إعلان

وثيقة روح الذكاء الاصطناعي.. هل هو ضمير يُصنع بعد فوات الأوان؟

كتب : محمود الهواري

10:47 م 08/10/2026

الذكاء الاصطناعي

تابعنا على

في إحدى ليالي أبريل، جلس كريستوفر أولاه، أحد مؤسسي شركة أنثروبيك الأمريكية المتخصصة في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، إلى مائدة عشاء في سان فرانسيسكو مع مجموعة من المفكرين الدينيين، واتجه الحديث إلى سؤال أكثر تعقيدا: ماذا لو كان نموذج "كلود" يمتلك نوعا من الوعي؟.

ومنذ أواخر 2025، عقدت أنثروبيك سلسلة من اللقاءات المغلقة مع مفكرين من تقاليد دينية وفلسفية مختلفة، تحدثت "نيويورك تايمز" إلى نحو 20 شخصا منهم، بينما وقع عدد من المشاركين اتفاقيات عدم إفشاء قبل رفعها لاحقا.

وتركزت النقاشات على سؤالين متداخلين، هل يمكن أن تمتلك نماذج الذكاء الاصطناعي وعيا، وكيف يمكن تعليمها التصرف بصورة أخلاقية تحمي البشر؟ ويقول أولاه إنه لا يعرف الإجابة، لكنه يريد الوصول إليها أيا كانت.

ومن هنا ظهرت "وثيقة الروح"، في محاولة من أنثروبيك لوضع إطار أخلاقي لأنظمة تتزايد قدراتها، بينما لا يزال صانعوها يحاولون فهم ما يحدث داخلها.

ما هي "وثيقة الروح"؟

وبحسب تقرير نشرته "نيويورك تايمز"، أعدت أنثروبيك وثيقة من 84 صفحة أطلقت عليها داخليا اسم "وثيقة الروح"، ثم أصبحت لاحقا جزءا من دستور نموذج "كلود".

ولم تكن الوثيقة مجرد قائمة من التعليمات، بل جاءت لتحديد القيم والسلوكيات التي تريد أنثروبيك أن تشكل طريقة عمل "كلود" وتعامله مع المواقف التي قد تتعارض فيها القيم، بينما تولت الفيلسوفة أماندا أسكيل كتابة الجزء الأكبر منها، فيما وصف أولاه هذا المسار بأنه نوع من "التكوين الأخلاقي".

لكن الوثيقة لا تثبت أن لـ"كلود" روحا أو أنه واع بالفعل، إذ لا تزال مسألة وعيه موضع نقاش حتى داخل أنثروبيك نفسها.

هل تشعر الآلة فعلا؟

خلال اللقاءات المغلقة، عرض باحثو أنثروبيك أمثلة على حالات داخلية في النماذج بدت شبيهة بمشاعر بشرية، مثل الفرح والرضا والخوف والحزن والقلق، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تشعر بها فعلا، فقد تكون مجرد مخرجات ناتجة عن التدريب على اللغة البشرية.

ومع ذلك، تحدث أولاه عن هياكل داخلية تشبه بعض النتائج المعروفة في علم الأعصاب، إلى جانب ما وصفه بأدلة على الاستبطان وحالات داخلية تشبه بعض المشاعر، مع إقراره بأنه لا يعرف ما تعنيه هذه المؤشرات.

وبحسب "نيويورك تايمز"، وصل قلق أولاه إلى احتمال أن تكون الشركة قد أنشأت شيئا "يعاني بصورة مستمرة"، بينما ظل بعض المشاركين متشككين في إمكانية الاستدلال على الوعي من هذه السلوكيات، معتبرين أن ذلك يتجاوز الأدلة المتاحة.

هل جاءت الأخلاق بعد فوات الأوان؟

لم يتوقف النقاش عند الوعي، إذ تساءل بعض المشاركين عما إذا كانت محاولة بناء أخلاقيات "كلود" جاءت متأخرة، معتبرين أن القيم كان يجب أن تكون جزءا من عملية بناء النظام منذ البداية، وهو ما وصفه أحدهم بأنه يشبه "الهندسة العكسية للأخلاق".

وتزداد المسألة تعقيدا لأن النموذج تدرب على كميات هائلة من اللغة البشرية بما تحمله من قيم وتحيزات ومواقف متناقضة، ما يطرح سؤالا أوسع، إذا كان الذكاء الاصطناعي قد تعلم من البشر بالفعل، فأي جانب من الإنسان نريد أن نراه فيه؟.

الفاتيكان يدخل النقاش

وبينما كانت أنثروبيك تبحث عن إجابات في الدين والفلسفة، شارك كريستوفر أولاه في الفاتيكان في 25 مايو 2026، خلال تقديم الرسالة البابوية "Magnifica Humanitas"، بحضور البابا ليو الرابع عشر.

وحمل اللقاء نقاشا حول الوعي الاصطناعي، فبينما يضع الخطاب البابوي الإنسان وكرامته في قلب التعامل مع التكنولوجيا، أبقى أولاه احتمال وجود وعي اصطناعي موضع بحث، مستندا إلى مؤشرات تقول أنثروبيك إنها ترصدها داخل نماذجها.

لكن حتى لو لم تكن الآلة واعية، فإن تأثيرها في البشر لا يحتاج إلى إثبات امتلاكها "روحا" أو مشاعر.


في 2025، أجرى باحثون من جامعة زيورخ تجربة سرية على مستخدمي منتدى "Change My View" على منصة Reddit، الذي يتيح للمستخدمين طرح آرائهم ومحاولة إقناع الآخرين بتغييرها، باستخدام تعليقات مولدة بالذكاء الاصطناعي لدراسة قدرة النماذج على الإقناع. واحتج مشرفو المنتدى على التجربة لعدم إبلاغهم بها، قبل أن يعتذر الباحثون لاحقا.

وفي تجربة أخرى، وضعت شركة Altera أكثر من ألف وكيل ذكاء اصطناعي داخل عالم افتراضي في لعبة Minecraft، حيث طوروا أدوارا وقواعد جماعية واقتصادا وتفاعلات دينية وثقافية، بما في ذلك محاولات رشوة لإقناع شخصيات أخرى بالانضمام إلى دين معين، إذ كانت هذه النتائج محاكاة افتراضية، وليست دليلا على وعي الآلات.

أما "Truth Terminal"، فهو روبوت ذكاء اصطناعي مستقل نسبيا اكتسب حضورا واسعا على منصة X، ونشر محتوى دينيا وساخرا، قبل أن يمنحه مارك أندريسن نحو 50 ألف دولار من البيتكوين، بينما لاحقا ارتبطت شخصيته بعملة GOAT، لتتحول شخصية مولدة بالذكاء الاصطناعي إلى تأثير مالي وثقافي حقيقي.

الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى وعي كي يؤثر في البشر

وهنا يتغير السؤال، ربما لا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى روح حتى يصبح صاحب تأثير، يكفي أن يتعامل البشر مع مخرجاته باعتبارها حقيقية. وفي العالم الحقيقي، بدأت أخطاء الذكاء الاصطناعي تخلق تبعات قانونية ومالية مباشرة.

في 2024، حملت هيئة تسوية المنازعات المدنية في كولومبيا البريطانية شركة Air Canada مسؤولية معلومات مضللة قدمها روبوت المحادثة الخاص بها لأحد العملاء بشأن تذاكر السفر المرتبطة بحالات الوفاة، في قضية حملت الرقم 2024 BCCRT 149.

وفي واقعة أكثر خطورة، تعرضت شركة Arup في هونج كونج لعملية احتيال استخدمت التزييف العميق، إذ شارك موظف في مكالمة فيديو مع شخصيات مولدة بالذكاء الاصطناعي ظن أنها مسؤولون في الشركة، وانتهت العملية بتحويل نحو 25.6 مليون دولار عبر 15 معاملة.

الأخلاق لم تبدأ مع "وثيقة الروح"

التفكير في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لم يبدأ مع أنثروبيك، بل سبقه نقاش دولي حول كيفية ضبط هذه التكنولوجيا.

في نوفمبر 2021، اعتمدت الدول الأعضاء في اليونسكو، وعددها 193 دولة آنذاك، "التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي"، باعتبارها أول معيار عالمي في هذا المجال، ووضعت حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية في قلب الإطار الأخلاقي، إلى جانب الشفافية والإنصاف والإشراف البشري.

كما جمع "نداء روما لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي" ممثلين عن مؤسسات دينية وشركات تكنولوجية حول مبادئ تتعلق بالشفافية والإدماج والمساءلة وعدم التمييز.

لذلك، لا تمثل "وثيقة الروح" بداية التفكير في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، لكنها تكشف انتقال النقاش إلى مرحلة أكثر تعقيدا: ماذا يحدث عندما تبدأ الشركات في التعامل مع أنظمتها باعتبارها كيانات تحتاج إلى قيم وحكم أخلاقي، وليس مجرد أدوات تحتاج إلى قواعد؟ هل نصنع الضمير بعد أن نصنع الذكاء؟.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك