دولة المنشدين (1).. نصر الدين طوبار "الضارب على أوتار القلوب" وأول مبتهل لنصر أكتوبر

02:11 م الخميس 16 مايو 2019

كتب - هاني ضوه :

صوته يأخذك إلى عوالم أخرى، حيث السماء .. فيعرج بالأرواح إلى ملأ تسبح فيه إلى رب العالمين وتبتهل له .. إنه شيخ المنشدين الشيخ نصر الدين طوبار الذي يستطيع أن يشعرك بصوته وابتهالاته بسكينة لم تعهدها من قبل.
ولد الشيخ نصر الدين طوبار عام 1920 بالمنزلة بمحافظة الدقهلية، وتربى في أسرة متدينة حرصت على تحفيظه كتاب الله عز وجل فكان يذهب إلى الكتاب حتى أتم حفظ القرآن الكريم ولم يكن قبل بلغ العاشرة من عمره بعد.

ألحقه والده بالمدرسة ليبدأ رحلة التعليم وكان الشيخ مغرمًا بتقليد مشاهير القراء فاشتهر بين أقرانه في المدرسة بذلك.

ومما أسهم في ثقل موهبة الشيخ نصر الدين طوبار أن عنه كان يقيم في منزله القراء والمبتهلين والمنشدين خاصة في المناسبات الدينية المختلفة، فكان الشيخ يذهب لحضور هذه الليالي ويجلس بجوار الشيوخ يستمع إليهم ويقلدهم فيما بعد.

وفي إحدى الليالي في بيت عمه حضر الشيخ "مصطفى الجمل" الذي تسبب في حالة من الإبهار الكبير للشيخ نصر الدين طوبار حتى أنه بعد انقضاء الليلة طلب من والده أن يترك المدرسة ليعود إلى تعلم القرآن الكريم والابتهالات في كتاب الشيخ محمد مسعد صقر"، ورغم تردد والده إلا أنه وافق بعد إصرار الشيخ نصر ولما تلمسه في من موهبة كبيرة.


وما هي إلا سنوات قليلة حتى ذاع صيت الشيخ نصر الدين طوبار في مدن وقرى محافظة الدقهلية، حيث كان يحرص أعيان هذه المحافظة على دعوته لإحياء حفلات الصفاء الروحي، سواء كانت بالتلاوة القرآنية أو بأدائه لبعض الأناشيد والتلاوات الدينية.

بعد أن ذاع صيته شجعه أصدقاؤه ومن حوله من محبوه لكي يتقدم لاختبارات الإذاعة المصرية حتى يصبح قارئًا معتمدًا فيها، وبالفعل في بداية الخمسينيات حضر الشيخ إلى القاهرة، وتقدم الشيخ للاختبارات، إلا أن المفاجأة كانت كبيرة فلم ينجح الشيخ في الاختبارات، ليس لمرة واحدة فحسب، بل لخمس مرات متتالية حتى أصابه الضيق وقرر عدم التقدم مرة أخرى.

ووسط إصرار من حوله تقدم مرة سادسة، وفي المرة السابعة نجح وانضم للإذاعة المصرية سنة 1956م، وقف أول مرة أمام ميكروفون الإذاعة في ليلة الإسراء والمعراج ليشدو أبياتًا لحنها الشيخ محمد إسماعيل فكان إبتهال: "سار من مكه براق عز.. لأقصي مسجد وعليَّ السماء".

وتأتي مرحلة أخرى جديدة في حياة الشيخ نصر الدين طوبار عندما التقى بالموسيقار محمد عبدالوهاب الذي رأى فيه صوتًا مميزًا وحنجرة ذهبية، فنصحه بتعلم الموسيقى ليصقل موهبته، ووعده ان يُلحن له بعض الأعمال من أشعار محمود حسن إسماعيل.

وبالفعل التحق نصر الدين طوبار بمعهد الموسيقى وبرع في دراسته فكان الأول على دفعته في سنوات الدراسة الثلاث فكان يعفى من المصاريف لتفوقه، ليخوض عالم الإذاعة كمبتهل، بعد أن نصحه بأن يتوجه للموشحات الدينية والابتهالات.

وقد انعكست دراسته للموسيقى بشكل كبير على أدائه وإحساسه بالنص الشعري الذي يبتهله وينشده، وقدرته على تجسيد المعاني، واختيار المقامات الموسيقية الملائمة لها، فكان في الحزن الشديد يقرأ من مقام "الصبا"، وفي حالة الوجد يقرأ من مقام "النهاوند"، أو "البيان" أو "الحجاز"، وفقًا للمعاني، واتساقا مع الحالة المزاجية.

ويعد الشيح نصر الدين طوبار أول من أنشد ابتهالًا مخصصًا لأبطال حرب أكتوبر عام 1973، بعنوان "سبح بحمدك الصائمون"، وهو في ذلك على قدر كبير من العلم بقدرة وأهمية هذه الأناشيد والابتهالات الدينية فى تحريك المشاعر لدعم الجيش المصرى فى حربه ضد إسرائيل، كما ارتبط الناس بالشيخ نصر الدين طوبار بسماعه عقب قراءة الشيخ الشعشاعي، في صلاة الفجر.

لم تكن شهرة الشيخ المبتهل نصر الدين طوبار على مستوى الوطن العربي فحسب، بل وصل إلى العالمية فأصبح سفيرًا للإسلام والمسلمين، فمن لندن وتحديدًا من قاعة "ألبرت هول" بلندن، قدم الشيخ ابتهالاته في احتفال المؤتمر الإسلامي العالمي، وتعد تلك القاعة مبنى مدرج من الدرجة الأولى، سمتها الملكة فكتوريا بقاعة ألبرت تخليدًا ذكرى لزوجها الراحل الأمير البرت.

ونال الشيخ إعجاب كل مَن استمع إلى صوته في البلاد التي زارها، فذاعت شهرة الشيخ في كل المدن الأوروبية، وكتبت الصحف الألمانية عنه: "صوت الشيخ نصر الدين طوبار يضرب على أوتار القلوب".

وفي يوم العيد عام 1977 ميلاديًا .. صدح صوت الشيخ نصر الدين طوبار بتكبيرات العيد من المسجد الأقصى المبارك، حيث كان في زيارة له ضمن الوفد المرافق للرئيس الراحل محمد أنور السادات في رحلته إلى القدس، وكان بصحبته الشيخ مصطفى إسماعيل وعبد الباسط عبد الصمد وشعبان الصياد.

قدم الشيخ نصر الدين طوبار' ما يقرب من مائتي ابتهال؛ منها:
"يا مالك الملك"، و"مجيب السائلين"، و"جل المنادي"، و"السيدة فاطمة الزهراء"، و"غريب"، و"يا سالكين إليه الدرب"، و"يا من له في يثرب"، و"يا من ملكت قلوبنا"، و"يا بارئ الكون"، و"ما بين زمزم"، و"يامن يراني في علاه ولا اراه"،، و"مؤنسي في وحدتي"، و"يا نصير المظلومين"، و"يا سالكين الدرب"، و"فاطر الأكوان"، وغيرها الكثير.

تم تعيين الشيخ نصر الدين طوبار قارئًا للقرآن الكريم ومنشدًا للتواشيح بمسجد الخازنداره بشبرا، واختير الشيخ طوبار مشرفًا وقائدًا لفرقة الإنشاد الديني التابعة لأكاديمية الفنون بمصر في عام 1980، ومن خلالها شارك في احتفالية مصر بعيد الفن والثقافة.

ولم ينقطع مدد الشيخ طوبار، رحمه الله، من القراءة والابتهال بالإذاعة والتلفزيون المصري، حتى رحلت روحه الطاهرة إلى ربها في 6 من نوفمبر عام 1986.
ونال الشيخ نصر الدين طوبار عددًا من الأوسمة والتكريمات فكرمه الرئيس الراحل محمد أنور السادات، كما نال نوط الامتياز من الطبقة الأولى عام 1991م، وتسلمها عنه ورثته، وذلك بعد وفاته؛ نظرًا لتراثه بالإنشاد الديني والابتهالات.

إعلان

إعلان