• صاعقة شقت الهلال وأحرقت السقف.. الليلة التي بكت فيها المدينة على مسجد الرسول

    06:15 م الإثنين 28 مايو 2018

    كتب – هاني ضوه :

    المسجد النبوي أو الحرم النبوي أو مسجد النبي أحد أكبر المساجد في العالم وثاني أقدس موقع في الإسلام (بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة)، وهو المسجد الذي بناه النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- في المدينة المنورة بعد هجرته سنة 1 هـ الموافق 622 بجانب بيته بعد بناء مسجد قباء. وتضم جنباته مقام سيد الأنبياء وخاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.

    مرّ المسجد بعدّة توسعات عبر التاريخ، مروراً بعهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية فالعباسية والعثمانية، وأخيراً في عهد الدولة السعودية، حيث تمت أكبر توسعة له عام 1994. ويعتبر المسجد النبوي أول مكان في شبة الجزيرة العربية يتم فيه الإضاءة عن طريق استخدام المصابيح الكهربائية عام 1327 هـ الموافق 1909.

    وقد تعرض المسجد النبوي لعدة حوادث عبر التاريخ لعل أبرزها الحريق الثاني الذي وقع في مثل هذا اليوم من شهر رمضان المعظم وتحديدًا في الثلث الأخير ليلة 13 رمضان عام ٨٨٦هـ وكان أمرًا مهولًا.

    فبعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد سنة ٦٥٦هـ، آل حكم المدينة المنورة إلى ملوك مصر، الذين لم يزالوا يهتمّون بعمارة المسجد النبوي الشريف، وفي أواخر القرن التاسع الهجري سنة 886هـ ليلة 13 رمضان صعد رئيس المؤذنين للمنارة الشرقية الجنوبية المعروفة بالرئيسة يهلل على عادتهم ذلك الوقت، وصعد المؤذنون بقية المنائر فسقطت صاعقة أصابت هلال المنارة الجنوبية الشرقية فسطقت في المسجد ولها لهب، وانشق رأس المنارة بسبب الصاعقة وتوفي رئيس المؤذنين صعقًا وفقدوا صوته فنادوه فلم يجب فوجدوه ميتاً.

    وسقط الهلال شرق المسجد وأحدث لهبًا وحريقًا، أحرق المنبر، والمقصورة، ومعظم العقود والأعمدة، ولم يسلم منه غير القبة الداخلية على القبر الشريف، والتي عملت في عمارة قايتباي السابقة، وكذلك القبة التي في صحن المسجد.

    وأصاب ما سقط من الصاعقة سقف المسجد بين المنارة والقبة فحدث ثقب كالترس واشتعل سقف المسجد. ففتح الخدام المسجد قبل الوقت المعتاد ونودي بالحريق وجاء أمير المدينة واجتمع الناس وجمعوا المياه، والتهب السقف سريعاً واتجه نحو الشمال والغرب، وعجز الناس عن إطفاء الحريق وكلما حاولوا تزداد التهابا، حاول الناس قطع النار بهدم بعض السقف أمامها فسبقتهم لسرعتها وتطبق المسجد بدخان عظيم، فخرج الناس منه، وكان بعض الناس بسطح المسجد للإطفاء فحاصرتهم النار فهربوا تجاه الشمال وسقط بعضهم فيها فهلك.

    ومات في هذه الحادثة أفراد منهم رئيس المؤذنين الذي أصابته الصاعقة حين كان يهلّل بالمنارة الرئيسية، وصدر المدرسين الشمسي محمد بن المسكين واحترق بعض الخدام منهم نائب خازن دار الحرم، ومات جماعة تحت هدم الحريق من الفقراء وجملة من مات بسبب ذلك 17 نفسًا وأصاب الناس هلع شديد بسببه، وأتت النار على سقف المسجد وما فيه من خزائن الكتب والمصاحف إلا ما استطاعوا إنقاذه.

    وبعد ثلاثة أيام من الحريق تم الاتصال بالسلطان الأشرف قايتباي وإخباره بما حصل للمسجد الشريف، فكان وقع ذلك عليه عظيماً، قرر بعدها السلطان قايتباي بعمارة المسجد بصورة شاملة، وأرسل المئات من البنّائين والنجّارين والحَجّارين والنحّاتين والحدّادين، وأرسل الأموال الكثيرة والآلات والحمير والجمال، وذلك لتتم عمارة المسجد على أحسن ما يكون، ورفع سقف المسجد نحو 11 مترًا، وانتهت عمارته كاملة عام 888 هجرية.

    وقد جاء وصف هذه الحادثة في كثير من كتب المؤرخين الذين عاصروا وشاهدوا هذا الحريق والذين وصفوه بأن المسجد النبوي صار كبحر لجي من نار ولها شعب في الجو.

    ومن هؤلاء المؤرخين الذين وصفوا الحريق الثاني للمسجد النبوي الشريف الإمام السمهودي الذي قال في كتابه "وفاء الوفاء": "بأن رئيس المؤذنين الشيخ شمس الدين محمد بن الخطيب قام مبكراً في ليلة من ليالي رمضان 886هـ ليؤذن لصلاة الفجر على المئذنة الرئيسة في المسجد، وصعد المؤذنون بقية المآذن، وكان الغيم قد تراكم، فحصل رعد قاصف أيقظ النائمين، فسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المئذنة المذكورة، فسقط الهلال في المسجد وله لهب مثل النار وانشق رأس المئذنة، وقُتل المؤذن، وانتشر الحريق في المسجد، ونودي في المدينة بالحريق، فاجتمع أمير المدينة وأهلها بالمسجد الشريف، وصعد أهل النجدة بالمياه لإطفاء النار وقد أخذت تلتهب سريعاً، فشملت سقفي المسجد، ثم أخذت تتجه نحو الشمال والغرب، فعجز الناس عن إطفائها، وكلما حاولوا ذلك لم تزدد إلا اشتعالاً، فامتلأ المسجد بدخان كثيف فهرب الناس من المسجد، ثم أصبح المسجد كالتنور العظيم، وقد استولى الحريق على جميع السقف، والمستودعات والأبواب ومافيه من الكتب والربعات والمصاحف، بخلاف ماتم إنقاذه أولاً وهو يسير، ولم يسلم غير القبة التي على القبور الشريفة والقبة التي بصحن المسجد، وقد احترق في هذه الحادثة بضعة عشر نفراً منهم جماعة من المجاورين.

    وبعد ثلاثة أيام من الحريق تم الاتصال بالسلطان الأشرف قايتباي وإخباره بما حصل للمسجد الشريف، فكان وقع ذلك عليه عظيماً، فأصدر أوامره بعمل الاستعدادات اللازمة لإعادة إعمار المسجد، وتم بناؤه على يده للمرة الثانية عام 888هـ فجزاه الله خيراً".

    ومن العجيب أن كُتب السهمودي احترقت ومنها أصل كتابه "وفاء الوفاء" ومعه نحو 300 مجلد فعدها نعمة بحقه.

    كما وصف الحريق كذلك الشمس العثماني فقال: "وصار لجميع المدينة من جميع جهاتها بالبكاء ضجيجٌ، وبالدعاء عجيجُ بسبب النار، وأمر هذه النار عجيب وليس الخبر كالمعاينة وصار المسجد كالتنور".

    وكان الحريق الأول الذي ذكره المؤرخون في عهد العباسيين، فكان في ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة 654 هـ، حيث احترق المسجد عندما دخل أحد خدامه في المخزن في الجانب الغربي الشمالي لاستخراج القناديل لمآذن المسجد، فترك الضوء الذي معه ونسيه فاشتعلت النيران وعلا اللهب، واجتمع غالب أهل المدينة المنورة فلم يقدروا على إطفائها، فاستولى الحريق على جميع سقف المسجد، وتلف جميع ما احتوى عليه المسجد من المنبر النبوي والزخارف، والأبواب والخزائن والشبابيك والمقصير والصناديق وما اشتملت عليه من كتب وكسوة الحجرة وكان عليها إحدى عشرة ستارة، ووقع كذلك بعض سقف الحجرة.

    بعد ذلك أمر الخليفة العباسي المستعصم بالله بإعادة إعمار المسجد سنة 655 هـ الموافق 1257.

    مصادر:

    كتاب "وفاء الوفاء" - للإمام السمهودي.

    كتاب "المسجد النبوي عبر التاريخ" - د. محمد السيد الوكيل.

    كتاب "إتحاف المؤمنين بتاريخ مسجد خاتم المرسلين" - مصطفى بن محمد العلوي.

    موسوعة ويكيبيديا.

    إعلان

    إعلان

    إعلان