• ودّع أسرته قبل وفاته.. مصراوي يحاور أسرة المرشد السياحي لـ"أتوبيس المريوطية"

    06:29 م الجمعة 11 يناير 2019
    ودّع أسرته قبل وفاته.. مصراوي يحاور أسرة المرشد السياحي لـ"أتوبيس المريوطية"

    أسرة المرشد السياحي الراحل إبراهيم حسين قمر

    كتبت-إشراق أحمد:

    الساعة السادسة إلا الربع، مساء يوم جمعة بارد النسمات، حال ليالي ديسمبر الأخيرة. يرن هاتف أسماء محسن، تجيب اتصال زوجها إبراهيم حسين قمر، يخبرها المرشد السياحي أن يومه أوشك على الانتهاء مع الفوج القادم من فيتنام، يُعلمها بمكانه في "بازار" قريب من منطقة الهرم، يتفقا أن يتناولا العشاء معًا، لأنه لم يأكل شيئا لذهاب السياح إلى مطعم "تايلاندي" طعامه حار جدا، ثم أخبرها قبل إنهاء المحادثة "هودي الزباين المطار وأجي على طول. مش هتأخر".

    أخذت الزوجة تفكر فيما تعده للعشاء، وكيف تخبر إبراهيم بمرض أبيه وقت غيابه، لكن الدقائق الخمس للمكالمة التي دارت في الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي، كانت آخر ما احتفظت به أسماء عن زوجها، فما إن استقل المرشد السياحي والزائرون الحافلة وسارت أمتارًا حتى سُمع دوي انفجار

    جوار سور "فيلا" في منطقة المريوطية –جنوب الجيزة- وُضعت عبوة ناسفة بدائية الصنع، وعند مرور حافلة تقل 14 سائحًا فيتناميًا والمرشد السياحي المصري إبراهيم حسين قمر، وسائق يدعى نور الدين عبد ربه محمود، وقبل اتخاذ الطريق الدائري وقع التفجير، ليلقى ثلاثة سائحين مصرعهم، وتوفى إبراهيم متأثرًا بجراحه جراء التفجير.

    رحل إبراهيم، على مسافة قريبة من منزل أسرته، يسكن صاحب السابعة والثلاثين ربيعًا في منطقة فيصل، بالقرب من الفندق السياحي الشهير بيراميدز بلازا. في المقهى المجاور عُلقت صورة للشاب يلتقيها مرتادي المكان الذي كان إبراهيم واحدًا منهم، كما لم يخلُ حائط بيته من صوره، تلتمس أسرته فيها ابتسامة طالما صنعها الفقيد على وجوههم قبل أن تغيب برحيله.

    1

    الحزن يخيم على وجوه آل حسين قمر، ليس فقط لفراق إبراهيم، لكن ما تم زعمه أنه السبب في تغيير مسار الرحلة زادهم ألما. يمتلأ المنزل بأفراد الأسرة كما كان يحب المرشد السياحي. هو الأخ الأكبر لشقيقين، دائم المزاح "كل ما نتصور يقولي أنت متصورة مع نجم" تقول زوجته، فيما تُعدد عائلته مآثره، لاسيما بره بوالديه "كان يدخل يوطي على رجل أبوه يبوسها" باكية تصف 

    والدته حاله معهما.

    اعتاد أن يحكي إبراهيم لزوجته عن عمله منذ ارتبطا قبل نحو 5 أعوام، يتواصلان في سفره كأنما تصاحبه في الرحلة. "شغله كان رقم واحد في حياته بيدي له كل طاقته" تقول أسماء، متذكرة كيف ضاق صدره حين ذهب إلى مطار القاهرة يوم 24 ديسمبر، تسبب سوء التنسيق في عدم توفير تذكرة إلى أسوان تمكنه من السفر قبل السائحين.

    لم يهدأ المرشد السياحي حينها إلى أن وجد مكانًا على إحدى الطائرات ليصل قبل خمس ساعات من وصول الزائرين وينتظر استقبالهم بالورد وقطع الشكولاتة كما اعتاد أن يفعل منذ عمل بالسياحة قبل 18 عامًا حسب قول زوجته.

    تعجبت أسماء في ذلك اليوم من فعل إبراهيم، عاتبته لقضاء هذا الوقت منتظرًا، لكنه أخبرها "مش مشكلة استنى بدل ما هم يجيوا ويستنوا. أو حد يضايقهم أو ياخد منهم حاجة أو يضحك عليهم".

    كان برنامج الرحلة للفوج الفيتنامي مزدحمًا يوم وصولهم إلى القاهرة 23 ديسمبر، لم يتمكنوا من حضور الصوت والضوء كما أخبر إبراهيم زوجته، لذلك تم إرجائه إلى العودة من جولة الأقصر وهو ما كان معلوم مسبقًا حسب قول أسرته التي ظل إبراهيم متواصلا معها.

    2

    طالما حرص إبراهيم على عدم مغادرة السائحين المطار إلا والبسمة تعلو الوجوه. لحظة انبهار الزائرين بالآثار هي المفضلة لدى المرشد، كثيرًا ما أخبر زوجته عن شعوره حينها "ببقى حاسس أني فخور وفرحان كوني مصري"، ولأجل هذا يبذل جهده، ويحرص على أداء كل التفاصيل، لذلك حزن كثيرًا بسبب طقس يوم العودة، خشى أن يُحرم الزائرون من التقاط صور تذكارية مع الأهرامات.

    غارد إبراهيم كلية الحقوق بعد أعوام من الدراسة لأجل الالتحاق بكلية السياحة والفنادق وتعلم اللغات، أتقن الإنجليزية، وأضاف إليها اليابانية والصينية، وتتدرج في العمل بالسياحة منذ عمل بها عام 2000، حتى أن آخر خططه التي أخبر بها زوجته وأصدقائه كانت السفر إلى فيتنام لتعلم لغتهم، ويكون أول مرشد سياحي مصري يتحدث بها، حتى يتسن للسائحين الإلمام بما يقول مباشرة دون وسيط.

    أوقات تدهور أوضاع السياحة في مصر كانت الأصعب على نفس إبراهيم، لزم وجود مصدر دخل مستقر لأسرته؛ تنقل بين العديد من المهن، لكن لم ينس ما يهوى؛ كان يعمل موظف اتصال في إحدى الشركات مع زوجته "في الوقت اللي ميبقاش فيه اتصالات يقعد يذاكر ياباني"، حتى أنه لم يحتمل الابتعاد كثيرًا وعاد للإرشاد السياحي نهاية 2013 حسب قول زوجته.

    "الحاجة الوحيدة اللي بتخليني اتنفس هي السياحة. ببقى مبسوط لما أروح أشوف الأماكن السياحية وأكلم الناس عن بلدي" هكذا برر إبراهيم لزوجته تضحيته بالعمل ذي الدخل الثابت، وأدركت أسماء مدى شغفه بما يطمح وقت غياب الأفواج السياحية "كان ياخدني يوديني الأهرامات والمتحف ويقعد يشرح لي ويقولي عملت بيكي يومية" متأثرة تحكي الزوجة.

    3

    صباح يوم الحادث تحدث إبراهيم إلى أسماء. كان على متن الطائرة العائدة إلى مطار القاهرة. تفتح الزوجة هاتفها على صور ومقاطع تصويريه أرسلها لها المرشد السياحي عن تحرك الطائرة ولحظة هبوطها، وحين وصل في الثامنة والربع صباحًا قال ما لم تنساه "الجو تلج جدا أنتوا قاعدين إزاي في السقة دي" تستعيد أسماء كلماته بينما تبكي "مكنش يعرف يا حبيبي أنه يومها هيبات في التلاجة".

    علمت أسماء بأمر الحادث بعد نحو ساعتين. مرض والد إبراهيم قبل وفاته بيوم وانتقل إلى المستشفى فلزم أن تكون السيدة بجوار أسرة زوجها في غيابه، حرصت ألا تحدثه كثيرًا ذلك اليوم فينكشف نبأ أبيه ويترك عمله لأجله، لكن شقيقه الأصغر أحمد، كان أول المستقبلين للخبر.

    تصادف أن يتواجد أحد الجيران في مستشفى الهرم التخصصي، علم بوجود إبراهيم بين الضحايا، والذي كان لازال على قيد الحياة وقتها. ذهب الجار وأخبر أحمد، ليهرع الأخير معتقدًا أنه حادث سير.

    وكذلك اعتقدت والدة وزوجة إبراهيم، التي استقبلت الخبر عبر اتصال أحد أصدقاء المرشد السياحي، هاتفها للاطمئنان عليه، فتفاجأت أسماء وذهبت برفقة "حماتها"، وكل ظنها أنه بخير، لاسيما بعدما أخبرها شقيقه "عشر دقايق وأجي أنا وإبراهيم".

    كان إبراهيم لفظ أنفاسه داخل غرفة العمليات، بعدما أخبر الطبيب بعبارات ثلاث قبل أن يغيب "أحنا فين..إيه اللي حصل..هات لي أحمد بسرعة".

    في المستشفى، غابت الملامح والأصوات المتزاحمة، فقط تتحسست أسرة إبراهيم خطاها لرؤيته، تحدثت والدته بينما تغالبها الدموع "حادثة إيه اللي في شارع الهرم"، أجابها أحد الضباط "احتسبيه شهيد"، ردت باكية "يعني ميموتش من الإرهاب وأنا كل ما يسافر ابقى خايفة عليه ويموت بحادثة أتوبيس"، نظر إليها الضابط وقال "ما هي يا ماما حادثة إرهاب".

    طالما خشيت والدة إبراهيم عليه من أن تغتاله يد الغدر لعمله برفقة السائحين، كلما سافر يختلج قلبها حتى يعود بسلام، لا تستوعب كيف تحققت ظنونها لتقف في ذلك اليوم وتطل عليه في المشرحة.

    أما أسماء. ظلت تُكذب الخبر قرابة 4 ساعات، تجلس على الأرض أمام غرفة العمليات، تتمتم بينما تتحجر الدموع في عينيها "محدش يقولي مات ده لسه مكلمني. هو في العمليات وخارج"، حتى علمت أن والدة إبراهيم ذهبت لرؤيته في ثلاجة الموتى، حينها زال اليقين بالنجاة، وتأكدت أنها فقدت رفيقها للأبد.

    4

    بعد إلحاح الأم لرؤية ابنها، دخلت إلى المشرحة، رأت جسده مخيطًا، دخلت حينها في نوبة بكاء "مش كفاية موتوه كمان يتشرح أنتوا بتعملوا فيه إيه" قالت مشيرة إلى الأطباء.

    لم تكن تلك آثار التشريح. علمت الزوجة من الطبيب المرافق لإبراهيم الحالة التي جاء عليها الفقيد، تقول متحاملة على نفسها "الطحال مقسوم نصين. الرئة خارجة من مكانها. وفي وتر مهم في الرجل مقطوع. والقلب كان في غشاء متشال من مكانه. مرتين قلبه يقف في أوضة العمليات والتالتة ملحقوش. كانوا فاتحين بيحاولوا يرجعوا الرئة"، تستمع الوالدة لتلك الكلمات للمرة الأولى، تنهار وتدخل في نوبة بكاء "فجروك يا ابني. فجروك يا إبراهيم.. ده كان بيحب الحياة عملت لهم إيه يا حبيبي".

    أسبوعان مضيا ولم يغب إبراهيم عن أسماء، في الليلة الظلماء الأولى، احتضنت الزوجة ملابسه باكية حتى غلبها النوم، لكنها التقته في الحلم، آتاها رفيقها معاتبًا يشيح بوجهه عنها كما تحكي "قلت له زعلان مني ليه أنا معملتلكش حاجة. قالي زعلان أنك بتعيطي أنا مبحبش العياط". تلتقط أنفاسها بينما تمسح دموعها التي تخونها بين الحين والآخر "مش عايزة أعيط عليه عشان يفضل يجي لي في الحلم ويقولي أنه فرحان".

    5

    كأنما كان يعطيها دلالات للفراق، تأكدت أسماء من هذا بعدما استرجعت أفعال إبراهيم بعد رحيله. يفضل المرشد السياحي النوم في غرفة مستقلة، لكن قبل أيام من سفره، أصر أن تنام زوجته جواره، في ليلته الأخيرة احتضنها بشدة وقال "ينقع يلزقونا كده"، مازحته أسماء "وهتنزل القهوة إزاي"، فأخبرها "مش عايز أروح في حته عايز افضل معاكي والولاد". تحكي أسماء عن توديعه لأسرته حتى طفليه الصغيرين ديما وحسين.

    في اليوم السابق للواقعة، اتصل إبراهيم بزوجته في السابعة صباحًا، شكت له من "غلبة" ابنتهما ذات الأربع أعوام، وضعت أسماء الهاتف على أذن ديما كما طالبها رفيقها، لتستيقظ الصغيرة على غير عادتها بمجرد سماع صوت أبيها، الذي قال لها "يلا يا ديما يا شطورة قومي روحي الحضانة واحضري الحفلة عشان تبعتي لي الصور واسمعي كلام ماما ومتزعليهاش".

    6

    تمر الأيام عصيبة على أسرة إبراهيم، يلتزم والده الصمت، كيف لمحارب سابق في حرب 73 وضابط متعاقد في الجيش أن يقتل ابنه غدرًا ويؤذى بالكلام في سيرته؟. يتساءل الشقيق، فيما تئن والدته لما قيل في حق ابنها، وما وصفته "تجاهل" الجهات لتكريم المرشد السياحي حال "أي شهيد" يسقط في عملية إرهابية، متمنية يومًا أن تلقى رئيس الجمهورية حال أسر الشهداء.

    من جانبها تحاول أسماء الصمود، لا تعرف كيف تمضي الأيام في غياب إبراهيم الأبدي، تلتمس العزاء في سيرته عبر لقاء المعارف، وصفحة الفيسبوك التي أنشأها شقيقه وأصدقائه قبل 6 أيام، كمحاولة للرد عما تداول من معلومات "كاذبة" عنه. تستشعر أنه في مكان أفضل، لوفاته على ما يحب، فكان آخر ما احتضنه حقيبته المغلقة على كتب عن الآثار وتذكرة طيران إلى الأقصر، حجزها سلفًا، لمرافقة فوج سياحي ليلة رأس السنة.

    7

    إعلان

    إعلان

    إعلان