الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق
ضمن برنامجه الفضائي "اعرف دينك" المذاع في رمضان 2026، على فضائية صدى البلد، يوضح الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، الأحكام الشرعية المختصة بالطهارة وأداء العبادات وما يهم المسلم في حياته اليومية، ومنها رد على شائعة عدم صحة وقت الفجر في مصر.
وفنّد فضيلة المفتي الأسبق إحدى الشبهات التي تتكرر كل عام في رمضان، وهي: قول بعض الناس إن الفجر المعتمد عندنا فجرٌ كاذب، وإنه يجوز للناس أن يأكلوا ويشربوا إلى وقت الإقامة، أو حتى بعدها.
ويقول جمعة: هذه الشبهة خطيرة؛ لأنها لا تتعلق بمسألة فرعية يسيرة، بل تمس وقت الإمساك نفسه، وتمس صحة الصيام، وتمس كذلك وقت صلاة الفجر.
وأضاف: الحقيقة أن مثل هذه المسألة لا يجوز أن تُؤخذ من الكلام المتداول، ولا من مقاطع مختصرة، ولا من اجتهادات فردية غير منضبطة؛ لأن معرفة طلوع الفجر ليست أمرًا يقدره كل أحد من عند نفسه، بل هي مسألة تحتاج إلى علم، ورصد، ومشاهدة، وخبرة دقيقة بظواهر الضوء في الأفق، والتمييز بين الفجر الكاذب والفجر الصادق.
وبين فضيلة المفتي الأسبق أن الفجر الكاذب هو الضوء الذي يظهر مستطيلاً في السماء، كذنب السرحان، ثم يزول بعد ذلك، ولهذا سمي كاذبًا؛ لأنه لا يثبت ولا يترتب عليه حكم شرعي من بدء الصيام أو دخول وقت صلاة الفجر.
أما الفجر الصادق - يقول جمعة - فهو الضوء الذي يظهر مستطيرًا منتشرًا في الأفق، وعنده يبدأ وقت صلاة الفجر، ويجب على الصائم الإمساك، وينتهي وقت السحور.
وتابع: من هنا يتبين الخطأ في قول من يقول: نأكل ونشرب حتى الإقامة؛ لأن الإمساك ليس معلقًا بالإقامة، وإنما هو معلق بطلوع الفجر الصادق. فالإقامة ليست هي الحد الفاصل بين جواز الأكل ووجوب الإمساك، وإنما الحد الذي جعله الله هو ظهور الفجر الصادق نفسه. فمن أخر الإمساك إلى الإقامة بناء على هذه الشبهة فقد عرّض صومه للخطر، وبنى عبادته على ظن غير محقق.
وهنا - يشير جمعة - ينبغي أن ننتبه إلى أن هذه القضية ليست مما يُحسم بالنظر السريع أو بالتقدير الشخصي، بل تتأثر بعوامل كثيرة جدًا؛ منها طبيعة المكان، وارتفاع الراصد، وصفاء الأفق، والرطوبة، والتراب، والتلوث الضوئي، والزاوية، وغير ذلك من العوامل التي تجعل الرصد أمرًا تخصصيًا، لا مجال فيه للعشوائية. ولهذا تكلم فيها أهل العلم وأهل الفلك والرصد، واعتنت بها الجهات المختصة، ولم تترك للهوى أو الارتجال.
كما أن العلماء قد نبهوا إلى الفرق بين ما يُرى بالعين المجردة وما قد يظهر بالعين المسلحة من خلال المناظير والوسائل الحديثة. والشرع إنما يتعلق في الأصل بما يظهر ظهورًا معتبرًا للناس، لا بما يتكلفه بعضهم من دعاوى لا تقوم على تحقيق صحيح. ولهذا لا يصح أن يأتي إنسان فيُلزم الناس كلهم بما توهمه، أو بما نقله عن غير المتخصصين، أو بما لم يستوف فيه العلم الشرعي ولا البحث العلمي.
وأضاف فضيلة المفتي الأسبق أنه مما ينبغي تقريره بوضوح: أن المواقيت المعتمدة لم توضع عبثًا، ولم تأت من فراغ، بل وراءها تاريخ طويل من الرصد والدراسة والتحقيق، شارك فيه أهل الاختصاص من الفلكيين والعلماء، وتتابعت عليه الجهات المعنية، حتى استقر الأمر على ما هو مدون في النتائج والمواقيت المعتمدة. فمن الظلم للعلم، ومن الجرأة على الدين، أن تُهدم هذه الجهود كلها بكلمة عابرة، أو بشبهة متداولة، أو برغبة في المخالفة.
وتابع: لهذا كان الجواب العملي الواضح الذي يرفع الفوضى ويحفظ على الناس عبادتهم: صوموا كما يصوم الناس، وصلوا كما يصلي الناس، ولا تصنعوا دينًا على الأهواء والظنون. فالأمة لا تنتظم عبادتها إذا فتح كل امرئ لنفسه بابًا يخالف به التوقيت، ويؤخر به الإمساك، ويزعم أن الصواب عنده وحده، دون علم راسخ، ولا بحث مكتمل، ولا رجوع إلى أهل الاختصاص.
إن الذين يأكلون ويشربون إلى الإقامة، أو بعدها، بدعوى أن الفجر لم يطلع، هم في الحقيقة محتاجون إلى نصيحة صادقة، وإلى تنبيه رحيم، لا إلى مجاراة في الخطأ؛ لأنهم يتعبدون لله على غير بصيرة، وقد يفسدون صيامهم وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا. والعبادة لا تُبنى على الشكوك، ولا على الشبهات، ولا على الرغبة في مخالفة الجماعة، وإنما تُبنى على اليقين والانضباط واتباع العلم.
الخلاصة - يوضح الدكتور علي جمعة - أن الفجر نوعان:
فجر كاذب لا يتعلق به حكم، وفجر صادق يبدأ به وقت الصلاة والإمساك.
ومعرفة هذا ليست أمرًا مرتجلًا، بل وراءها رصد ودراسة وخبرة.
وختم جمعة: لهذا لا يجوز أن نجعل من الشبهات المتداولة سببًا في التهاون بحدود الله، أو في فتح باب الفوضى في أوقات العبادات.
إذا دخل الفجر الصادق انتهى وقت السحور، ووجب الإمساك، ولا يجوز أن نجعل الإقامة حدًّا لما جعله الله حدًّا بالفجر.
فاحفظوا صيامكم، وخذوا دينكم بالعلم، ولا تتبعوا الشبهات.
اقرأ أيضاً:
قضية تبادل زوجات.. علي جمعة يكشف عن واقعة نادرة وأغرب فتوى في حياته (فيديو)
بسبب الجماع في نهار رمضان.. المفتي يحسم الحكم والكفارة وما يقع على الزوجة