إعلان

"كولدير القرن الـ18".. أسرار "المزيرة" أسفل سلالم بيوت رشيد بالبحيرة

كتب : أحمد نصرة

12:06 م 16/09/2026

تابعنا على

في الشوارع والميادين، أصبح "كولدير المياه" مشهدًا مألوفًا، يتوقف المارة والعابرين أمامه للحصول على كوب من المياه الباردة، لكن في رشيد، تبدو الحكاية أقدم بكثير من الكولديرات التي نعرفها اليوم.

قبل نحو 3 قرون، وقبل أن تعرف الشوارع أجهزة تبريد المياه الحديثة، كانت بيوت رشيد الأثرية ومنها منزل التوقاتلي تضم تفصيلة معمارية أدت فكرة قريبة من ذلك الدور.. "المزيرة"، تجويف صغير أسفل السلم الخارجي، كان يُخصص لوضع زير أو جرة فخارية لحفظ مياه الشرب، ليستفيد منها أهل الدار والعابرون.

تفصيلة تبدو بسيطة إذا مرت عليها العين سريعًا، لكنها تكشف كيف تعاملت العمارة في رشيد القديمة مع احتياجات الناس اليومية، حتى تحولت المساحة أسفل السلم إلى مكان للمياه، يجمع بين الوظيفة والاستفادة من المكان وروح التكافل.

نقطة مياه تحت السلم

لم يكن اختيار موقع "المزيرة" أسفل السلم عشوائيًا، يوضح ذلك أحمد حبالة، مدير آثار رشيد قائلًا: "المكان يوفر ظلًا نسبيًا ويحسن استغلال مساحة معمارية أسفل الدرج، بينما ارتبطت الفتحة الدائرية الموجودة أسفل الكتلة الحجرية بوظيفة العنصر وتصريف المياه الزائدة".

وبجانب وظيفتها العملية، حملت "المزيرة" جانبًا إنسانيًا، إذ أتاحت مياه الشرب لأهل الدار والعابرين، خاصة في أشهر الصيف، لتصبح واحدة من التفاصيل التي تعكس مفهوم التكافل الاجتماعي في العمارة الإسلامية.

واجهة تحكي عبقرية رشيد

ولا تقف حكاية منزل التوقاتلي عند "المزيرة"، فالواجهة تقدم نموذجًا واضحًا لما تميزت به العمارة الرشيدية في العصر العثماني.

ويظهر الطوب المنجور الملون بالأحمر والأسود في زخارف هندسية لافتة، إلى جانب العقود نصف الدائرية التي تعلو الأبواب والنوافذ، والمصاريع الخشبية المنفذة بأسلوب التعشيق المائل الذي يأخذ شكل حرف "V".

ويمنح التباين بين الخشب والحجر الجيري والطوب الملون الواجهة ثراءً بصريًا، يجعل كل عنصر فيها جزءًا من لوحة معمارية متكاملة.

السلم.. وظيفة وجمال

يظهر السلم الخارجي كأحد أبرز العناصر التي ميزت العديد من العمائر الأثرية في رشيد، فلم يكن مجرد وسيلة للوصول إلى المدخل، وإنما ارتبط بوظائف معمارية متعددة.

فرفع مستوى المدخل عن منسوب الشارع ساعد في الحماية من الرطوبة ومياه الأمطار والفيضان، كما وفر قدرًا أكبر من الخصوصية لسكان المنزل، وأتاح استغلال الطابق الأرضي في التخزين أو الأنشطة التجارية، مع تخصيص الطوابق العلوية للسكن.

وفي الوقت نفسه، أضاف السلم حركة إلى الواجهة، فكسر استقامة الخطوط ومنح المبنى تنوعًا بصريًا واضحًا.

تفصيلة صغيرة.. وحكاية كبيرة

تختصر "المزيرة" فلسفة كاملة في العمارة القديمة؛ فالمساحة الصغيرة لم تكن مهملة، والتفصيلة البسيطة لم تكن بلا وظيفة، والمبنى لم يكن مجرد جدران تحمي سكانه، وإنما مساحة صُممت لتخدم احتياجاتهم وتراعي من يمرون أمامها.

وبعد مرور نحو 3 قرون، ما زالت "المزيرة" تحتفظ بمكانها في منزل التوقاتلي، لتمنح زائر المكان فرصة لقراءة جانب من الحياة اليومية لأهالي رشيد قديمًا، حين كانت نقطة المياه جزءًا من العمارة، وكان تقديمها للعابرين صورة من صور التكافل الاجتماعي.

وهكذا، فإن ما يبدو اليوم مجرد تجويف أسفل سلم، يتحول عند قراءة تفاصيله إلى شاهد صغير على زمن كانت فيه العمارة تعرف كيف تجمع بين الجمال والمنفعة والإنسانية.

اقرأ أيضًا:

بالطبلة البلدي والمزمار.. أب يزف ابنته حتى باب المدرسة بالبحيرة

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك

إعلان

إعلان