عن الابن المفقود و"أمي التي لم أحبها".. حكايات سيدات عزبة خيرالله (صور)

01:43 م الإثنين 09 سبتمبر 2019
عن الابن المفقود و"أمي التي لم أحبها".. حكايات سيدات عزبة خيرالله (صور)

عرض حكايات من العزبة

كتابة وتصوير- شروق غنيم:

حين يُذكر فعل الحكي، لا يخطر على بال إيمان سنوسي سوى شخصًا واحدًا "محدش كان بيحكي معايا غير ابني محمود"، لازال الجرح حيًا في نفس السيدة الخمسينية، تصمت لثوان قبل أن تكمل قصتها، فابنها الشاب العشريني فاضت روحه لبارئها قبل عام بعد معافرة طيلة أربع سنوات مع مرض السرطان، غادر جسده عالم السيدة بينما لايزال طيفه حاضرًا في قاعة المركز الثقافي البريطاني، على لسان والدته، بينما تُمسك تسع سيدات أخريات بصورة الراحل.

1

2

كان المشهد افتتاحية عرض حكايات من العزبة، وما إن انتهت السيدة الخمسينية من حكايتها، ضمّتها تسع سيدات أخريات، يحاولن تطييب ألمها، بينما تنفلت منها الدموع رغمًا عنها.

3

4

داخل قاعة في المركز الثقافي البريطاني، نظم فريق فنانون فاعلون بالتعاون مع مشروع العزبة عرضًا للحكي باسم "حكايات من العزبة"، شاركت فيه عشر سيدات، كما تحكي أشرقت إسلام عضو الفريق. طيلة شهر تم تدريبهن على كيفية سرد قصة ذاتية "كل حكاية كانت بتلمسنا شخصيًا، بتعلمنا الصبر والقوة والمثابرة، السيدات دول يستحقوا يتسمعوا".

5

6

خلال التدريبات وقع اختيار الفريق على حكاية واحدة تمثل كل سيدة، أبقى المنظمون على كافة التفاصيل، لكن أضاف المخرج شريف القزاز عناصر درامية أكثر على العرض "مكنتش حابب أشوف سيدات مرصوصة على كراسي بتحكي وخلاص"، فيما منحوا السيدات خبرات أخرى أكثر أكاديمية "زي التشويق في الحكاية، إزاي ابتدي واختم". أدخل القزاز على الحدث محاكاة للقصص التي تُروى، فبينما تحكي إيمان عن ابنها، تحاوطها السيدات التسع وهن يتأملن صورة الراحل.

7

8

امتلأت قاعة المركز الثقافي البريطاني بالحاضرين، في الصفوف الأولى جلس أبناء سيدات العرض، صغار وكبار ينصتون لتتابع الحكايات، الموسيقى المتداخلة مع كل مشهد، لم يبدُ التوتر على نفس السيدات، لأول مرة يقفن أمام "ناس أغراب برضه علينا وبنحكي لهم عن تفاصيل شخصية في حياتنا"، لكنهن لا يرين سوى حياتهن، رأت آمال انعكاس حياتها لدى ابنتها، بكل ثبات وقفت تحكي "أنا اللي ظلمت نفسي"، تقطعت أنفاس السيدة الخمسينية بينما تكمل "نفسي أبقى عروسة زي بقية البنات، مكنتش أعرف إني كده بأذي نفسي"، لسنوات طوال شعرت بأنها تخوض حربًا وحدها، تربية أبنائها، تلبية طلبات المنزل، وبعد عشرين عامًا من زواجها خاضت ابنتها نفس التجربة.

9

10

"بنتي قالت لي تخيلي يا ماما لما ولادك يجوا يلوموكي أنتِ ليه جبت لنا أب كده؟ ابني اتخانق في المدرسة ولما سألوا على ولي أمره قالهم هجيب جدي"، تستدرك السيدة الخمسينية أن ذلك ليس لوفاة الأب "هو أبوهم على الورق وبس"، تفلت آمال ابتسامة وتكمل "لما قالت لي كدة كان نفسي اعملها فرح تاني واخليها تتجوز اللي بتحبه واعزم لها ناس كتير يغنولها".

يتحول الأمر إلى عرض استعراضي، تلتقط آمال طرحة عروس مطوّقة بالورد، توزعها على التسع سيدات في العرض، وما إن يرتدينها يبدأن الغناء "البحر جرحه مبيدبلش، وجرحنا ولا عمره دبل"، تقطع منى عبدالفتاح الأغنية، تتقدم إلى بداية المسرح فيبتسم المخرج ما إن يراها، بخمار وردي اللون تحكي السيدة الستينية عما واجهته من مشاكل حين توفى زوجها "منى دي بونبوناية العرض"، يقول شريف القزاز.

11

12

في البداية كان الأمر غريبًا بالنسبة للسيدة الستينية "مكنش في بالي إننا نعمل عرض ولا كل الكلام ده، أنا كنت بتبسط في التدريبات وإحنا بنحكي وبنطلع اللي جوانا"، في التدريبات حاول المدربون تخفيف التوتر لديها "بقوا يسألوني بتعرفي تغني يا حاجة منى؟ طيب ما تسمعينا حاجة"، بداخل الكواليس صارت هي بهجة السيدات، حين تتغير أمارات وجه إحداهن لأنها تذكرت حكاية حزينة "أفضل أقلدلهم عشان يضحكوا، أنا ستين سنة صحيح لكن جوايا طاقة واحدة عندها 30 سنة، مبحبش النكد".

13

14

باندهاش تابعت أشرقت إسلام السيدات "لإن سنهم كبير ومكنوش حاسين إنهم يقدروا يعملوا حاجة مختلفة عن روتين الشغل والبيت"، تتفاعل الفتاة العشرينية مع العرض وكأنها ترى السيدات وحكايتهن لأول مرة، بينما تابع شريف القزاز مخرج العرض الحضور "عيني مش على المسرح لكن على الناس الحاضرة، حابب أشوف رد فعلهم وإزاي متأثرين بالموضوع، كان في 4 رجالة قاعدين بيعيطوا.. الستات فعلًا حكاويهم طالعة من القلب عشان كدة وصلت".

15

16

حين جاء دور هدى جاد الرب لسرد حكايتها، لم يمسسها القلق أو التوتر، لم ترَ أمامها سوى والدتها، على المسرح اقتربت السيدة الأربعينية من نفسها أكثر، صارت متصالحة مع حكايتها، ومن أول وهلة خطفت اهتمام الحضور "أنا بلطجية.. أيوة بلطجية، لإن البلطجي له ألف حِس وحِس مسموع.. كان نفسي أبقى بلطجية".

13

14

منذ كانت في عمرها الثامن عملت هدى في السوق "أنا جيت العزبة وأنا في 2 ابتدائي، أبويا مات وأنا صغيرة، أمي قالت لي يا تخدمي في البيت يا تنزلي تشتغلي"، تتذكر حين كان يخبرها والدها بأمنيته لمستقبلها "كان يقولي نفسي أشوفك دكتورة"، لكن ذلك لم يحدث، لم تكمل السيدة الأربعينية تعليمها، اضطرت النزول للعمل "أمي كانت بتفرق بين الولد والبنت، بتحب أخواتي الصبيان وبتميزهم عننا، رغم إني عملت زيهم وبقيت اشتغل وأجيب فلوس عشان أحس بشوية حب أو حنان منها".

17

18

على المسرح لم تخشَ هدى من أن تبوح بمشاعرها تجاه والدتها بينما تجلس ابنتيها في أول الصفوف يسمعن الحكاية، وحين انتهت من السرد علت الهتافات والتصفيق تشجيعًا لها، وما إن انتهى العرض، احتضنت ابنتيها، التقطت معهم الصور "بحاول أعوّض الحب ده لعيالي، ابني الكبير لو زعق لواحدة فيهم بقف له، بعلمهم يحبوا بعض ويبقوا سند لبعض، مش عاوزاهم يطلعوا زيي لإني حزينة فعلًا إني محبتش أمي، أو معرفتش أحبها".

19

20

أنهت السيدات العشر حكايتهن، لكن لم تنتهِ الحياة، حين ألقت آخر سيدة قصتها، وقفن أمام نوافذ المركز الثقافي البريطاني لفتحها، تُسمع تنهيدات السيدات، وإحساسهن بالطاقة، الخِفة مع كل حكاية "كانت طابقة على نفسنا وحياتنا"، ورغم أن المشهد ارتجله المخرج صباح يوم العرض "لما روحت المكان وحسيت بطاقة لحظة ما تفتح شباك المكان المقفول، حسيته الخِتام الحقيقي ليهم، إن في عالم تاني مستنينا لسة، وحكايات ياما".

إعلان

إعلان

إعلان