"الفن ميدان".. لماذا لم يعد "الشارع لنا"؟

01:51 م الثلاثاء 24 يناير 2017
"الفن ميدان".. لماذا لم يعد "الشارع لنا"؟

الفن ميدان

كتبت- شروق غنيم ورنا الجميعي:
مضى عامان على توقف الفن ميدان، أحد الرموز التي أشارت إلى أن ثورة مرّت من هنا، حُلم كأنه السراب. نبتة صغيرة كان أساسها عدد كبير من الفنانين والمؤسسات المستقلة تحت مُسمى "ائتلاف الثقافة المستقلة"، روَاها المُحبون لأربعة أعوام، حتى جاءت الحجج الأمنية لتقتلعها من جذورها.
 
شكّل ميدان التحرير خلال ثورة 25 يناير في 2011، أجواء الحرية لكل من سكنه "في الأيام دي حصل إبداعات كتير" كما يقول الشاعر زين العابدين فؤاد، أحد مؤسسي الفن ميدان لمصراوي، أشكال متعددة من التعبير ألهمت المثقفون "إن الناس هي اللي تمتلك الميادين للإبداع".
 
ما إن أُطلق على مبارك لفظ الرئيس المخلوع في فبراير 2011، حتى اجتمع فنانو ائتلاف الثقافة المستقلة، أكثر من 250 فنان و85 مؤسسة، وعبر عدة اجتماعات بالمركز المصري للثقافة والفنون، كما يسرد محمد حبيب، أحد المؤسسين لمصراوي، اتفق الكيان على إقامة الفن ميدان، وتغيّر شكل الساحات العامة "في الأساس الميادين معمولة عشان الناس تسقف للحاكم، احنا خليناه للفن"، يقول فؤاد.
 
1

يتذكر حبيب أول مرة أقيمت فيها فعالية الفن ميدان، في الثاني من إبريل، حيث شغل المسرح 10 فقرات، حالة من الزخم الشديد أصابت الفعالية بين مسرح وسينما وورش ومعارض تشكيلية وفوتوغرافية "حضرت إسكندريلا وفرقة الورشة"، استمرت الفعالية منذ الثانية عشر ظهرًا وحتى منتصف الليل، يرجع حبيب بالذاكرة لذلك اليوم وما أثاره في نفسه لتعليق من أحدهم "واحد جه قالي تصدق إن اللي بيحصل ده شبه المهرجانات اللي برة".
 
 في بدايات الفن ميدان أثارت الفعالية الاستغراب بين أهالي عابدين "كانوا بيسألونا انتو بتعملوا إيه والدخول بكام"، استغرق الأهالي وقتًا حتى استوعبوا الحدث الثقافي "لحد ما بقينا معروفين، وجمهور الفن ميدان بقى من الأهالي، وكان عادي ألاقي ستات كبار بيسمعوا لفرقة مستقلة".
 
حالة الدهشة لم تتملك أهالي عابدين فقط، بل أثيرت لدى الفنانين والفرق أيضًا، "كانوا مستغربين يعني إزاي هنغني في الشارع"، مع الوقت تغير الأمر "بقوا هما اللي ييجوا يكلمونا للمشاركة".
 
2
 
منذ الشهر الأول وضع المؤسسون نُصب أعينهم المحافظات، فلم يكن الفن حكرًا على سكان القاهرة فحسب "عملنا الفعالية في القاهرة وست محافظات تانيين"، كما اختير السبت الأول من كل شهر لإقامة الحدث الثقافي، لم يكن هُناك عدد مُحافظات محدد يُقام فيه الفن ميدان، كانت أبرز المحافظات التي شاركت؛ الإسكندرية والسويس وطنطا والمحلة، "فيه شهر وصلنا لـ14 محافظة"، يقول حبيب.
 

 
تطوّع عدد من محبي الفن ميدان في المحافظات، بالتنسيق مع سمية عامر، أحد المؤسسين، والتي شهدت فعالية تم إحيائها بالوادي الجديد، وتضيف "كانت أول مرة الناس يعرفوا يعني إيه مهرجان شارع"، أما زين العابدين شارك بإحدى الفعاليات في أسوان "حضر يومها 800 طفل بأهاليهم".
 
3

يذكر حبيب إن الفرق المُشاركة لم تخضع لتقييمهم الفني "الجمهور هو اللي بيحكم"، حتى أن أوكا وأورتيجا، المغنيين الشعبيين، صعدوا مسرح الفن ميدان من قبل، ورغم وجود بعض الاعتراضات على تواجدهم، كان رد حبيب بأن لهم جمهور "وزي ما فيه علي الحجار وإسكندريلا، ده حقهم"، كذلك صعد سادات وفيفتي المسرح من قبل.
 

 
 تلك الحالة من الزخم الفني شجّعت العديد من الفنانين للمشاركة معهم مجانًا، أسماء مثل علي الحجار الذي غنى مرتين، كذلك غالية بن علي وريم بنا وزين محمود. لم يخلُ مسرح الفن ميدان من أسماء كبيرة وشابة مثل تاكسي باند، مسار إجباري، وسط البلد وإسكندريلا "رغم إن ليهم جمهور بيدفع تذاكر عشان يسمعهم".
 

 
لم يقتصر برنامج الفن ميدان على المطربين فقط، تضمن فقرة للهواة "أي حد عنده موهبة شعر أو غنا كان بيحضر"، كما احتوى على معارض فن تشكيلي وفوتوغرافيا وسينما مستقلة. أربعة أعوام تمكّن خلالها الفن ميدان من الصمود "مفيش مشروع استمر في البلد الفترة دي كلها، حتى القوافل اللي تبنتها وزارة الثقافة، كانت بتستمر شهرين وتقف"، يضيف حبيب.
 
4
 
من مسرح الفن ميدان، خرجت فرقة "الأولة بلدي" لأول مرة إلى الجمهور، بحفلة قدمت فيها سلسلة من أغاني الشيخ إمام، لمس حينها أحمد الرفاعي، عضو الفريق، الاختلاف بين الحفلات المُقدمة من خلال الفن ميدان وغيرها. حينما تصعد الفرقة لإحياء وصلة من أغنيات الشيخ إمام، الحماس يدّب في نفوسهم، جمهور كبير يحاوطهم، يُنصِت لهم، يمدهم بطاقة، فيتمنى أعضاء الفرقة ألا تنتهي الحفلة، كما يذكر الرفاعي.
 
لأربع سنوات تحقق حلم الائتلاف، أصبح سماع الناس للفن في الشارع أمرًا عاديًا، إلا أن الأمر لم يستمر "الحلم داب"، فكانت آخر فعالية لهم في القاهرة بتاريخ 9 أغسطس 2014.
 
في إحدى الليالي الرمضانية بيوليو 2014 طلب الناشط أحمد حرارة تقديم كلمة على مسرح الفن ميدان، لم يسع حبيب سوى الموافقة "دا حرارة اللي راحت عينيه الاتنين"، صعد الشاب وتحدث عن عدد من الأزمات من بينها قضية المعتقلين.كان من المُعتاد أن يأخذ المنظمون التصريح الأمني من قسم شرطة عابدين، لكن بعد هذه الفعالية تحديدًا سُدّت في وجوههم كل الطرق لاستصدار تصريح "الجهات الأمنية قالتلنا ناخد تصريح بموجب قانون التظاهر لكن احنا رفضنا"، وتمكّن المنظمون بعد وساطة وزير الثقافة حينها "جابر عصفور"، أن يُقيموا الفعالية الأخيرة لهم بالقاهرة.
 
لم تكن تعلم "الأولة بلدي" أن مشاركتهم بحفلة أغسطس 2014 في القاهرة، هي الأخيرة في عمر تجربة الفن ميدان، ففي أكتوبر من العام نفسه، اختتمت الفعاليات في السويس، تحديدًا بميدان الأربعين، الذي انهمرت منه المظاهرات في أول أيام الثورة.
 

 
بعد ذلك لم يتمكن نهائيًا منظمو الفن ميدان من استصدار التصاريح الأمنية، حتى قيل لهم صراحة إن إقامة الفعاليات بعدما ضجّ ميدان عابدين بالهتافات المناهضة لن يحدث.
 
في أكتوبر 2015، أي بعد التوقف بعام، حضر محافظ القاهرة، جلال سعيد، بلقاء تلفزيوني، حينها سُأل عن الفن ميدان، وصرّح أن التوقف ليس سببه دواعي أمنية بل لتطوير ميدان عابدين، وعلى القائمين التوجه لمكتب المحافظ لمواصلة المهرجان، حينها اتجه حبيب وآخرون من المنظمين للمحافظة "ومعرفناش نقابل المحافظ أصلًا".
 
حاول المنظمون عبر عدة طرق إعادة الفن ميدان، لكن  محاولاتهم باءت بالفشل، حتى حينما فكروا في الاعتماد على المحافظات، كانت النتيجة مُخيبة لأمالهم، فحينما قرر المنظمون بالإسماعيلية إقامة المهرجان في موعده بإحدى الحدائق "فتحوا المياة بتاعة الحديقة ومتعملتش الحفلة".
 
لا يذكر حبيب أنهم تعرضوا ذات يوم لمضايقات قبل ذلك، يصف أن الأمور المتعلقة باستصدار تراخيص سلسة، لكنه يسرد موقف حدث لهم بسبب اجتماع الرئيس المعزول، محمد مرسي، مع الوزراء في قصر عابدين، حيث تلقى اتصالات -قبيل الفعالية بيومين- من عدد من مسئولي الأمن، يسألون عن إمكانية تأجيل الفعالية إلى الشهر المُقبل، أو حتى اليوم الثاني، غير أن الفريق رفض.
 
"الناس حفظت ميعادنا، وفي منهم بييجي مخصوص من المحافظات"، كانت إمكانية إرجاء الفعالية مستحيلة، وفي النهاية تم التوصل إلى تأخير موعد المهرجان بضعة ساعات، وأقيمت الفعالية بالتزامن مع مغادرة موكب الرئيس"ساعتها ومرسي خارج من القصر، تاكسي باند كان على المسرح بيغني".
 

 
بعد إسدال الستار على آخر فعاليات الفن ميدان وحتى الآن، لم ينل اليأس من زين العابدين فؤاد "الحرية معركة واحدة بندخلها في ألف ميدان، متعودتش استسلم"، يقول الشاعر إنه حتى الآن يتجمع المنظمين "احنا اتخلق بينا علاقة قوية ولحد دلوقت لازم نشوف بعض"، صار للشاعر ثلاثة أسر "عندي أسرة ميدان التحرير، وأسرة الفن ميدان وأسرتي".
 
 لايزال الحنين إلى حفلات الفن ميدان يراود الرفاعي، لا سيما في ظل أوضاع اقتصادية جعلت من شراء تذكرة لحفلة رفاهية، بينما كان الفن ميدان يُقدم ذلك بشكل مجاني، أما حبيب فحتى الآن يُقابل أفراد من الجمهور "دايمًا بيطرحوا أسئلة حول وقت العودة، لكن يأتي رده مُخيبًا "مش هنرجع تاني دي حاجة خلصت وماتت، احنا كنا بالنسبة للدولة دوشة".

تابع باقي موضوعات الملف 

''توفير الطاقة''.. قصة مشروع نفذته ألمانيا وأهدرته مصر بالروتين

2017_1_24_15_38_23_856

بعد 6 أعوام من الثورة.. تفاصيل إجهاض أول مشروع لـ''الصحة النفسية'' للشرطة

2017_1_24_20_50_26_165

دكتور أميرة.. منحتها الدولة جائزتها ''التشجيعية'' وتركت أبحاثها ''محلك سِر''

2017_1_24_21_39_10_730

مصور مقتل ''شيماء الصباغ''.. مشوار أوله ''ثورة'' وأخره ''هزيمة''

2017_1_24_19_1_55_475

أكاديمية التحرير.. لماذا توقف مشروع تعليمي ''من ريحة الثورة''؟

 2017_1_24_23_58_40_303

تطوير العشوائيات.. مشروع على جناح الثورة هدمته الحكومة

2017_1_24_22_40_58_589

إعلان

إعلان

إعلان