطير والدنيا اتغيرت، خرجت لقيتها زي ما هي"، لهذا قرر أن يضع لمساته، مسخرا موهبته وحبه للرسم.

في عنبر 4 حيث تواجد "ياسين" أغلب الوقت بسجن طره، تغيرت ملامح الجدران، قام الشاب بمعاونة رفاقه، ومن خلال أغطية أَسِرة طلبوها من أهاليهم، ونوع صمغ صنعوه من المعكرونة "خلينا الزنزانة كأنها أرابيسك"، ومن الأقفاص صمموا رفوف، وما يشبه قعدات المقاهي، أما الباب الحديدي الأسود، فصار من الداخل بالألوان، ومعلق عليه "جزامة" من القماش للأحذية، فالشاب العشريني، ذو العوينات الزجاجية يوقن أن "اللي عاش طول عمرة في مشاكل وسجون وموت وضرب صعب يتعود أو يحب الحياة الطبيعية" لذلك يصنع عالمه الخاص، حتى يقاوم الانكسار أينما كان.

7
"بكره أكون متكتف وعايش في سجن بره السجن" ذلك مبرر "ياسين"، الذي يدفعه في كل مرة للمشاركة بتظاهرة تندد بظلم واقع، وكذلك رفض محاولة الهروب من المصير المرافق له كما ينصحه البعض، ففي مساء السبت 14 مايو المنصرف، كان الشاب العشريني قد بدأ يتعايش بعد إخلاء سبيله، تقدم لمواصلة امتحانات المرحلة الثانية الثانوية، وذهب لتطوير اللغة الإنجليزية، واتفق مع أصدقاء له أن يساعدوه لتعلم برنامج "فوتوشوب"، وذلك حين جاءه خبر حكم الدائرة 21 إرهاب عليه ضمن 111 شخص متهما بالتظاهر، بخمس سنوات سجن، ودفع غرامة 100 ألف جنيه.

تحطمت آمال "ياسين" التي كان يعقدها بعد هذا الحكم، خاصة أنه لم يتجاوز بعد إعادة إجراءات الحكم بعامين في قضية "طلعت حرب". يكره الشاب السجن كما يكره الهروب، كان يدرك العاقبة المنتظرة، لكن طالما كذّب نفسه بأن تؤول لسيء "كان عندي أوهام الأمل والعالم الجميل عشان كنت عاوز ده وبسعى له"، إلى أن أمسى ما يرافقه كلما اقترب منه السجن هو تلك الكلمات "قولوا لأولادكم أن ياسين مش شرير".

لم يمهل الوقت "ياسين" لمعرفة مفردات التغيير بنفسه، لكنه يشعر "أني اتغيرت للأسوأ نفسيا"، فرغم ابتسامته الدائمة، وانطلاقه لملاقاة أصدقاءه الكثيرين، يقول إنه يحتاج فقط أن يلتمس الاستقرار، ليعرف التغير الواقع عليه، تنازعه الأفكار والأفعال، الرغبة في استكمال حياته، أداء الامتحانات، الالتحاق بكلية الإعلام كما يحلم، كتابة تجربته مع السجن، حتى ولو احتفظ بها لنفسه.

:تابع باقي موضوعات الملف

1-      بعد الإفراج.. محمود يحيى: بقيت أعرف أبص للسما.. والسجن غير اللي بيجي ف التليفزيون

undefined

2-      "صلاح" و"عبد الخالق".. توأم حمل السجن إلى الحياة

undefined

3-      ستة أشهر داخل "مركز الكفار".. ما فعله السجن بـ"طه"

undefined

4-      المجلس الدولي العربي لحقوق الإنسان: التطرف والجنون مصير السجناء بعد خروجهم (حوار)

undefined

5-      "العرابي" بعد السجن.. مايزال حبيس عنبر "ج" في طرة

undefined

6-      أحمد الدريني يكتب- الشيخ أحمد.. زنزانة العريس الراديكالي

undefined

7-      مساجين برة الزنزانة.. الحياة "عنبر" كبير (ملف خاص)

KgJIcwI

إعلان

إعلان

إعلان